المقالات

❓ تفسير قوله تعالى: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾

📅 2026-06-03 👁 465 مشاهدة

نص السؤال:

ما معنى قول الله تعالى في سورة القيامة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾[القيامة: 29]؟

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الآية من سورة القيامة، هي وصف الإنسان في حالة الاحتضار، الَّتي وصف الله تعالى حال الإنسان فيها وخروج روحه من جسده، فقال عَزَّ مِن قائل: ﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ ٢٦ وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ ٢٧ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ ٢٨ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ ٣٠ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ٣٤ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰٓ﴾[القيامة: 26 ـ 35].
﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾: يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما فيها من الأهوال - ثبَّتَنا الله هنالك بالقول الثابت - فيقول: ﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾، إنْ جعلنا ﴿كَلَّآ﴾ رادعة، فمعناها: لست يا ابن آدم تُكَذِّب هناك بما أُخْبِرْتَ به، بل صار ذلك عندك عِيَانًا. وإن جعلناها بمعنى «حَقًّا» فظاهر، أي: حَقًّا  ﴿إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ﴾، أي انتُزِعت رُوحك من جسدك، وبلغت تراقِيَك.
والتراقي: جمع تَرْقُوة، وهي العظام الَّتي بين ثُغْرة النحر والعَاتِق، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ ٨٣ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍۢ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ٨٥ فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾[الواقعة: 83 ـ 87]. فالتراقي قريبة من الحلقوم.
﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍۢ﴾، قال: عكرمة، عن ابن عبَّاس: أي مَنْ راقٍ يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة: ﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍۢ﴾، أي: من طبيب شاف. وكذا قال قتادة والضحَّاك وابن زيد.
وعن ابن عبَّاس: ﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍۢ﴾، قال: قيل: مَن يَرْقَى برُوحه (مشتقة من الرُّقِيِّ) ملائكةُ الرحمةِ أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة(1).
وقال الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية: ﴿وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍۢ﴾، في «راق» وجهان: 
الأول: أن يكون من الرُّقْيَة. يقال: رقَاه يَرْقِيه رُقْيَة، إذا عوَّذه بما يشفيه، كما يقال: باسم الله أَرقيك.
وقائل هذا القول على هذا الوجه، هم الَّذين يكونون حول الإنسان المُشرِف على الموت، ثم هذا الاستفهام، يحتمل أن يكون بمعنى الطلب، كأنَّهم طلبوا له طبيبًا يشفيه، وراقيًا يَرقيه، ويحتمل أن يكون استفهامًا بمعنى الإنكار، كما يقول القائل عند اليأس: من الَّذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت؟
الوجه الثاني: أن يكون قوله: ﴿مَنْ ۜ رَاقٍ﴾، مِن رَقِيَ يَرْقَى رُقِيًّا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَـٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ﴾[الإسراء: 93] . وعلى هذا الوجه يكون قائل هذا القول هم الملائكة.
قال ابن عبَّاس: إنَّ الملائكة يكرهون القُرْبَ من الكافر، فيقول مَلَك الموت: من يَرْقَى بهذا الكافر؟»(2).
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ﴾:
«قال المفسِّرون: المراد أنَّه أيقن بمفارقته الدنيا، ولعله إنَّما عبَّر عن اليقين هاهنا بالظن؛ لأن الإنسان ما دام يبقى روحه متعلِّقًا ببدنه، فإنَّه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة على ما قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ﴾[القيامة: 20]. ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة. أو لعلَّه سمَّاه بالظنِّ على سبيل التهكُّم».
قال الرازي: «واعلمْ أنَّ الآية دالَّة على أنَّ الرُّوح جَوْهرٌ قائم بنفسه، باقٍ بعد موت البدن؛ لأنَّه تعالى سمَّى الموت فِرَاقًا، والفراق إنَّما يكون لو كانت الروح باقية، فإنَّ الفراق والوصال صفة، والصفة تستدعي وجود الموصوف.
﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾:
الالتفاف هو الاجتماع، كقوله تعالى: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾[الإسراء: 104].
وفي السّاق قولان:
القول الأول: أنه الأمر الشديد. قال أهل المعاني: لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمَّر لها عن ساقه، فقيل للأمر الشديد: ساق. وتقول العرب: قامت الحرب على ساق. أي اشتدت. قال الجعدي(3):
أخو الحَرْبِ إن عضَّت به الحربُ عضَّها
وإن شمَّرت عن ساقها الحَرْبُ شمَّرَا
والمراد بقوله: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾ أي: التفت شدةُ مفارقة الدُّنْيا ولذاتها وشدةُ الذَّهاب، أو التفت شدةُ ترك الأهل، وترك الولد، وترك المال، وترك الجاه، وشدةُ شماتة الأعداء، وغمِّ الأولياء، وبالجملة فالشدائد هناك كثيرة، كشدة الذهاب إلى الآخرة والقدوم على الله.
أو التفَّت شدةُ ترك الأحباب والأولياء، وشدةُ الذهاب إلى دار الغربة.
والقول الثاني: أنَّ المراد من السّاق هذا العضو المخصوص. ثم ذكروا على هذا القول وجوهًا:
أحدها: قال الشَّعبي وقتادة: هما ساقاه عند الموت، أما رأيته في النزْع كيف يضربُ بإحدى رجليه على الأخرى؟
والثاني: قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه إذا التفَّتا في الكفن.
والثالث: أنَّه إذا مات يبست ساقاه، والتصقت إحداهما بالأخرى»(4).
وقال ابن كثير: «وعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾ قال: التفَّت عليه الدُّنْيا والآخرة.
وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾ يقول: آخر يوم في الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشِّدَّة بالشِّدَّة إلَّا من رحم الله.
وقال عكرمة: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾: الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾ هما ساقاك إذا التفَّتَا.
وفي رواية عنه: ماتت رِجلاه فلم تحمِلَاه، وقد كان عليهما جوَّالًا.
وفي رواية عن الحسن: هو لفُّهما في الكَفَن.
وقال الضحَّاك: ﴿وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ﴾ اجتمع عليه أمران: النَّاس يُجَهِّزون جسده، والملائكة يُجَهِّزون رُوحَه»(5).
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ﴾، المساق والمرجع والمسار إلى الله 4 ، انتهت الحياة بكلِّ ما فيها من خير وشر، وحلو ومر، وعسر ويسر، وأصبح الإنسان مواجَها بعمله، طيبًا كان أو خبيثًا.
← العودة لقسم تفسير القرآن