2026-07-21
1,011
حديث النفس
السؤال
قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّه﴾[البقرة: 284]. ألَّا يتنافى ذلك مع قول النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ الله تجاوز عن أُمَّتي ما حدَّثت به أنفسَها، ما لم تعمل أو تتكلَّم»(1). وقول النَّبيِّ ﷺ : «ومن هَمَّ بسيِّئةٍ فلم يعملها، كتبها اللهُ له عنده حسنةً كاملة»(2).
الجواب
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الله تعالى يقول: ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]. هذه الآية فهم منها بعض الصحابة أنَّ الإنسان سيحاسب على حديث النفس، فنزل القرآن يصحح لهم الفهم، ويخبرهم أن الله لن يحاسب الإنسان إلَّا على ما اقترفت يداه وكسبت، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، واللفظ له، والترمذي، عن ابن عبَّاس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 284]. قال: دخل قلوبَهم منها شيءٌ... فقال النَّبيُّ ﷺ : «قولوا: سمعنا وأطعنا». قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال الله: قد فعلت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. قال: قد فعلت. ﴿وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا﴾ [البقرة: 286]. قال: قد فعلتُ(3).
بيَّن لهم أن لا حرج في مثل الوسوسة وحديث النفس وخواطرها، ما لم تتحوَّل إلى نيَّة وعزم.
أمَّا معنى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾. فقد قال بعض المفسِّرين: إنَّها في كتم الشهادة، وأن كاتم الشهادة ومخفيها في نفسه محاسب. وهذا التفسير باعتبار سياق الآيات، فالآية الَّتي قبلها مباشرة تنهى عن كتمان الشهادة: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283]. لكن «ما» الموصولة تدلُّ على العموم، ومعنى الآية أن الله سبحانه يعلم السر والعلن، ما ظهر وما بطن، وأنه يعلم حركات النفس، وما تصر عليه، وما تعزمه من فعل، سواء أعلنته أم لم تعلنه، وعلمه تعالى محيط بما ظهر وبما بطن من أعمال النفوس، ويحاسب الإنسان على النيات وما تكسبه القلوب، سواء أخفاه الشخص أم أظهره، فما تكسبه القلوب موضع مؤاخذة ومحاسبة، ولا تعارض بين ذلك وبين العفو عن حديث النفس والخطرات؛ لأنَّ حديث النفس ليس هو ما تكسبه النفس، ويعزمه القلب، وينويه الشخص، ويصر عليه؛ وإنَّما هو تلك الخواطر النفسيَّة الَّتي تعرض للإنسان فتوجهه نحو الهوى والشهوة؛ فإن سار وراءها حتَّى اعتزمها وأرادها وأصر عليها، ولكن عاقه عائق عن تنفيذها، لا تكون حديث النفس، بل تكون كسب النفس، ولكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت؛ فالمرتبة الأولى وهي تلك الخواطر، ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها، وكفها بعد مكافحتها موضع ثواب؛ وهذا معنى حديث رسول الله ﷺ : «إنَّ الله كتب الحسنات والسيئات، ثمَّ بين ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو هَمَّ بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومن همَّ بسيِّئةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها اللهُ له سيئةً واحدة»(4). فالإنسان قد ينوي الفعل الصالح، ولكن لا يفعله لعجزه عنه، من سفر أو مرض أو غير ذلك، فالله 4 يثيبه على هذا العمل، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [النساء: 100]، أي: بنيَّته؛ لأنَّ الإنسان يحاسب بنيته.
قد يكون الإنسان ممَّن يصوم كل يوم اثنين وخميس، أو يقوم من الليل، ثمَّ يصيبه مرض، فيصير غير قادر على قيام الليل، ولا على صيام النهار، فيكتب له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا، أو كان يقوم الليل ويواظب عليه، ثمَّ في ليلة كان مجهدًا ومتعبًا، وقد جاء من عمله مكدودًا، ثمَّ نام ولم يقم إلَّا لصلاة الصبح، جاء في الحديث أن الله 4 يكتب له ما كان ينوي أن يقومه من الليل، وكان نومه صدقة عليه من ربه، يقول النَّبيّ ﷺ : «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يُصلِّي بالليل، فغلبته عينُه حتَّى يصبح، كُتِب له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من ربِّه»(5). فهذا النوم تصدق الله به عليه، فقد أعجزه المرض أو التعب، لكنه أخذ هذا الأجر بنيته، هذا في جانب الخير.
أمَّا في جانب الشر، فلو هم به ثمَّ تذكر ربه، ووقوفه بين يديه، فانتهى عمَّا همَّ به، كتبه الله له حسنة، أمَّا إذا نواه وعزم عليه وصمَّم عليه يكتب عليه سيئة، حتَّى ولو لم يفعله، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ والمقتول في النَّار». قالوا: يا رسولَ الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه»(6). دخل المعركة وهو يريد أن يقتل أخاه المسلم، كل واحد منهما يريد قتل الآخر، فواحد منهما سبق الآخر فقتله، فالاثنان في النَّار، القاتل دخل النَّار بفعله، والمقتول دخل النَّار بنيته.
خلاصة القول: أنَّ موضع التجاوز هو حديث النفس وخطراتها، وموضع الحساب هو الإصرار والنيات، والاتجاه القلبي إلى الأذى والانتقام، فالإنسان لا يحاسب على ما أضمره في نفسه إلَّا إذا تحول إلى نية، وإلى تصميم وعزم على الفعل، في الخير أو في الشرِّ.
(1) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (5269)، ومسلم في الإيمان (127)، عن أبي هريرة.
(2) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الرقائق (6491)، ومسلم في الإيمان (131)، عن ابن عباس.
(3) رواه مسلم في الإيمان (126)، والتِّرْمِذي في تفسير القرآن (2992)، عن ابن عباس.
(4) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الرقائق (6491)، ومسلم في الإيمان (131)، عن ابن عباس.
(5) رواه النسائي في قيام الليل (1787)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1344)، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (21)، عن أبي الدرداء.
(6) مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (31)، ومسلم في الفتن (2888)، عن أبي بكرة.