تشريح جثَّة الميِّت لدراسة الطب وكيف سيحاسب في قبره من...

❓ تشريح جثَّة الميِّت لدراسة الطب وكيف سيحاسب في قبره من شرحت جثته؟

📅 2026-06-22 👁 111 مشاهدة

نص السؤال:

الميت الَّذي لا أهل له، يُودع في ثلاجة في مستشفى للاستفادة منه في الدراسة والتشريح لطلبة كليات الطب، فمتى وكيف يحاسب في القبر وهو لم يُدفن؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ظننتُ الأخ يسأل عن حكم تشريح هذه الجثة الَّتي ليس لها أهل، ولكن وجدتُه مشغولًا بقضية غيبية أخرى، هي كيف سيُحاسب في قبره، والأَوْلى أن يسأل: هل يجوز أن يُودع الميت في ثلاجة في المستشفى ليُستفاد منه في الدراسة والتشريح لطلبة كليات الطب؟ قبل السؤال الَّذي سأله، لأنَّ هذا السؤال هو السؤال العملي، أمَّا ما سأل عنه فهو أمر غيبي!
أقول: ما أراه أنَّ التشريح يجوز لغرض التحقُّق من دعوى جنائية، ويجوز للأمور الطبيَّة، ويجوز لغرض التحقق من أمراض وبائية؛ لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها، أمَّا التشريح للغرض العلمي تعلُّمًا وتعليمًا، فلا يجوز إلَّا إذا أوصى الميت بهذا، ولا يُصار إليه إلَّا عند الضرورة وفي أضيق الحدود، وإن أمكنت الدراسة على حيوانات مماثلة لكان أولى، وكذلك إن أمكن الاستغناء عن التشريح بالنماذج المصنوعة ـ وهي دقيقة إلى حدٍّ كبير ـ كالمجسَّمات البلاستيكية، أو الَّتي صُنعت من الجبس.
والأصل في الإسلام أنَّ جثَّة الميت مصونة، ولا يجوز أن تُهان، حتَّى في الحروب، فإنَّ النبي نهانا عن المُثْلة(1)، أي: عن أن نمثِّل بالجثث، وإنَّما أبحنا ذلك للحاجة العلميَّة، والحاجة تلحق بالضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، وما أبيح للضرورة يقدَّر بقدرها.
أمَّا أن تؤخذ جثَّة إنسان لم يستدل على شخصيته، ولم نعرف أهله، فنشرِّحها للتعلم والأبحاث العلميَّة، فهذا لا يجوز.
أمَّا عن سؤال السائل: عن متى يُحاسب هذا الميت في القبر؟ وكيف يُحاسب إذ هو لم يُدفن ولم يُقبر؟ فأقول: إنَّ كل إنسان سيُحاسب، دُفن أو لم يُدفن، فمن أُحرقت جثته، أو مات غرقًا وأكلت الأسماك جسده، أو مات في البَرِّيَّة وأكلته السباع، كل هؤلاء سيُسألون في قبورهم، ولا نعرف كيفية ذلك، فهو من الأشياء الغيبية، الَّتي لا ينبغي أن نبحث عن كنهها، فحياة القبر والبرزخ لها قوانين أخرى غير قوانين الحياة الدنيا، ومثل هذه المغيَّبات علَّمنا الله كيف نتعامل معها حين قال:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا[الإسراء: 85]. هنا يتوقف العقل؛ لأنَّ الأمر فوق إدراكه.
وما يحدث في القبر، هو أشبه بما يسمُّونه «تحت التحقيق» الَّذي تقول به أجهزة الشرطة، قبل العرض على النيابة، والتحقيق الأساسي حين يذهب إلى النيابة، والحكم والحساب الحقيقيان يوم القيامة، عندما يعرض العبد على ربه عز وجل، ويحاسب حينها على النقير والقطمير، حسابًا مستوعبًا يُسأل فيه عن كل شيء، ويجد في كتابه كل شيء،﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ[المجادلة: 6]،﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا[الكهف: 49].
في القبر يُسأل الإنسان أسئلة معينة: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في هذا الرجل الَّذي بُعث فيكم؟ فإن كان موفَّقًا، يقول: ربِّي الله، وديني الإسلام، والرجل الَّذي بُعث فينا هو محمد رسول الله . وإن كان غير موفق يقول: ها ها، لا أدري(2).
وقد يُحاسب الإنسان على بعض الأشياء، ويُعذب عليها في قبره، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن ابن عبَّاس قال: مرَّ رسول الله على قبرين، فقال: «أمَا إنَّهما ليُعَذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير، أمَّا أحدُهما فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخر فكان لا يستترُ من بَوْله»(3).
فالقبر كما هو مشهور، إمَّا روضة من رياض الجنَّة، وإمَّا حفرة من حفر النار، بعض النَّاس يُنعَّمون، مثل الشهداء، الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[آل عمران: 169 ـ 170]، وبعض النَّاس يُعذَّبون، كهؤلاء الذين يقول الله فيهم:﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ[الأنعام: 93، 94].
فالأخ يجب أن يعلم أنَّ كلَّ إنسانٍ سيُسأل بعد موته، وسيأتيه الملَكان ويسألانه بالطريقة الَّتي يعلمها الله، وبالكيفيَّة الَّتي لا نعلمها نحن.
← العودة لقسم 4- الطب والصحة