2026-06-04
873
خطر التبشير بالنصرانيَّة
أرفقتُ لفضيلتكم إحدى الرسائل البغيضة الَّتي يرسلها هؤلاء المشبوهون إلى الدول العربية والإسلاميَّة للأفراد والجماعات والشركات بقصد تنصيرهم وإخراجهم من دين التوحيد إلى دين التثليث، وأنا أعلم أنَّهم لو أرسلوا ملايين الرسائل لأفقرِ مسلم في الأرض ما تحول عن إسلامه، وذلك بسبب شيء بسيط لا يعرفه هؤلاء ولا يدركونه عند المسلم، وهو أن عقيدة التوحيد في وجدان كل مسلم، وأن كل خلية في تكوين المسلم تنطق بالإسلام.
أنا لا أخاف على الأمَّة الإسلاميَّة ولا على أبناء المسلمين، ولكن أريد ـ يا صاحب الفضيلة ـ أن ترد عليهم أنتَ، ليكفوا عن هذه الألاعيب المكشوفة، ويثوبوا إلى رشدهم، فكفاهم غيًّا وضلالًا، ونحن المسلمين نؤمن بديننا السمح وندعوهم للإسلام، الدين الخاتَم والخالد، ندعوهم إلى أن يفوزوا برضا الله تبارك وتعالى، بأن يصححوا ويكملوا دينهم بدين محمَّد ﷺ ، نحن لا نريد من يدعونا إلى التصديق بنبي الله عيسى ﷺ ؛ لأنَّنا مؤمنون به، وبكل النبيين والمرسلين، لا نفرق بين أحد من رسله، فإيماننا لا يكتمل إلَّا بالإيمان بأنبياء الله صلى الله وسلم عليهم أجمعين، وآخرهم سيدنا محمَّد ﷺ ، وهذا جزء من عقيدتنا الإسلاميَّة.
وقد أرفق الأخ بعض النماذج لهذه الرسائل التبشيرية الَّتي يرسلونها للمسلمين.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أنا أعجب من هؤلاء الَّذين يريدون أن ينصروا المسلمين، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى الملاحدة، وإلى الوثنيين في آسيا وإفريقيا، بدل أن يذهبوا إلى المسلمين لينصروهم، المسلمون أنعم الله عليهم بالدين الكامل التام، بعد أن حُرِّفت اليهوديَّة والنصرانيَّة، ودخلهما ما ينافي التوحيد الَّذي جاء به إبراهيم، وجاء به الأنبياء جميعًا. بل أولى بهم أن يذهبوا إلى النَّصارى أنفسهم، الَّذين يتخلون عن النصرانيَّة بالملايين، حتَّى أمست الأغلبية العظمى من النَّصارى لا دين لهم. هم مسجَّلون نصارى، ولكن في الواقع لا دين لهم، ولهذا بدؤوا يبيعون الكنائس، ويشتريها منهم المسلمون ويحولونها إلى مساجد أو مراكز إسلاميَّة.
تعالى الله عمَّا يقول اليهود والنَّصارى:
حُرِّفت اليهوديَّة، وحُرِّفت النصرانيَّة، ووجدنا الكتاب المقدس يصف الله بما يوصف به الإنسان، يصفه بالعجز، ويصفه بالجهل، ففي كتابهم المقدس أن آدم اختبأ من الله، وبحث الله عنه في الجنة، فلم يجده، ولم يعرف أين هو، فنادى: أين أنتَ يا آدم؟
وأنَّ الله ـ تعالى عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا ـ بعدما خلق آدم، حسده وغار منه، وخاف أن يأكل من الشجرة؛ لأنَّه إذا أكل من الشجرة سيعرف الخير من الشر، ويكون مثل الآلهة.
وتقول التوراة: إنَّ الرب قابل إسرائيل، ولم يعرف إسرائيل أنه الرب، وتصارعا، فصرع إسرائيل الرب، وبعد أن صرعه عرف أنَّه الربُّ، فأحبَّ أن يستفيد من هذه الفرصة وهو الغالب، فقال له: لن أتركك حتَّى تبارك ذريتي. فقال له: باركت ذريتك.
أي إله هذا؟! فالألوهيَّة ذهب جلالها وكمالها وجمالها في التوراة.
وكذا النبوة، فقد وصفت التوراة الأنبياء بأسوأ ما وُصف به البشر، فالتوراة تتحدث أن منهم من زنى، ومن شرب الخمر، ومن اعتدى على حقوق الآخرين، فتقول ـ مثلًا ـ : إن داود بعث جاره إلى الحرب ليتخلص منه، وليتزوج امرأته من بعده. وحاشاه، فلا يفعل ذلك أسافل النَّاس، فكيف بأنبياء الله! داود موصوف في القرآن والسُّنَّة بصفات عظيمة في معرفة الله تعالى وعبادته وخشيته في عدَّة سور من القرآن، وفي عدَّة أحاديث عن الرسول الكريم.
هل هذا هو الكتاب الَّذي نجد فيه القوة الروحية والطمأنينة؟! عندنا كتاب الله الَّذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ﴾[فصلت: 42]. هذا الكتاب العظيم الَّذي وصف الله بأوصاف الجلال والجمال والكمال، لا يمكن أن تجد في كتابهم المقدس من الثناء على الله مثل ما في القرآن الكريم، كمًّا ولا كيفًا.
تفتح المصحف فتجد في أوله: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ٢ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 2 ـ 6]. أين هذا ممَّا نجده في الكتاب المقدس عندهم؟ أسفار التوراة كلها أحاديث عن بني إسرائيل، وأمجاد بني إسرائيل، وملك بني إسرائيل، وتاريخ بني إسرائيل، وأعداد بني إسرائيل، وهذا كتاب مقدس عند اليهود وعند النَّصارى، والنَّصارى زادوا على اليهود بأنَّهم ألَّهوا المسيح، منذ سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين ميلادية أصبحت العقيدة الرسمية للنصارى أن المسيح إله حق من إله حق، كانوا في أوَّل الأمر مختلفين، فجاء الملك قسطنطين وجمع القساوسة في مجمع نيقية، وطرد الموحِّدين، وأصبحت العقيدة أن المسيح إله حق، من إله حق.
ولذلك من الألفاظ المكررة والمعروفة عندهم: الإله الأب، والإله الابن، الإله الأب هو الخالق الأعلى، والإله الابن هو المسيح، فهناك إله أب، وإله ابن، وهناك روح القدس، فهي أقانيم ثلاثة، ولذلك القرآن يقول:﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ٧٢ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[المائدة: 72، 73].
فاليهود شطُّوا وانحرفوا في عقيدة الألوهية، وفي عقيدة النبوة، وفي عقيدة الآخرة، والنَّصارى زادوا عليهم، وهم مؤمنون بكل ما يؤمن به اليهود في كتابهم المقدس؛ لأن اليهود عندهم كتاب مقدس، ويزيدون عليهم في الانحراف في الكلام عن ألوهيَّة عيسى وبنوته لله، أو أنه ثالث ثلاثة، وعقيدة الفداء، فهذه هي عقيدة هؤلاء القوم.
وإذا نظرنا في شرائع التوراة نجد شرائع غريبة جدًّا، ولا يتسع المجال لنتحدث عنها، فمثلًا: لو نطح ثور ثورًا، أو جدي نطح جديًا، أو تيس نطح تيسًا، نقتص من الناطح، كأنه مكلَّف، كأنه إنسان بالغ عاقل. وفي شرائعهم تفريق بين البشر، واستباحة لدماء الكنعانيين، واعتبار الإسرائيليين وحدهم شعب الله المختار!
الله تعالى يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾[الحجرات: 13]. والنبي ﷺ يقول: «يا أيها النَّاس، ألا إنَّ ربَّكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلَّا بالتقوى»(1). يعني أن البشريَّة كلَّها تشترك في: العبوديَّة لله، والبنوَّة لآدم.
المسلمون ليسوا في حاجة إلى التنصير:
هؤلاء الَّذين يريدون أن ينصروا المسلمين، نقول لهم: المسلمون ليسوا في حاجة إلى تنصير، عندهم الدين الخاتم، كان ينبغي لكم أنتم أن تدخلوا في دين الإسلام، الَّذي بشَّر به المسيح 0 : ، ولا تزال البشائر في الإنجيل والتوراة إلى يومنا هذا، هناك بشائر موجودة، كما قال الله تعالى عن عيسى 0 : : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ﴾[الصف: 6]. فالبشائر عندهم، والمسيح قال لهم: سيأتي من بعدي رجل، هو الَّذي يشهد لي بالحق كما شهدت له، وهو الَّذي يفسِّر لكم كل شيء، وهو الَّذي يُبْدي فضائح الأمم، وهو الَّذي يكسر عمود الكفر.
أوصاف لا تنطبق إلَّا على محمَّد ﷺ .
وفي سنة 1986م اجتمع اتحاد الكنائس العالمية في مدينة بازل في سويسرا، وقرروا تنصير العالم، وبعدها بسنة في سنة (1)م اجتمعوا في كولورادو، وقرروا تنصير المسلمين في العالم، ورصدوا لذلك مبلغ ألف مليون دولار، وجمعوا الألف مليون دولار في جلسة واحدة، هم يجمعون المليارات، أنا أعرف أنَّ الكنيسة الكاثوليكية ـ على ما أذكر ـ جمعت في سنة 1996م ثلاثة وستين مليار دولار، وعندهم مئات الآلاف من المبشرين، قلتُ مرة: إنَّ هناك ربع مليون مبشر، فبعث إليَّ الأخ أبو بدر عبد الله المطوع رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت إحصائيات تقول: إنَّ المبشرين بلغوا أربعة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف مبشر ومبشرة في العالم، أي هم بالملايين، وليسوا بمئات الآلاف، وتأتي لهم أموال، أنفقوا ثلاثة وستين مليار دولار، ما هذه الأموال الهائلة الَّتي تنفق على التبشير بالنصرانيَّة؟!
نحن حاولنا أن نقف أمام هذه الموجة الطاغية، وحينما اجتمع المبشِّرون الأمريكان في «كولورادو»، وقرَّروا تنصير المسلمين في العالم، ورصدوا ألف مليون، دعونا نحن المسلمين وقلنا: هؤلاء رصدوا ألف مليون لتنصير المسلمين، فلنرصد نحن ألف مليون دولار لحماية المسلمين، لحماية الوجود الإسلامي؛ ودعونا لهيئة خيرية عالمية إسلاميَّة تتبنّى هذا الأمر، وتجمع المليار دولار من المسلمين، والمسلمون أكثر من مليار ونصف مسلم، فلو دفع كل مسلم دولارًا لتمَّ الأمر، وقامت الهيئة في الكويت، ولا زالت تعمل وتنادي.
وهؤلاء ماذا يفعلون؟ هم لا يقنعون مسلمًا بالعقيدة النصرانيَّة، إنَّما يذهبون إلى الفقراء في بعض البلاد، ممَّن لا يعرفون شيئًا عن الإسلام سوى أن أجدادهم مسلمون، ويعطونهم أموالًا وينصرونهم، أو يأخذون التلاميذ الصغار ويعلمونهم في مدارسهم، من أوَّل الأمر، وهم ليس عندهم حصانة، فينشؤون على النصرانيَّة.
ومع كل ما ينفقونه من الأموال، ومع هذا العدد الضخم من المبشرين، ومع هذه المؤسسات والكنائس الَّتي تخطط، فما زال الإسلام بخير، يتوسع وينتشر أكثر، وهم اعترفوا بذلك في صحفهم، قالوا: إن الإسلام أكثر الأديان انتشارًا. رغم ضعف المسلمين، ورغم قلة الدعاة؛ لا يوجد عندنا آلاف وليس ملايين الدعاة، الَّذين يعرفون لغات الآخرين، هم يُعلِّمون المبشِّر لغة القوم الَّذين سيذهب إليهم، إذا كان سيذهب إلى غرب إفريقيا يتعلم اللغة السائدة عندهم: لغات الهوسا والفولاني واللغات المحلية هناك. وإن كان سيذهب إلى شرق إفريقيا فيتعلم اللغة السواحلية، ويعرف المذهب السائد، مثلًا المذهب المالكي أو الشافعي، ويعرف الطريقة الصوفية المنتشرة هناك، إذا كانت الطريقة القادرية، أو التيجانية، أو غيرهما، يعرف كل شيء عن القوم، حتَّى ما هي القبائل المؤثرة، من شيوخ القبائل، ليس عندنا نحن هذه القدرة، ومع هذا الإسلام أكثر الأديان انتشارًا.
احذروا الغزو العقدي:
نحن المسلمين ينبغي أن نتنبَّه إلى هذا الغزو، فنحن كثيرًا ما نتحدث عن الغزو الفكري، ونغفل الغزو الديني، الغزو العقدي، الَّذي يريد أن يقتلع العقيدة الإسلاميَّة من جذورها، وأن يخرج المسلمين من إسلامهم ليدخلوا في النصرانيَّة، هم في منطقتنا العربية لا يطمعون أن يخرجوا مسلمًا من الإسلام ليدخل في النصرانيَّة؛ لأن هذا صعب جدًّا، هم يكتفون بأن يزعزعوا ثقة المسلم بالإسلام، أي يحاولون إخراجه من الإسلام، ولا يدخلوه في أي دين آخر، يبقى إنسانًا متشكِّكًا، وخصوصًا من يسمونهم بالنخبة، الَّذين تعلموا في المدارس الأجنبية، وفي المدارس التبشيرية، ولم يتحصنوا بالإسلام.
التنصير في البلاد غير العربية:
لكن في البلاد غير العربية ينصرون النَّاس، قد رأينا في نيجيريا بعض النَّاس من أسر إسلاميَّة، ومن قبائل إسلاميَّة، ولكنهم نصارى، يذهب الطفل إلى مدارس التبشير في صغره فينشأ نصرانيًّا، وحدث مثل هذا في إندونيسيا، عندما ذهبتُ أوَّل مرة إلى إندونيسيا، في صحبة الشيخ عبد الله الأنصاري 5 ، سألنا المضيِّفة في الطائرة الإندونيسية: هل أنتِ مسلمة؟ قالت: لا، أنا مسيحية، لكن عائلتي مسلمة. دليل على أنَّها ارتدت، تنصَّرت، والعياذ بالله.
فالتنصير موجود خارج البلاد العربية، وقد كانوا وضعوا خطة لتنصير إندونيسيا في خمسين سنة، وقام الإخوة في إندونيسيا، خصوصًا المجلس الأعلى للدعوة الإسلاميَّة برئاسة الدكتور محمَّد ناصر 5 بجهد عظيم، على قدر طاقتهم؛ لأن المبشِّرين هناك يملكون مطارات، ويملكون طائرات، حوالي ستين مطارًا يملكها المبشِّرون المسيحيون، والمسلمون يتنقلون بالقوارب بين الجزر الإندونيسية، إندونيسيا بها آلاف الجزر، هم يتنقلون بالطائرات، ونحن المسلمين نتنقل بالقوارب، ورغم إمكانيات المسلمين الضعيفة، لم يستطع هؤلاء تنصير المسلمين، إلَّا قلة قليلة.
أكثر من عشرين سنة من الخمسين الَّتي عملوا فيها على تنصير إندونيسيا كان الأمر بالعكس، تقدمت ـ والحمد لله ـ إندونيسيا من الإسلام أكثر، وظهرت فيها صحوة إسلاميَّة قوية، فحولوا الحرب إلى حرب اقتصادية، كان أخونا: بحر الدين حبيبي، الرجل الثاني في إندونيسيا، وهو رجل تكنولوجيا وصناعة على المستوى العالمي، كان يعيش في ألمانيا، وجاء إلى بلده وبدأ يصنع طائرات، فغيّروا الأزمة الاقتصادية لدول جنوب شرق آسيا، واشترط الغرب والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على سوهارتو حاكم إندونيسيا وقتها، أن يتخلص من بحر الدين حبيبي، وأن يوقف صناعة الطائرات.
فنحن في الحقيقة أمام حرب صليبية ماكرة فاجرة، يملك القوم فيها أسلحة شتَّى، ونحن لا نملك هذه الأسلحة، هم لا يريدون أن تقوى أي بلد إسلامي.
مبشرات بانتشار الإسلام وانتصاره:
ينبغي أن نكون حذرين للوقوف ضد هذه الحرب الشرسة، الَّتي تريد أن تهدمنا من الأساس، تريد أن تقتلعنا من الجذور، ونحن ـ إن شاء الله ـ لا يمكن أن نُقتلع من جذورنا؛ لأنَّنا نرتكن إلى الدين الحق، الله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾[التوبة: 32]. هم كمن يريد أن يطفئ الشمس بنفخة، هل هي شمعة حتَّى تطفئها بنفخة من فمك؟! إنه نور الله، والإسلام هو نور الله، ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾، فنور الله لا بدَّ أن يتمَّ، ولو كره هؤلاء، سيتم نور الله في بلاد الإسلام، سيتم نور الله في السودان، سيتم نور الله في إيران، سيتم نور الله في باكستان، سيتم نور الله في الخليج، سيتم نور الله في مصر، سيتم نور الله في كل هذه البلاد،﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ﴾، هذا الإباء الإلهي هو الَّذي يطمئننا.
هم يريدون شيئًا والله يريد شيئًا آخر، فهل سيفرضون على الله ما يريدون؟ لا يمكن، لن يستطيعوا هذا، ﴿وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾[التوبة: 32، 33]. وعندنا الحديث الَّذي رواه أحمد وغيره: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليبلُغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر، إلَّا أدخله الله هذا الدين، بعِزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل، عزًّا يُعِز الله به الإسلام، وذُلًّا يذل الله به الكفر»(2).
«ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنَّهار». سينتشر هذا الدِّين، سيدخل كل مكان يتعاقب عليه الليل والنهار، في الشرق وفي الغرب، وفي الشمال وفي الجنوب.
«ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر، إلَّا أدخله الله هذا الدين». المدر: هو الحجر الَّذي تُبنى به المدن، والوبر: شعر الجمال الَّذي يستعمله البدو. يعني: سينتشر الإسلام في الحواضر والبوادي، في المدن والقرى، في كل مكان سينتشر هذا الدين.
وكان تميم الداري (راوي الحديث، وكان نصرانيًّا) 3 يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية.
وقد ورد في مسند الإمام أحمد أنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسلام سئل: أيُّ المدينتين تُفتَح أولًا: قسطنطينية أو روميَّة؟ فقال رسول الله ﷺ : «مدينة هرقل تُفتح أولًا». يعني قسطنطينية(3).
ومدينة روميَّة هي روما عاصمة إيطاليا، عاصمة الدولة الرومانية الغربية. ومدينة القسطنطينيَّة هي الَّتي كانت عاصمة الدولة البيزنطية، مكانها الآن مدينة إستنبول، فالصحابة كأنَّهم قد سمعوا من النَّبيِّ ﷺ قبل ذلك أنَّ كلتا المدينتين ستُفتح، سيدخلها الإسلام وسيفتحها المسلمون، فلذا سألوا: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا؟
وقد فتحت هذه المدينة والحمد لله، فتحت في جمادى الأولى سنة 859 هجرية، الموافق الثامن والعشرين من مايو سنة 1453م، فتحها ذلك الشاب العثماني الطموح، محمَّد بن مراد، الشهير في التاريخ باسم: محمَّد الفاتح.
قرأ في الأحاديث: «لتُفتحَنَّ القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»(4). فمنذ أن كان عمره تسعة عشر عامًا وهو يدبِّر ويخطِّط لفتح تلك المدينة، ليحقِّق ما بشر به الحديث، حتَّى حقَّق الله له هذا الأمر، الَّذي حاوله الصحابة فلم يستطيعوه، وادَّخره الله لهذا الشاب، الَّذي فتح القسطنطينية وهو ابن ثلاثة وعشرين عامًا، ونشر فيها الإسلام، وأقام دولة الخلافة العثمانية، الَّتي انتشرت في الآفاق.
ومعنى أنَّ الإسلام فتح القسطنطينية، فقد بقي الشق الآخر من البُشرى الَّتي في الحديث، وهو أن تُفتح روما، ومعنى هذا أن الإسلام سيدخل أوربا مرة أخرى، سيفتح أوربا، وفي ظني أن هذا الفتح سيكون فتحًا بالدعوة والفكر، فتحًا بالبيان واللسان، سينتشر الإسلام عن طريق الكتاب والرسائل، والتليفزيونات والإنترنت، الآن هذه هي الوسيلة الَّتي تنتشر في أنحاء العالم، وتدخل كل دولة، ولا يستطيع أحد أن يمنعها.
نستطيع نحن المسلمين أن ننشر ديننا بدون جيوش، هل يمنعك أحد أن توجه إذاعة أو تلفزة إلى أوربا أو أمريكا أو آسيا أو إفريقيا؟ الإذاعات والتلفازات والقنوات الفضائية تستطيع أن تغزو العالم، بالإنترنت تستطيع أن تنشر الرسائل بلغات العالم المختلفة، أمامنا الفرصة لنشر الإسلام.
نحن عندنا البشرى بأنَّ الإسلام سيفتح رومية، وعسى الله أن يقر أعيننا، أو أعين الأجيال القادمة بهذا الأمر، ونسأل الله تعالى أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
1. رواه أحمد (23489)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5622): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. عمَّن سمع خطبة النبي ﷺ .
2. رواه أحمد (16957)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم. والطبراني (2/58)، والحاكم في الفتن (4/430)، وصححه على شرطهما، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9807): رجال أحمد رجال الصحيح. عن تميم الداري.
3. سبق تخريجه صـ 72.
4. رواه أحمد (18957)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والحاكم في الفتن (4/421) وصححه ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10384): رجاله ثقات. عن بشر الغنوي.