المقالات

❓ تفسير قوله تعالى:﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾

📅 2026-06-03 👁 445 مشاهدة

نص السؤال:

أرجو تفسير الآيات الكريمة من سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾[الإسراء: 36 ـ 37].

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هاتان الآيتان الكريمتان ذكرهما الله تعالى في الوصايا الحكيمة الَّتي وصّى بها عباده في سورة الإسراء: 
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا ٣٦ وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾. [الإسراء: 36، 37].
في الآية الأولى، يعمل القرآن على تربية العقليَّة العلمية في المسلم. فهناك نوعان من العقليات:
1 ـ عقليَّة خرافية، تصدق الأوهام، وتجري وراء الأباطيل، وتسمع كلّ ما يقال لها، وتتبع كلّ ناعق. وهذه عقليَّة يرفضها الإسلام.
2 ـ والعقليَّة الأخرى وهي الَّتي يريدها الإسلام: العقليَّة الَّتي تتبع الدليل، وتخضع للمنطق في العقليات، وتمشي وراء الملاحظة والتجربة في الماديات، وتستعمل الأدوات الَّتي وهبها الله إياها: السّمع والبصر والفؤاد.. فهذه أدوات المعرفة كما قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل: 78].
فمن هنا يجب أن يستعمل الإنسان سمعه، فبه تنتقل المعلومات من النَّاس بعضهم إلى بعض بطريق الرواية. والبصر، وبه تكون الملاحظة والتجربة، وعليهما قام صرح العلوم الكونية.
والفؤاد ـ أي العقل ـ به يستعمل الإنسان المنطق، ويستنتج النتائج من المقدمات.
وهذه الأدوات هي النوافذ الَّتي يطل منها الإنسان على أمور هذه الحياة والكون والشرع، وعلى خلق الله تعالى، وعلى نهيه وأمره.
فلا يجوز إذن أن يعطلها ويهملها، ويتبع الظنون والأوهام أو يتبع الإشاعات والأباطيل. ولهذا جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل هذا التذييل والتعقيب: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وفرق ما بين المؤمنين المهتدين، وبين الكافرين الضالين، أن الآخرين عطلوا أدوات المعرفة والهداية الَّتي منحوها، فلم تعد تقوم بوظيفتها، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾[الأعراف: 179].
لهذا حذرت الآية من إهمال هذه القوى، فقال تعالى مخاطبًا الإنسان: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾. أي لا تتبع ما ليس لك به علم، فتجري وراء الظنون، أو وراء الأوهام والخرافات.. استعمل سمعك وبصرك وفؤادك. فإن الله سائلك عن هذه الأدوات: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾.
هذا معنى الآية الأولى بإجمال.
أمَّا الآية الثانية، وهي: ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًۭا﴾، فمعناها: ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾، أي مشية الاختيال والتبختر.. مشية العجب والاستكبار.. فإن هذا لا ينبغي للمؤمن، وهو ليس مشي عباد الرحمن، فالله قد وصف عباد الرحمن بأنَّهم: ﴿يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا﴾[الفرقان: 63]. لماذا تمشي متبخترًا؟ هل تستطيع أن تخرق الأرض؟
مهما دببت برجلك فلن تستطيع ذلك، ومهما تطاولت وتمطيت بعنقك، فلن تبلغ الجبال طولًا. فأولى بك أن تمشي مشية التواضع والهون، والسكينة واللين.
ولا تمشِ فوقَ الأرضِ إلَّا تواضعًا
فكم تحتَها قومٌ هُمُو منك أرفَعُ!
وإن كنتَ في عزٍّ وجاهٍ ومنعةٍ
فكم ماتَ من قومٍ همُو منك أمنعُ(1)!
فالمطلوب من الإنسان أن يمشي على الأرض متواضعًا، سواء كان يمشي على قدميه، أم في سيارة.
هناك أناس يودون أن ينهبوا الأرض نهبًا بسياراتهم مختالين، لأن أحدهم يركب سيارة ضخمة فخمة، فلا يحترم آداب المرور، ولا قواعد السَّير، وكأنَّه يريد أن يحطم ما يواجهه في الطريق، أو يطير عن الأرض بلا جناحين.
من فعل ذلك فهو ممَّن يمشون في الأرض مرحًا، ولا يمشون هونًا. ومعظم الحوادث الَّتي تحدث في الطرقات ـ للأسف ـ من أولئك الَّذين يمشون في الأرض مرحًا.
فعلى المسلم الَّذي يتأدَّب بأدب القرآن أن يراعي هذا، وأن يمشي في الأرض هونًا، ولا يمشي فيها اختيالًا ولا تبخترًا، فإنَّ النَّبيَّ يقول: «من تعظَّم في نفسه، واختال في مشيته؛ لقي الله وهو عليه غضبانُ»(2). هذه الآية جاءت هنا، ووردت في وصايا لقمان لابنه في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍۢ فَخُورٍۢ[لقمان: 18].
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم تفسير القرآن