2026-06-22
81
قاتل امرأته غيلة هل يُقتصُّ منه؟
ما موقف الشرع من رجل قتل امرأته، وهي في أيام ولادتها، وقد جاءت منه بولد، وقد وضعت طفلها بعمليَّة جراحيَّة (قيصرية)، وقد خدعها بأساليب شتى، حتَّى ينفرد بها، ولا يبقى أحد معها، حتَّى والدتها، أوهمها أنَّه سيبيت عندها فلا حاجة إليها، حتَّى الممرضات أخرجن من حجرتها، موهمًا إياهن أنَّه سيقوم بشأنها، وإذا احتاجت إلى مساعدتهن سيناديهن ليحضرن لمعاونتها.
وبعد أن خلا له الجو، وقد دخلت امرأته الحمَّام (المرحاض) لتقضي حاجتها، دخل عليها، فأطلق عليها عدة رصاصات في رأسها وعنقها، فأرداها قتيلة، وسقطت غريقة في دمها. ثم خرج من عندها بكل برود، فطلب من الممرضات أن يذهبن إليها ليساعدنها. وعندها منه تسعة أطفال. أكبرهم في الثالثة عشر من عمره، وأصغرهم المولود الجديد ابن الأيام الثلاثة.
فما حكم هذا القاتل المتعمِّد، الَّذي لم يرعَ حرمة الزوجية، وقد سمَّاها الله «ميثاقًا غليظًا» ولم يرعَ حرمة الولادة، الَّتي قال الله عنها: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا﴾ [الأحقاف: 15]، وهي لا تزال تعاني من آلام الجراحة، ولم يشفق على الولد الَّذي له ثلاثة أيام، وهو في أشد الحاجة إلى أمه. ولم يرعَ حرمة المجتمع الَّذي يعيش في كنفه، وما يمكن أن يسبِّبه هذا القتل من قيل وقال، وقبل ذلك كله: لم يخشَ الله العلي الكبير الَّذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ما حكم هذا القاتل الَّذي قام بهذه الجريمة الوحشية، بهذه الخسة والنذالة. وماذا يصنع الشرع الشريف في مثله؟ وماذا عليه من عقوبات؟ فإنَّ أشقاء المرأة يريدون أن يقتلوه بها.
أفيدونا أفادكم الله عن حكم الشرع؛ موضحًا بالأدلة الشرعيَّة، وجزاكم الله خيرًا.
مجموعة من الشباب القطري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا القتل من أكبر الكبائر في الإسلام؛ لأنَّه قتل عمد، وعدوان على نفس بريئة مؤمنة، بل هو قتل وقطيعة رحم، وقد أكَّد القرآن مع كتب السماء:﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾[المائدة: 32].
وفي الحديث النبويِّ: «لَزَوالُ الدُّنيا أهونُ عند الله من قتل امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ»(1)، وقال تعالى:﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا﴾[النساء: 93].
وقد شرع الإسلام في القتل العمد العدوان: القصاص، واعتبره فريضة كتبها الله على عباده، حين قال:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى﴾[البقرة: 178]، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: 179]، وقال سبحانه:﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا﴾[الإسراء: 33].
فقد أعطى القرآن ولي المقتول الحق والسلطان ليأخذ بثأره إذا ثبت القتل عن طريق القضاء، نفسًا بنفس، أو يأخذ الدية، أو أكثر منها أو أقل إذا تصالحوا على ذلك، أو يعفو إن شاء:﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾[البقرة: 178].
وأولياء الدم في هذه القضية هم أبناء المرأة المقتولة، وهم مقدَّمون على إخوانها في الترتيب الشرعي. وهنا عقبتان تقفان في طريق القصاص:
الأولى: أنَّ الأولاد قصر، لا يُملِّكهم الشرع حق القصاص حتَّى يبلغوا جميعًا. فلعل بعضهم قد يسامح، والآخر لا يسامح ولا يعفو.
والثانية: أنَّ القاتل هو الأب، والشرع لا يملِّك الابن حق القصاص من أبيه. فحتى لو انتظرنا حتَّى يبلغ هؤلاء الأولاد، فليس لهم حق القصاص من أبيهم؛ لأنَّه كان سبب حياتهم، فكيف يكونون سبب موته؟! ولأنَّهم فقدوا أمهم، فكيف يجتمع عليهم فقد الأم والأب معًا؟
فهل معنى هذا: أنَّ هذا القاتل المجرم الَّذي ارتكب هذه الجريمة بكل قسوة وخسة، ينجو برأسه، ويفلت من القصاص، ومعنى هذا: أن يقتل الرجل امرأته، وهي في مضجعه، أو تقتل المرأة زوجها، وهو في مخدعها، وكلاهما آمن من القصاص، لأنَّ الأبناء الذين لهم حق القصاص لا يمكنهم أن يقتصوا منه! فأين عدالة الشرع الَّذي له في كل عقدة حل، وفي كل مشكلة علاج؟!
والعلاج موجود في داخل الشرع نفسه والحمد لله. فهذا الرجل ليس قاتلًا عاديًّا. لقد قتل زوجته «غيلة»، بعد أن أوهمها أنَّها في غاية الأمان معه، وخطط لقتلها بمهارة، بعد أن صدَّقته واستسلمت له، ولم يخطر ببالها أنَّه يبيِّت لها شرًّا، فغدر بها وقتلها؛ آمن ما تكون من قبله.
وقتل الغيلة له في الشرع أحكام خاصَّة مشددة، ذهب إليها بعض فقهاء الإسلام، والدليل معهم. حتَّى قال الإمامان مالك والليث بن سعد: إنَّ المسلم لا يقتل بالكافر، إلَّا إذا كان قتل المسلم له بطريق «الغيلة»، فهنا يجب القصاص منه. ذكره ابن عبد البر في «الاستذكار»(2).
وفي كتب المالكية: إذا قتله غيلة، بأن خدعه، حتَّى ذهب به إلى موضع فقتله، يقتل سياسةً لا قصاصًا(3). ومعنى «سياسة» أن يتولَّى ولي الأمر قتله.
وقد شدَّد النبي ﷺ العقوبة على العرنيِّين الذين قتلوا راعي الإبل غيلةً، وسملوا عينيه. وقد استنبط الإمام ابن القيِّم من هذه القصة: أنَّ قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدًّا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة (أي مالك وأصحابه)، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وأفتى به(4) كما في «السياسة الشرعيَّة» وغيرها(5).
وروى الإمام مالك في «الموطأ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب: أنَّ عمر بن الخطاب قتل نفرًا ـ خمسة أو سبعة ـ برجل واحد، قتلوه قتل غِيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا(6).
قال الحافظ ابن عبد البر في «الاستذكار»: هذا الخبر عند أهل صنعاء موجود معروف. وأورد طرقًا له من رواية عبد الرزاق(7).
والشاهد فيه: أنَّ عمر 3 لم يكل القصاص فيه إلى أولياء المقتول، ولم يبحث عنهم، بل تولى الأمر بنفسه، ليقتصَّ من المجموعة الَّتي قتلته، وإن كثر عددهم، فقد كان من مذهبه: قتل الجماعة بالواحد، وهو مرويٌّ عن علي وابن عبَّاس والمغيرة بن شعبة من الصحابة @ . وبه قال إبراهيم «النخعي» والشعبي، وقتادة، وأبو سلمة، والحسن، وسليمان بن موسى.
وإنَّما شدَّد عمر في قتل الغيلة، لما يشتمل عليه من غدر، حيث يقتل الإنسان من يأمنه على نفسه. وفي هذا خطر على أمن المجتمع إذا تفشى فيه هذا النوع من القتل. ولهذا جُعل من «حق الله» الَّذي يتولاه الإمام، فلا يملك أولياء الدم أن يسقطوه أو يتنازلوا عنه.
وقد أصدرت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في عهد رئيسها العلامة الشيخ عبد الله بن حميد، وعضوية الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي وغيرهم: قرارًا بالإجماع إلَّا واحدًا: أنَّ القاتل قتلة غيلة يُقتل حدًّا لا قصاصًا، فلا يُقْبل ولا يصحُّ فيه العفو من أحد. وجعل منه: أن تقتل الزوجة زوجها في مخدعه أو منامه مثلًا، للتخلُّص منه، أو العكس (أي أن يفعل الزوج مثل ذلك) ونحو ذلك.
قال القرار: والأصل في ذلك الكتاب والسُّنَّة والأثر والمعنى:
أمَّا الكتاب: فقوله تعالى:﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ﴾[المائدة: 33].
وقتل الغيلة نوع من الحرابة، فوجب قتل القاتل حدًّا لا قودًا.
وأمَّا السُّنَّة: فما ثبت في «الصحيحين» عنِ النبيِّ ﷺ ، أنَّ يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين على أَوْضَاحٍ (أي مَصُوغات) لها أو حليٍّ، فأُخذ واعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرضَّ رأسه بين حَجَرَيْن(8).
فأمر ﷺ بقتل اليهودي، ولم يرد الأمر إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصًا لردَّ الأمر إليهم؛ لأنَّهم أهل الحق، فدل أنَّه قتله حدًّا لا قودًا.
وأمَّا الأثر: فما ثبت عن عمر بن الخطاب 3 أنَّه قتل نفرًا ـ خمسة أو سبعة ـ برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا.
فهذا حكم الخليفة الراشد في قتل الغيلة، ولا نعلم نقلًا يدل على أنَّه رد الأمر إلى الأولياء، ولو كان الحق لهم لرد الأمر إليهم، فدل على أنَّه يقتل حدًّا لا قودًا.
وأمَّا المعنى: فإنَّ قتل الغيلة حق الله، وكل حق يتعلق به حق الله تعالى فلا عفو فيه لأحد، كالزكاة وغيرها، ولأنَّه يتعذر الاحتراز منه كالقتل مكابرة.
وبالله التوفيق. وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. انتهى.
وأنا أؤيد هذا القرار، لقوة أدلته، ولما وراءه من مصالح لها اعتبارها في الشرع، مثل المحافظة على الأرواح، وصيانة الحرمات، وإطفاء نار الفتنة. وتكون العقوبة هنا ـ وهي القتل ـ من سلطة ولي الأمر الشرعي، وليس إلى أولياء المقتول. وهذا كله بعد ثبوت الجريمة وفق الأصول الشرعيَّة.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيه محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
(1) سبق تخريجه صـ 347.
(2) انظر: الاستذكار (8/124)، تحقيق سالم محمد عطا ومحمد علي معوض، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1421هـ ـ 2000م.
(3) انظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (4/238)، نشر دار الفكر، وانظر: شرح الموطأ للزرقاني (4/303)، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، نشر مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، 1424هـ ـ 2003م.
(4) زاد المعاد (4/45).
(5) انظر: السياسة الشرعية صـ 69، 75. وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (28/316، 317).
(6) رواه مالك في العقول (3246) تحقيق الأعظمي، والبخاري في الديات (6896) معلَّقًا، وابن أبي شيبة في الديات (28266)، وصحَّح إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (12/227).
(7) انظر: الاستذكار (8/155) وما بعدها.
(8) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الخصومات (2413)، ومسلم في القسامة (1672)، عن أنس.