2026-06-03
619
الأيام السِّتَّة الَّتي خلق الله فيها الأرض
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ﴾[هود: 7]، فما المقصود بالأيام السِّتَّة؟ هل هي أيام كأيامنا هذه بتوقيتنا أم أيام مختلفة عن هذه الأيام؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ذكر الله تعالى خلق السّماوات والأرض في ستَّة أيام، في غير آية من كتابه، منها: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ﴾[هود: 7]، ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ﴾[ق: 38].
ولا شكّ أنَّها أيام غير أيامنا الأرضية هذه، لأنَّ اليوم الأرضي هو مقدار دورة الأرض حول نفسها في مواجهة الشمس، فدورة الأرض هو اليوم، أربعة وعشرون ساعة، والأيام السّت قبل أن تُخلق الأرض، وقبل أن تخلق الشمس، فهذه الأيام قطعًا غير أيامنا.
هي: ستَّة أطوار بعضها وراء بعض، الله أعلم هذا الطور كم هو من الزمن، قد يكون آلاف السّنين، أو ملايين السّنين، الله أعلم، وممكن أن يكون أقلّ، فالله على كلّ شيء قدير، وهو يقول للشيء كن فيكون، ولكن جرت سنته 8 أن يخلق الأشياء بتدرج.
الله تعالى يبيّن هذا في سورة فصلت فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ٩ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ١١ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾[فصلت: 9 ـ 12].
فالسماوات السّبع هذه لم يكن ابتداء خلقها بصورتها الحالية؛ لأنَّه قال: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ﴾، يعني كانت موجودة لكن في شكل دخان، ولذلك تم الخلق في أطوار، كما قال تعالى: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا ٢٧ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩ وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ﴾[النازعات: 27 ـ 30]، دحا الأرض بعد خلق السَّماء ورفع سمكها، إلخ. ودحاها أي: بسطها، فالأرض كانت غير مدحوَّة، ثم دحاها بعد ذلك.
فهذه الأيام السِّتَّة هي أطوار للخلق، وليست مثل أيامنا هذه، والله أعلم بمقدار مدتها.
مراحل خلق الكون:
وقد حاول بعض العلماء الطبيعيين تفسير هذه الأيام السِّتَّة، منهم د. زغلول النجار، حيث يقول: «يرى أهل العلوم المكتسبة مراحل خلق الكون على النحو التالي:مرحلة الجِرْم الابتدائي الأوليِّ، الَّذي بدأ منه الخلق (مرحلة الرَتْق).مرحلة انفجار الجِرْمُ الابتدائي الأولي (مرحلة الفَتْق) وبدء توسُّع الكون.مرحلة السَّماء الدخانية، وفيها تخلَّقت العناصر المختلفة، عبر تخلق المادة والمادة المضادة، وتكون نُوَيَّات الأيدروجين والهيليوم وبعض الليثيوم.مرحلة انفصال دوامات من الغُلَالة الدُّخانية وتكثُّفها على ذاتها بفعل الجاذبية، لتكوين كلٍّ من الأرض وباقي أجرام السَّماء.مرحلة دَحْو الأرض، وتكوين أغلفتها الغازية والمائية والصخرية، وبدء تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، وتكوُّن كلُّ من المحيطات والقارات والجبال، وتكوُّن التربة وبدء دورة الماء حول الأرض، وتسوية سطحها، وخزن الماء (مرحلة تكون الجبال).مرحلة خلق الحياة من أبسط صورها إلى مختلف مستوياتها (مراحل المباركة وتقدير الأقوات)، والله تعالى أعلم بما قد خلق.ويقدِّر علماء كلٌّ من الفلك والفيزياء الفلكية عمر الكون بحوالي10 ـ 15 بليون سنة، بينما يقدر علماء الأرض عمر ذلك الكوكب بحوالي4 ـ 6 بليون سنة، وهو نفس العمر الَّذي توصل إليه العلماء بتحليل تراب سطح القمر، وعمر النيازك العديدة الَّتي نزلت إلى الأرض.ويبدو أنَّ الفارق الكبير بين العمرين المقدَّرين لكلّ من الأرض والكون سببه أن العمر المقدَّر للأرض هو عمر تيبُّس قشرتها الخارجية، وأن هذا العمر لا يشمل أيًّا من مراحل الأرض الابتدائية، ولا مراحل تخلُّق العناصر الَّتي كوَّنت تلك الأرض الابتدائية.وتشير الآيات القرآنية في كلّ من سورة البقرة (29)، وفصلت (9 ـ 12) إلى سبق خلق الأرض لعملية تسوية السَّماء الدخانية الأولية إلى سبع سماوات، ويبدو أنَّ المقصود هنا هو خلق عناصر الأرض، ثم تلي المرحلة خلق الأرض نفسها على هيئة الكوكب الابتدائي، الَّذي تمَّ دحوُه وتشكيله إلى صورته الراهنة؛ وذلك لأنَّ خلق السّماوات والأرض عمليتان متلازمتان، ولا يمكن لإحداهما أن تنفصل عن الأخرى.فسبحان الَّذي أنزل من فوق سبع سماوات، وقبل ألف وأربعمائة من السّنين قوله الحق، في صيغة استفهام استنكاري تقريعي للمشركين والكافرين: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ٩ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ١١ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾[فصلت: 9 ـ 12].وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾[الأعراف: 54]»(1).
الخوض في أمور الغيب:
والَّذي نراه أنَّها أيامٌ، الله أعلم بمقدارها وبكنهها، وما يقوله البيولوجيُّون والجيولوجيُّون عن الخلق وبدئه وتطوُّره، إذا لم يوجد في ديننا ما ينقضه، نأخذه على أنه نظريات ممكنة الوقوع، نستأنس بها حتَّى يظهر غيرها، فقد تظهر نظرية في تفسير نشأة الكون غير هذه النظرية فتبطلها، كما عرفنا في نظريات علمية كثيرة.
ومثل هذه الأمور الغيبية لا ينبغي الخوض فيها؛ لأنَّنا ليس لدينا وسائل لإدراكها، ولا معرفتها، وكل ما يقال في ذلك من نظريات علمية إنَّما هي نظريات لم تصل إلى مرحلة اليقين بل تتغير يومًا بعد يوم، فهذه الأيام السِّتَّة من عالم الغيب، ونقول فيها كما قال الله تعالى على لسان سيدنا موسى حينما سأله فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾[طه: 51 ـ 52]. وسأله عن الله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ﴾؟ فأجابه: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾[طه: 49 ـ 50]، حدثه عن الله 8 دون أن يدخل في كنه الذات الإلهية، وكنه الصفات الإلهية، فهذه لا تعرف، إنَّما يعرف الله بآثاره وأفعاله، ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ❁ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ❁ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾.
وهذا منهج قرآني يعلمنا إياه في أكثر من آية، في الأمور الغيبية نكل علمها لله تعالى: ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء: 85].
والله الهادي إلى سواء السبيل.
1. موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن للدكتور زغلول النجار (4/165 ـ 166)، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1428هـ ـ 2007م.