الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
تعرضنا للكلام عن هذا الحديث منذ بضعة عشر عامًا، عندما تحدثنا عن فقه الاختلاف في كتابنا: «الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرُّق المذموم»، وذكرنا بإجمال وتركيز القيمة العلمية لهذا الحديث، وبيَّنَّا ما فيه من كلام كثير في ثبوته وفي دلالته، ولا بأس أن نعيد هنا ما كتبناه هناك لأهميَّته وضرورته للسائل، ولمثله من القراء المسلمين. مع إضافة بعض الفوائد إليه إن شاء الله.
فأوَّل ما ينبغي أن يعلم هنا: أن الحديث لم يرد في أي من الصحيحين، على الرغم من أهمية موضوعه، دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما.
وما يقال من أنَّهما لم يستوعبا الصحيح، فهذا مسلَّم، ولكنَّهما حرصَا ألَّا يَدَعا بابًا مهمًّا من أبواب العلم إلَّا رويا فيه شيئًا، ولو حديثًا واحدًا.
إنَّ بعض روايات الحديث لم تذكر أنَّ الفرق كلها في النَّار إلَّا واحدة، وإنَّما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط. وهذا هو حديث أبي هُرَيْرة الَّذي رواه أبو داود والتِّرْمِذيّ وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وفيه يقول: «افترقت اليهود على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، وتفرقت النَّصارى على إحدى ـ أو اثنتين ـ وسبعين فرقة، وتفترق أُمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة»(1).
والحديث ـ وإن قال فيه التِّرْمِذيُّ: حسن صحيح، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم ـ مداره على محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقَّاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في (تهذيب الكمال) للمِزِّي وفي (تهذيب التهذيب) لابن حجر: علم أن الرجل متكلَّم فيه من قِبَل حفظه، وأنَّ أحدًا لم يوثِّقه بإطلاق، وكل ما ذكروه أنَّهم رجَّحوه على من هو أضعف منه. ولهذا لم يزد الحافظ في (التقريب) على أنَّ قال: صدوقٌ له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي، ما لم ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟!
ومعلوم أنَّ التِّرْمِذيّ وابن حِبَّان والحاكم من المتساهلين في التصحيح، وقد وُصِفَ الحاكم بأنَّه واسعُ الخطو في شرط الصحيح.
وهو هنا صحَّح الحديث على شرط مسلم، باعتبار أن محمَّد بن عمرو احتج به مسلم، ورده الذهبي بأنَّه لم يحتج به منفردا، بل بانضمامه إلى غيره. على أن هذا الحديث من رواية أبي هُرَيْرة ليس فيه زيادة: أن الفرق «كلها في النَّار إلَّا واحدة» وهي الَّتي تدور حولها المعركة.
وقد روي الحديث بهذه الزيادة من طريق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمرو(2)، ومعاوية(3)، وعوف بن مالك(4)، وأنس(5)، وكلُّها ضعيفة الإسناد، وإنَّما قووها بانضمام بعضها إلى بعض.
رأيي في حديث الفرقة النَّاجية:
والَّذي أراه: أنَّ التَّقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، وخصوصًا عند المتقدِّمين من أئمَّة الحديث، فكم من حديث له طرق عدة ضعَّفوه، كما يبدو ذلك في كتب التخريج والعلل وغيرها! وإنَّما يؤخذ بها فيما لا معارض له، ولا إشكال في معناه.
وهنا إشكال أي إشكال في الحكم بافتراق الأمة أكثر ممَّا افترق اليهود والنَّصارى من ناحية، وبأنَّ هذه الفرق كلها هالكة وفي النَّار إلَّا واحدة منها. وهو يفتح بابًا؛ لأنَّ تدَّعي كلُّ فرقة أنَّها النَّاجية، وأنَّ غيرها هو الهالك، وفي هذا ما فيه من تمزيق للأمة، وطعن بعضها في بعض، ممَّا يضعفها جميعًا، ويقوِّي عدوَّها عليها، ويغريه بها.
ولهذا طعن العلامة ابن الوزير في الحديث عامَّة، وفي هذه الزيادة خاصة، لما تؤدي إليه من تضليل الأمة بعضها لبعض، بل تكفيرها بعضها لبعض.
قال 5 في «العواصم والقواصم» وهو يتحدَّث عن فضل هذه الأمة، والحذر من التورط في تكفير أحد منها، قال: «وإيَّاك والاغترار بـ «كلها هالكة إلَّا واحدة». فإنَّها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة!
قال: وعن ابن حزم: أنَّها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفوعة، وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعريَّة، فإنَّها أحاديث ضعيفة غير قوية»(6).
جـ ـ إنَّ من العلماء قديمًا وحديثًا من ردَّ الحديث من ناحية سنده، ومنهم من رده من ناحية متنه ومعناه، فهذا أبو محمَّد بن حزم، يرد على من يكفِّر الآخرين بسبب الخلاف في الاعتقاديات بأشياء يوردونها. وذكر من هذه الأشياء الَّتي يحتجون بها في التكفير حديثين يعزونهما إلى رسول الله ﷺ ، هما: «القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة»(7). وحديث: «تفترق هذه الأُمَّة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النَّار حاشا واحدة، فهي في الجنَّة».
قال أبو محمد: «هذان حديثان لا يصحَّان أصلًا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حُجَّة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟!»(8).
وهذا الإمام اليمني المجتهد، ناصر السُّنة، الَّذي جمع بين المعقول والمنقول، محمَّد بن إبراهيم الوزير (ت: 840هـ) يقول في كتابه: «العواصم والقواصم»، أثناء سرده للأحاديث الَّتي رواها معاوية 3 ، فكان منها (الحديث الثامن): حديث افتراق الأمة إلى نيِّف وسبعين فرقة، كلها في النار، إلَّا فرقة واحدة. قال: «وفي سنده ناصبي، فلم يصح عنه، وروى التِّرْمِذيّ مثله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث غريب. ذكره في الإيمان من طريق الأفريقي واسمه عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد عنه(9).
وروى ابن ماجه مثله عن عوف بن مالك وأنس(10).
قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح، ولذلك لم يخرج الشيخان شيئًا منها. وصحَّح التِّرْمِذيّ منها حديث أبي هُرَيْرة من طريق محمَّد بن عمرو بن علقمة(11)، وليس فيه «كلها في النَّار إلَّا فرقة واحدة». وعن ابن حزم: أن هذه الزيادة موضوعة، ذكر ذلك صاحب «البدر المنير»(12).
وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًۭا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾[الأنعام: 65]: «وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ ، أنه قال: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النَّار، إلَّا واحدة»»(13).
ولم يزد على ذلك، فلم يصفه بصحَّة ولا حسن، رغم أنَّه أطال في تفسير الآية بذكر الأحاديث والآثار المناسبة لها.
وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث ثم قال: «قلت: أمَّا زيادة «كلها في النَّار إلَّا واحدة». فقد ضعَّفها جماعة من المحدِّثين، بل قال ابن حزم: إنَّها موضوعة»(14).
افتراق الأمة ليس لازمًا ولا مؤبَّدًا:
على أنَّ الحديث ـ وإن حسَّنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صحَّحه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه ـ لا يدلُّ على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد: أمر مؤبَّد ودائم إلى أن تقوم السّاعة، ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات، فقد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحقّ باطلها، فتنقرض ولا تعود أبدًا، وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد لها وجود، كما أنَّ الحديث يدلُّ على أن هذه الفرق كلها «جزء من أُمَّته» ﷺ ، أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله: «تفترق أمتي». ومعنى هذا أنَّها ـ برغم بدعتها ـ لم تخرج عن الملة، ولم تنفصل عن جسم الأمة المسلمة، وكونها «في النَّار» لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين، وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية، أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب، وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا سيَّما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنَّهم لم يوفَّقوا، وأخطؤوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
ثم هل من المعقول أن تكون الأمة الإسلامية شرًّا من اليهود والنَّصارى؟ اليهود افترقوا على واحد وسبعين فرقة، والنَّصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمون يفترقون إلى ثلاثة وسبعين فرقة؟! القرآن قال عن اليهود: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾[المائدة: 64]، وقال عن النَّصارى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾[المائدة: 14]. والقرآن لم يقل مثل هذا عن الأمة الإسلامية.
وبعض النَّاس يأخذ من هذا الحديث أنَّ افتراق الأمة الإسلامي أمر لازم وقدري ومؤبد، وهذا ليس معقولا، الله تعالى يقول: ﴿وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ [آل عمران: 103]. ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ﴾ [آل عمران: 105]، ويقول: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. ويقول النَّبيّ ﷺ : «لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا»(15).
فإذا كانت الأمة ستختلف، فما فائدة الأوامر والنواهي إذا كان تفرق الأمة قدريًّا ولازمًا لها؟!
وعلى فرض صحَّة هذا الحديث، وأنَّ الأُمَّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الواحدة هي الَّتي تتمسك بالكتاب والسُّنَّة، ومعنى تتمسك: تلتزم، حتَّى وإن انحرفت في بعض الجزئيات؛ لأنَّه سيظل هناك أمور يختلف فيها النَّاس، وسيظل هناك من يلتزم بالاحتكام للكتاب والسُّنَّة، ولكنَّه منحرف عنهما، مؤمن أن الكتاب والسُّنَّة أصل هذا الدين، ولكنَّه للأسف يتَّبع الشهوات، يرتكب المعاصي، ينحرف سلوكيًّا وأخلاقيًّا، مع أنَّه مؤمن بالكتاب والسُّنَّة، فهل يُخرجه هذا من الفرقة المتَّبِعة للكتاب والسُّنَّة، الفرقة الَّتي كان عليها النَّبيُّ ﷺ وأصحابه؟ طبعًا لا، فهو ما دام ملتزمًا بالكتاب والسُّنَّة: أَصْلَيْ هذا الدِّين، فهو من هذه الفرقة.
الجماعات العاملة للإسلام ليست من الفرق:
ولذلك فالمذاهب الإسلامية الأربعة وغيرها من المذاهب التَّاريخية، وهذه الجماعات العاملة للإسلام، والَّتي نسمِّيها: فصائل الصحوة الإسلامية، وهي جماعات متنوِّعة، وبينها بعض الخلافات، لا نستطيع أن نقول: إنَّهم من الفرقة الهالكة أو الضالة، هم من الفرقة الَّتي نرجو لها النجاة في مجموعها، أمَّا الأفراد فكل واحد يحاسب على عمله، ومدى التزامه بمنهج هذه الفرقة، فلا تأتي جماعة وتقول: نحن وحدنا العاملون بالكتاب والسُّنَّة، وتتنابز الفرق بعضها مع بعض، فالكل عامل بالكتاب والسُّنَّة، وهناك خلافات ستظل قائمة، وقد اختلف الصحابة بين يدي رسول الله ﷺ ، فعن ابن عمر قال: قال النَّبيّ ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: «لا يُصَلِّيَنَّ أحد العصر إلَّا في بني قريظة». فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتَّى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِد منَّا ذلك. فذُكِر للنَّبيِّ ﷺ ، فلم يعنف واحدًا منهم(16).
فالنبي ﷺ أقرَّ مشروعية الاختلاف والاجتهاد في فهم النُّصوص، فنحن يجب أن يسع بعضنا بعضًا في فهم النُّصوص؛ لأنَّ من النَّاس من ينظر إلى المقاصد، ومنهم من يتمسَّك بالظواهر، ومنهم بين بين.
لنفترض أنَّ واحدًا يرى إخراج زكاة الفطر نقودًا، وآخر يرى إخراجها طعامًا، أنت لك رأيك، وأنا لي رأيي، الحديث وحي، لكن فهمي وفهمك للحديث ليس وحيا، فلا تلزمني بفهمك.
قاعدة المنار الذهبية:
وينبغي لنا جميعًا أن نعمل بقاعدة المنار الذهبية الَّتي وضعها العلامة السَّلفي الشيخ محمَّد رشيد رضا: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
لكي نعمل عملا للإسلام، ولنصرة الإسلام، وللأمة الإسلامية، ولتطبيق الشَّريعة الإسلامية، ومقاومة أعداء الإسلام، لا بدَّ أن نعمل على كلّ ما يوحِّد الأمة، ويبعد الفرقة عنها، فأعداء الأمة يريدون أن يفرِّقوها ويمزِّقوها شرَّ ممزَّق، بكلِّ الوسائل، ولا يجوز أن نصغي إليهم، ولا يجوز أن نفتح عقولنا وقلوبنا لهذه الوساوس والهواجس، الَّتي ليس من ورائها إلَّا تمزيق الأمة.
وما نتفق عليه كثير جدًّا، فيجب أن نتعاون فيه، نتفق على محاربة الإلحاد، على محاربة الشيوعية، ومحاربة التحلِّل والإباحية، وكلِّ دعوة إلى التحلُّل والإباحية والخلاعة نقف معا ضدها، نقف ضد تبرج النساء، ضد التحلُّل من الأخلاق والفضائل، نتفق على أن الصلاة فرض من فرائض الإسلام، فيجب أن نتعاون على أن يقيم النَّاس الصلاة، ونتعاون على كلِّ ما يحبِّب النَّاس في هذه الفريضة.
ونتفق على حرمة الرِّبا والخمر والميسر، والزِّنَى والفواحش: ما ظهر منها وما بطن، واللواط والسِّحاق، والاحتكار والرشوة والغشِّ، وأكل المال بالباطل، والظلم والتجبر، وخصوصًا على الضعفاء.
هناك أشياء كثيرة نتفق عليها، فهذه الأشياء يجب أن نتعاون فيها، وهي كثيرة جدًّا، وتحتاج إلى جهود وأوقات، وأموال وعقول، فلنتعاون في هذه القضايا.
والاختلاف ضرورة، ورحمة وسعة، ضرورة تقتضيها طبيعة الدين، وطبيعة اللغة، وطبيعة البشر، وطبيعة الكون والحياة.
فالاختلاف لا بدَّ منه، لو أراد الله أن يجعل النَّاس كلها على رأي واحد لأنزل كتابه آيات محْكمات قاطعات الدلالة، ولكن الله أنزل الكتاب كما قال: ﴿مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ﴾ [آل عمران: 7]، وجعل من مصادر الدين الحديث، ومعظم ثبوت الحديث ثبوت ظني، المتواتر من الحديث قليل جدًّا، فسيظل النَّاس يختلفون، واللغة نفسها فيها الحقيقة وفيها المجاز، فمثلًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]. من المجتهدين من فهمها على الحقيقة أي: وضع البشرة على البشرة، ومنهم ـ كابن عبَّاس ـ من يقول: اللمس والملامسة والمس في القرآن كناية عن الجماع، إن الله حيي كريم، يكني عمَّا شاء بما شاء(17).
لذلك سيظلُّ النَّاس يختلفون، فالأَوْلى ما دمنا سنختلف لا محالة: أن يعذر بعضنا بعضًا في الأشياء المختلف فيها، وعلماؤنا من قديم قالوا: لا إنكار في المختلف فيه بين المجتهدين في المسائل الاجتهادية. فما دامت المسائل قابلة للاجتهاد، أي ليست مسألة ثابتة بنصٍّ قطعيِّ الثُّبوت قطعيِّ الدلالة، والمسائل الثابتة بنصٍّ قطعيِّ الثُّبوت قطعيِّ الدلالة محدودة جدًّا، وهذا من رحمة الله، وهي مع كونها محدودة جدًّا مهمة جدًّا أيضًا، لأنَّها هي الَّتي تجسد وحدة الأمة، وتجسد الثوابت الفكرية والشعورية والسلوكية والعملية للأمة، فهذه هي المنطقة المغلقة، الَّتي لا يدخلها اجتهاد ولا تطوّر، ولا تتغير بتغير الزمان أو المكان، أو العرف أو الحال.
ولقد فهم أصحاب رسول الله ﷺ هذا الفهم، واختلف بعضهم مع بعض، وعذر بعضهم بعضًا، سيدنا عمر ـ وهو أمير المؤمنين ـ لقي رجلًا فقال: ما صنعتَ؟ فقال: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا. قال: لو كنتُ أنا لقضيتُ بكذا. قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ فقال: لو كنتُ أردُّك إلى كتاب الله 8 ، أو إلى سنة نبيه ﷺ لفعلتُ، ولكنِّي أردُّك إلى رأيي، والرأي مشترك(18). أي: أردُّك إلى فهم ورأي عندي، والرأي مشترك بين النَّاس، كلّ له رأيه، فرأي زيد وعلي مثل رأيي، فما دام ليس نصًّا قاطعًا صريحًا من كتاب الله وسنة رسوله فهو يحتمل الخلاف، وما دام يحتمل الخلاف فلا بدَّ أن يتسامح النَّاس فيما اختلفوا فيه.
هذا ما كان عليه الصحابة، وهذا ما كان عليه التابعون وتابعوهم، والأئمَّة العظام صلى بعضهم وراء بعض، فالإمام أحمد كان من رأيه أن الرعاف أو سيلان الدم ينقض الوضوء، إذا كان شيئًا كثيرًا، فقيل له: هل تصلي وراء من لا يرون ذلك ناقضًا للوضوء؟ قال: كيف لا أصلي وراء سعيد بن المسيب ومالك بن أنس(19)؟ وكان سعيد ومالك يريان خلاف رأيه.
أمَّا التعصُّب المذهبي فلم تعرفه الأُمَّة إلَّا في عصور الانغلاق والجمود والتقليد الأعمى، حتَّى وصل الأمر في بعض الفترات إلى أن بعض أتباع المذاهب الأربعة كان لا يصلِّي وراء أحد من مذهب آخر.