2026-06-03
237
القراءات الواردة في قوله تعالى:﴿خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾
دخلت أحد المساجد في انتظار الصلاة، فتناولت مصحفًا من المصاحف الموجودة بالمسجد، لأقرأ ما تيسر من القرآن، وصادفتني سورة الروم، فأخذت أقرؤها حتَّى وصلت إلى هذه الآية الكريمة: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍۢ قُوَّةًۭ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍۢ ضَعْفًۭا وَشَيْبَةًۭ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ﴾. وقد هالني أنِّي وجدت كلمة «ضُعف» و«ضُعفًا» في الآية مشكولة بالضمِّ في المواضع الثلاثة من الآية، وهو خلاف ما حفظت هذه الآية، وما سمعته من الحفاظ، وما قرأته في شتَّى المصاحف المطبوعة في مصر، والمعتمدة من الأزهر الشريف. ولهذا وقر في نفسي أن هذا غلط مطبعي، وبخاصَّة أن هذا المصحف مطبوع في الهند، ولم تعتمده جهة علمية دينية معروفة كالأزهر.
ولهذا لجأت إليكم لأعرف وجهة نظركم، فلعلَّ لهذا عندكم تفسيرًا، أو لعلَّها قراءة غير القراءة الَّتي نقرأ بها نحن في البلاد العربية. أرجو البيان والإيضاح.
(أ. ر. ج)
الدوحة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أشكر الأخ أولًا على غَيرته على كتاب الله العزيز، وحرصه على تلاوته كلَّما تيسر له ذلك. وأشكر له ثانيًا أنه بادر بالسؤال عندما ساوره الشك ليصل إلى اليقين، وهذا هو واجب المسلم: أن يسأل إذا لم يعلم، ولا يتسرع بالحكم. فإنَّما شفاء العِي السّؤال.
ثم أطمئنه على أن ما هاله وأزعجه ليس غلطًا مطبعيًّا، ولا لغويًّا، ولا دينيًّا. فقد صحت القراءة بالفتح والضم كليهما في «ضعف» و«ضعفًا» في الآية الكريمة. قرأ خمسة من القراء السَّبعة بالضمِّ، وقرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد، وقال الفرَّاء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم(1).
ومن المعلوم أنَّ القراءة المشهورة عندنا في المشرق العربي هي قراءة حفص عن عاصم. وهي الَّتي طبعت عليها المصاحف الَّتي نقرؤها. وهذه هي القراءة المشهورة في الهند وباكستان أيضًا ـ على ما أعلم ـ فكان مقتضى ذلك أن تضبط الكلمة بفتح الضاد في المصحف الهندي، ما دامت قراءة عاصم بالفتح، والجميع هنا وفي الهند يأخذون بقراءة عاصم برواية تلميذه حفص، فكيف جاء الضم؟ والَّذي يرجع لكتب القراءات، مثل كتاب «القراءات السّبع» لأبي عمرو الداني، و«النشر في القراءات العشر» لابن الجزري، يعرف السِّر في مخالفة المصحف الهندي للمصاحف الأخرى المتداولة.
فقد رُوِيَ عن حفصٍ أنَّه اختار الضمَّ في الآية خلافًا لشيخه عاصم، لحديث روي عن ابنِ عمر مرفوعًا في ذلك. وجاء عن حفص أنه قال: «ما خالفت عاصمًا في شيء من القرآن إلَّا في هذا الحرف».
قال ابن الجزري: وقد صحَّ عنه ـ أي حفص ـ الفتح والضم جميعًا. ونقل عن الحافظ أبي عمرو الداني قوله: واختياري في رواية حفص الأخذ بالوجهين: بالفتح والضم، فأتابع بذلك عاصمًا على قراءته، وأوافق حفصًا على اختياره.
قال ابن الجزري: قلت: وبالوجهين قرأت له، وبهما آخُذ(2).
وبهذا نعلم أنَّ المصحف الهندي لم يخرج عن قراءة حفص، وإن خالف بذلك عاصمًا شيخه، ولعلَّ الَّذي رجح ذلك لدى إخواننا الهنود أنَّ الضمَّ لغة قريش، وللغة قريش فضلها، وأنَّ حديثًا مرفوعًا جاء بهذه القراءة، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والتِّرْمِذيّ، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍۢ قُوَّةًۭ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍۢ ضَعْفًۭا﴾[الروم: 54]. فقال: (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا)». ثم قال: قرأتُ على رسول الله ﷺ كما قرأتَ عليَّ فأخذ عليَّ، كما أخذتُ عليك(3).
والحديث إسناده ضعيف، وإن حسنه التِّرْمِذيّ؛ لضعف عطية العوفي، والقراءتان ثابتتان بالتواتر المستيقن، ولا اعتراض على واحدة منهما.
والحمد لله، لم يُوجد كتاب في الوجود نال من العناية والرعاية والتدقيق، حتَّى في ضبط حروفه وكلماته، وفي طريقة نطقها وتلاوتها، ومقدار مدها أو غنها، معشار ما ناله كتاب المسلمين: كتاب الله، القرآن المجيد:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾[الحجر: 9].
1. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (14/46، 47).
2. النشر في القراءات العشر لابن الجزري (2/345)، تحقيق علي محمد الضباع، نشر المطبعة التجارية الكبرى.
3. رواه أحمد (5227)، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في الحروف والقراءات (3978)، والترمذي في القراءات (2936)، وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (3365).