2026-06-22
87
هل يجوز الاستنساخ في البشر؟
لا بدَّ أنَّكم قرأتم وسمعتم وشاهدتم هذا الحدث الكبير، الَّذي تحدثت عنه أجهزة الإعلام كلها، وأذاعته وكالات الأنباء العالمية، وأمسى حديث النَّاس في مجالسهم في صباحهم ومسائهم، ألا وهو «استنساخ» النعجة الأسكتلندية «دوللي» كما سمَّوها، وقد ظهرت نسخة مطابقة للنعجة الَّتي استنسخت منها تمامًا، لا تتميز عنها في شيء، وهنا بات النَّاس يخافون أن يحدث من الاستنساخ في الإنسان، ما حدث في الحيوان! وهذا ما جعلنا وجعل الكثيرين من أمثالنا يتساءلون عن موقف الدين والشريعة الإسلاميَّة من هذا الأمر، وبعبارة صريحة: هل يجوز الاستنساخ في البشر، كما جاز في الحيوان؟!
نفع الله بعلمكم، وجزاكم عنَّا وعن المسلمين خيرًا.
شباب يدرسون «البيولوجيا» في الولايات المتحدة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
يقول الشاعر العربيُّ(1):
والليالي من الزمان حَبَالَى
مُثقلاتٌ يلدنَ كلَّ عجيبِ!
وثبات العلم الحديث:
وإذا كانت الليالي في الأزمنة الماضية تلد العجائب، فهي في زماننا أكثر وأسرع ولادة لكل عجيب وغريب، ممَّا لم يخطر ببال الإنسان، ولم يحلم به مجرد حلم في العصور السالفة، وذلك بفضل تقدم العلم الَّذي علَّمه الله للإنسان، ﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: 5]، حتَّى أضحى الإنسان يشق أجواز الفضاء، وينزل على سطح القمر، ويطمح للوصول إلى الكواكب الأبعد.
ولقد قُدِّر لنا أن نشهد كثيرًا من العجائب في حياتنا، ابتداءً من المذياع والتلفاز، ثم الكومبيوتر وغزو الفضاء، وانتهاءً بالإنترنت، ومرورًا بالثورة البيولوجية الهائلة: ثورة الهندسة الوراثيَّة، الَّتي جُرِّبت بتوسُّع في عالم النبات، ثم بقدر أضيق في عالم الحيوان، ثم أصبح يُخشى أن تدخل عالم الإنسان!
ولقد أصبح الكثيرون يتخوَّفون من وثبات العلم إذا انطلق وحده بمعزل عن الإيمان والأخلاق، فقد يعود العلم عندئذٍ خطرًا على الإنسان، بدل أن يكون نعمة له.
ومنذ سنوات عقدت في كلية العلوم بجامعة قطر، ندوة علميَّة، شاركت فيها المنظمة الإسلاميَّة للتربية والثقافة والعلوم، وجمعية الدعوة الإسلاميَّة بليبيا، وكان موضوعها: الهندسة الوراثيَّة وموقف الدين والأخلاق والقانون منها. وانتهت الندوة بعدد من التوصيات، دارت حول التحذير من انطلاق العلم أو انفلاته من قيم الدين والأخلاق، ورعاية المصلحة للبشر، واتخاذه أداةً لسيطرة بعض النَّاس على بعض، والعبث بفطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها، ومحاولة تغيير خلق الله، وهو من عمل الشيطان.
الاستنساخ ومخاطره:
ولقد بدأت المخاوف الَّتي خشيها النَّاس من تطور الهندسة الوراثيَّة، تظهر فيما عرف اليوم باسم «الاستنساخ» حيث تمَّ هذا الإنجاز في دنيا الحيوان في صورة النعجة «دوللي» الشهيرة، الَّتي لم تُولد من التقاء الذكر والأنثى، أو الكبش والنعجة، أو التقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، كما هو المعتاد فيما خلق الله من حيوان وإنسان.
ولكنَّهم أخذوا بويضة من هذه النعجة المعيَّنة، وفرَّغوها من نواتها، أي نزعوا منها النواة تمامًا، ثم جاؤوا بخلية حية من جسم النعجة، ووضعوها مكان النواة، فانقسمت وتكاثرت، كما في البويضة الملقحة، بعد أن وضعت في رحم الشاة، وتمت النمو الجنيني المعتاد، حتَّى ولدت شاة كاملة، مشابهة للشاة الَّتي استنسخت منها تمام المشابهة. أي مشابهة التوءم للتوءم إذا كانا من بويضة واحدة.
وبهذا أمكن تخليق نسخة أخرى طبق الأصل من النعجة الَّتي أخذت منها البويضة، وفي الإمكان استنساخ نعجات أو نسخ أخرى مطابقة تمام المطابقة للنعجة الأصلية في جسمها وشكلها، ولونها وحجمها ونوع صوفها، إلخ.
ومنذ نجح الاستنساخ في عالم الحيوان، أصبح الاستنساخ في عالم الإنسان في دائرة الإمكان، وغدا هذا الأمر مخوفًا لدى الكثيرين في أنحاء العالم، وقبله أناس، ورفضه آخرون، بعضهم من رجال العلم أنفسهم، وأكثرهم من الذين يهتمُّون بالدين والأخلاق والقيم الإنسانيَّة، ومصير البشرية.
ويقول بعض الناس: إنَّهم يجرِّبون ذلك سرًّا على الإنسان، دون إعلان الآن، حتَّى إذا أنجزوا ما ينشدونه أعلنوه.
موقف الإسلام من الاستنساخ:
ومن أجل ذلك تساءل النَّاس في عالمنا الإسلامي عن موقفنا نحن المسلمين، وبعبارة أدق: عن موقف ديننا وشريعتنا من هذا الأمر الجديد: أتجيزه شريعتنا بإطلاق؟ أم تمنعه وتحرِّمه بإطلاق؟ أم تجيزه ببعض الضوابط والقيود؟
وأودُّ أن أجيب هنا بأنَّ الإسلام يرحِّب عمومًا بالعلم والبحث العلمي، ويرى من فروض الكفاية على الأمة المسلمة: أن تتفوق في كل مجال من مجالات العلم الَّذي تحتاج إليها الأمة، في دينها أو دنياها، بحيث تتكامل فيما بينها، وتكتفي اكتفاءً ذاتيًّا في كلِّ فرع من فروع العلم وتطبيقاته، وفي كلِّ تخصُّص من التخصُّصات، حتَّى لا تكون الأمة عالةً على غيرها.
ولكنَّ «العلم» في الإسلام، مثله مثل العمل، والاقتصاد والسياسة والحرب، كلُّها يجب أن تتقيد بقيم الدين والأخلاق، ولا يقبل الإسلام فكرة الفصل بين هذه الأمور وبين الدين والأخلاق؛ كأن يقول قائلون: دعوا العلم حرًّا، ودعوا الاقتصاد حرًّا، ودعوا السياسة حرَّة، ودعوا الحرب حرَّة، ولا تُدخلوا الدين أو الأخلاق في هذه الأمور، فتضيِّقوا عليها، وتمنعوها من النمو والانطلاق وسرعة الحركة.
إنَّ الإسلام يرفض هذه النظرة الَّتي أفسدت العلم والاقتصاد والسياسة، ويرى أنَّ كل شيء في الحياة يجب أن يخضع لتوجيه الدين، وكلمة الدين، فكلمة الدين هي كلمة الله، وكلمة الله هي العليا، ومن المنطقي أن تخضع كلمة الإنسان المخلوق لكلمة الله الخالق سبحانه. وكلمة الله هي أبدًا كلمة الحق والخير، والعدل والجمال!
الاستنساخ في عالم الحيوان جائز بشروط:
ونحن إذا نظرنا إلى قضية الاستنساخ، فنحن نجيزه في عالم الحيوان بشروط:
الأول: أن يكون في ذلك مصلحة حقيقية للبشر، لا مجرد مصلحة متوهَّمة لبعض الناس.
الثاني: ألَّا يكون هناك مفسدة أو مضرَّة أكبر من هذه المصلحة، فقد ثبت للناس الآن ـ ولأهل العلم خاصَّة ـ أنَّ النباتات المعالجة بالوراثة إثمها أكبر من نفعها، وانطلقت صيحات التحذير منها في أرجاء العالم.
الثالث: ألَّا يكون في ذلك إيذاء أو إضرار بالحيوان ذاته. ولو على المدى الطويل، فإنَّ إيذاء هذه المخلوقات العجماوات حرام في دين الله.
الاستنساخ في مجال البشر لا يجوز:
إذا عرفنا ذلك في عالم النعاج والكباش أو عالم الحيوان بصفة عامة، فما الحكم في دخول الاستنساخ في عالم الإنسان، ومحاولة استنساخ بشر من آخر على طريقة النعجة «دوللي» بحيث يمكننا أن نستنسخ من الشخص الواحد عشرات أو مئات مثله، بدون حاجة إلى أبوين ولا زواج ولا أسرة، بل يكفينا أحد الجنسين من الذكور أو الإناث، ونستغني عن الجنس الآخر، وبهذا تستطيع البشرية أن تستنسخ من الأشخاص الأذكياء عقلًا، والأقوياء جسمًا، والأصحاء نفسًا، ما شاءت من الأعداد، وتتخلَّص من الأغبياء والضعفاء والمهازيل من البشر؟
وهنا نقول: إنَّ منطق الشرع الإسلامي ـ بنصوصه المطلقة، وقواعده الكليَّة، ومقاصده العامة ـ يمنع دخول هذا الاستنساخ في عالم البشر، لما يترتب عليه من المفاسد الآتية:
الاستنساخ ينافي التنوع:
أولًا: إنَّ الله خلق هذا الكون على قاعدة «التنوع» ولهذا نجد هذه العبارة ترد في القرآن كثيرًا بعد خلق الأشياء والامتنان بها على العباد: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ﴾، فاختلاف الألوان تعبير عن ظاهرة «التنوُّع». وحسْبنا أن نقرأ قول الله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٍۢ مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهَا ۚ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌۭ وَحُمْرٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌۭ ٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلْأَنْعَٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُاْ﴾[فاطر: 27، 28].
والاستنساخ يناقض التنوع؛ لأنَّه يقوم على تخليق نسخة مكررة من الشخص الواحد، وهذا يترتب عليه مفاسد كثيرة في الحياة البشرية والاجتماعيَّة، بعضها ندركه، وبعضها قد لا ندركه إلَّا بعد حين.
تصور فصلًا من التلاميذ المستنسخين، كيف يميِّز المدرِّس بين بعضهم وبعض؟ كيف يعرف زيدًا من عمرو من بكر؟
وكيف يعرف المحقِّق من ارتكب جرمًا من غيره، والوجوه واحدة، والقامات واحدة، والبصمات واحدة؟
بل كيف يعرف الرجل زوجته من غيرها والأخرى نسخة مطابقة لها؟ وكيف تعرف المرأة زوجها من غيره، وغيره هذا صورة منه؟
إنَّ الحياة كلها ستضطرب وتفسد، إذا انتفت ظاهرة التنوع واختلاف الألوان، الَّذي خلق الله عليه الناس.
علاقة المستنسَخ بالمستنسَخ منه:
ثم هناك سؤال محيِّر عن علاقة الشخص المستنسخ بالشخص المستنسخ منه: هل هو نفس الشخص باعتباره نسخة مطابقة منه؟ أو هو أب له، أو أخ توءم له؟ هذه قضية مربكة.
ولا شكَّ أنَّ هذا الشخص غير الآخر، فهو ـ وإن كان يحمل كل صفاته الجسمية والعقلية والنفسيَّة ـ ليس هو الآخر، فهو بعده، بزمن قطعًا، وقد يحمل كل صفاته الأساسية، ولكن تؤثر فيه البيئة والتربية، والثقافة، فتجعل منه شخصًا آخر في عقيدته وسلوكه ومعارفه، فهذه أمور تُكتسب، ولا تكفي فيها العوامل الوراثيَّة وحدها.
وإذن يكون شخصًا غير الشخص المستنسخ منه، ولكن ما صلته به: أهو ابن؟ أم أخ؟ أم غريب عنه؟ هذه مشكلة حقًّا.
قد يقول البعض ببنوته؛ لأنَّه جزء منه، وهذا مقبول إذا وضع في رحم المرأة وحملته وولدته، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ﴾[المجادلة: 2]، ومعنى هذا أن يكون له أم ولا أب له!
وقد يقول آخر: إنَّه أخ توءم للمستنسخ منه، بمثابة التوءمين المخلوقين من بويضة واحدة، ولكن الأخوة فرع عن الأبوة والأمومة، فكيف يثبت الفرع ولم يثبت الأصل؟
وهذا كله يوجب علينا أن ننكر العمليَّة من أصلها؛ لما يترتب عليها من مفاسد وآثام، ظهر بعضها، وبقي كثير منها في رحم الزمان.
مفاسد أخرى محتملة:
ثمَّ إنَّ الاستنساخ يعرض «القطيع المستنسخ» للعدوى السريعة، وربَّما للهلاك السريع، إذا أصيب واحد منهم بمرض، فسرعان ما يصاب مجموع المستنسخين بهذا الداء، وقد يقضي عليهم مرَّة واحدة، لأنَّ مجموعهم ـ وإن كانوا كثرة في العدد ـ بمثابة شخص واحد.
ومن ناحية أخرى لا يؤمن أن يستخدم الاستنساخ في الشر، كما استخدمت «القوة النوويَّة» وغيرها في التدمير وإهلاك الحرث والنسل.
فما الَّذي يضمن لنا ألَّا تأتي بعض القوى الكبرى أو من يقلدها فتستنسخ جيشًا من الأقوياء والعمالقة لتسحق به الآخرين؟
وما الَّذي يضمن لنا أن تأتي بعض هذه القوى الكبرى وتستخدم نفوذها، لمنع الآخرين من هذا الاستنساخ، وتحرِّمه عليهم، في حين تحلُّه لنفسها، كما فعلوا في «الأسلحة النوويَّة»؟
الاستنساخ ينافي سُنَّة «الزوجيَّة»:
على أنَّ الاستنساخ بالصورة الَّتي قرأناها وشرحها المختصون: ينافي ظاهرة «الازدواج» أو سُنَّة «الزوجيَّة» في هذا الكون الَّذي نعيش فيه.
فالناس خلقهم الله أزواجًا من ذكر وأنثى، وكذلك الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات، بل كذلك النباتات كلها.
بل كشف لنا العلم الحديث أنَّ الازدواج قائم في عالم الجمادات، كما نرى في الكهرباء ظاهرة الموجب والسالب، بل إنَّ «الذرَّة» ـ وهي وحدة البناء الكوني كله ـ تقوم على إلكترون وبروتون، أي شحنة كهربائية موجبة، وأخرى سالبة، ثم النواة.
والقرآن الكريم يشير إلى هذه الظاهرة حين يقول:﴿وَخَلَقْنَٰكُمْ أَزْوَٰجًۭا﴾[النبأ: 8]، ﴿وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ ٤٥ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾[النجم: 45، 46].
ويقول:﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ﴾، أي مِن زُروعٍ وَثِمَار ونَبَات،﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، فجعَلَهُم ذكَرًا وأُنثَى،﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[يسۤ: 36].
ويقول:﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[الذاريات: 49].
ولكنَّ الاستنساخ يقوم على الاستغناء عن أحد الجنسين، والاكتفاء بجنس واحد، حتَّى قالت إحدى النساء الأمريكيات: سيكون هذا الكوكب بعد ذلك للنساء وحدهن. وهذا ضد الفطرة الَّتي فطر الله النَّاس عليها.
وليس هذا في مصلحة الإنسان بحالة من الأحوال؛ فالإنسان بفطرته محتاج إلى الجنس الآخر، ليس لمجرد النسل، بل ليكمِّل كلٌّ منهما الآخر، كما قال تعالى:﴿بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ﴾[آل عمران: 195].
وليستمتع كلٌّ منهما بالآخر، كما قال تعالى في تصوير العلاقة الزوجية:﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187].
ولهذا حينما خلق الله آدم وأسكنه الجنَّة، لم يبقه وحده، ولو كان في الجنة، بل خلق له من نفسه زوجًا ليسكن إليها، كما تسكن إليه، وقال له:﴿ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾[البقرة: 35].
وإذا كان كلٌّ من الرجل والمرأة في حاجة إلى صاحبه ليسكن إليه، وتقوم بينهما المودة والرحمة، فإنَّ ذريتهما أشد ما تكون حاجة إليهما، أي إلى جو الأسرة: إلى الأمومة الحانية، وإلى الأبوة الراعية، إلى تعلم الفضائل من الأسرة، فضائل المعاشرة بالمعروف، والتفاهم والتناصح، والتباذل والتعاون على البر والتقوى.
وقد علم النَّاس أنَّ أطول الطفولات عمرًا هي الطفولة البشرية الَّتي تمتد لسنوات، يكون الطفل فيها في حاجة إلى أبويه وإلى أسرته ماديًّا وأدبيًّا. ولا تتم تربية الطفل تربية سوية مكتملة إلَّا في ظل أبوين يحبَّانه ويحنوان عليه، وينفقان الغالي والرخيص حتَّى يكتمل نموه، وهما في غاية السعادة بما يبذلان لأولادهما، دون منٍّ ولا أذًى.
والاستنساخ لا يحقِّق سكن كلٍّ من الزوجين إلى الآخر، كما لا يحقق الأسرة الَّتي يحتاج الطفل البشري إلى العيش في ظلالها وحماها، واكتمال نموه تحت رعايتها ومسؤوليتها، فكل من الأب والأم راعٍ في الأسرة ومسؤول عن رعيته.
استخدام الاستنساخ في العلاج:
بقي هنا أمر يسأل النَّاس عنه، وهو مدى جواز إمكان عمليَّة الاستنساخ في العلاج لبعض الأمراض.
ولا أدري المقصود من هذا بالضبط، فإن كان المقصود استنساخ «إنسان» أو «طفل» أو حتَّى «جنين» لتؤخذ فيه «قطع غيار» سليمة، تُعطى لإنسان مريض، فهذا لا يجوز بحال؛ لأنَّه مخلوق اكتسب الحياة الإنسانيَّة ـ ولو بالاستنساخ ـ فلا يجوز العبث بأجزائه، ولا بأعضائه، ولو كان في المرحلة الجنينية؛ لأنَّه قد أصبحت له حرمة.
ولكن إذا أمكن استنساخ أعضاء معينة من الجسم مثل القلب أو الكبد أو الكليَّة، أو غيرها، ليستفاد منها في علاج آخرين محتاجين إليها، فهذا ما يرحِّب به الدين، ويثيب عليه الله تبارك وتعالى، لما فيه من منفعة للناس، دون إضرار بأحد، أو اعتداء على حرمة أحد.
فكل استخدام من هذا القبيل فهو مشروع، بل مطلوب طلب استحباب، وربَّما طلب إيجاب في بعض الأحيان، بقدر الحاجة إليه، والقدرة عليه.
ملاحظتان مهمتان:
وأحبُّ أن أنوِّه هنا إلى ملاحظتين مهمتين حول قضية الاستنساخ:
الأولى: أنَّ الاستنساخ ليس كما يتصوَّره أو يتوهَّمه بعض «خلقًا للحياة»، إنَّما هو استخدام للحياة الَّتي خلقها الله تبارك وتعالى، فالبويضة الَّتي نزعت منها نواتها من خلق الله تعالى، والخلية الحية الَّتي غرست في البويضة بدل النواة من خلق الله تعالى. وكلتاهما تعمل في محطيها وفق سنن الله تعالى، الَّتي أقام عليها هذا العالم.
والثانية: أنَّ فكرة الاستنساخ أفادت الدين في تقريب عقيدة أساسية من عقائد الدين، وهي عقيدة البعث، وإحياء النَّاس بعد موتهم لحسابهم وجزائهم في الآخرة، فقد كان المشركون قديمًا، والماديون إلى اليوم، يستبعدون فكرة البعث بعد الموت، وأن يعود الإنسان نفسه إلى الحياة مرَّة أخرى.
وقد قرَّبت ظاهرة الاستنساخ الأمر، أنَّه بواسطة بويضة وخلية يعود الإنسان نفسه بصورة جديدة إلى الحياة، فإذا كان هذا أمرًا قدر عليه الإنسان، أفيستبعد على قدرة الله: أن تعيد الإنسان مرَّة أخرى إلى الحياة بواسطة ما سُمِّي في الحديث بـ «عجب الذنب»(2)، الَّذي لا يفنى من الإنسان، أو بغير ذلك ممَّا نعلمه وما لا نعلمه؟﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾[الروم: 27].
(1) ذكره دون نسبة النويري في نهاية الأرب (1/134)، تحقيق دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، ط 1، 1423هـ.
(2) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في التفسير (4935)، ومسلم في الفتن (2955)، عن أبي هريرة.