2026-06-13
1,061
حقيقة مقولة نجم الدين الطُّوفي وهل يقدِّم المصلحة على النصِّ القطعي؟
ما حقيقة ما قاله العلامة الحنبلي نجم الدين الطوفي؟ هل صحيح أنه يقدِّم المصلحة على النصِّ، وإن كان قطعيَّ الثبوت، قطعيَّ الدلالة؟ وأنه اشتهر بذلك. حتَّى نجد بعض العلمانيين اليوم يستنجدون به، يظنُّونه سيشد أزرهم في إبطال الأحكام الَّتي يزعمون أنَّها ضد المصلحة، مثل إقامة الحدود والقصاص، ومثل تحريم الربا، الَّذي يزعمون أنه يؤخر عمليَّة الاقتصاد، ومثل إيجاب الحجاب على المرأة، الَّذي يزعمون أنه يعوق حركة المرأة في الحياة المعاصرة.
نرجو من فضيلتكم البيان الشافي لهذا الأمر كما عوَّدتمونا دائمًا، فقد آتاكم الله الحجة، ووضَّح لكم المحجة، ورزقكم من سعة الأفق، وفقه مقاصد الشرع، ما يجعلكم قادرين على إقناع الخاصة، وإفهام العامة.
متَّع الله بكم، ومتَّع الأمة بعلمكم آمين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
عرضنا لهذا الأمر في كتابنا «السياسة الشرعيَّة بين نصوص الشريعة ومقاصدها» ثمَّ عرضنا له في كتابنا «الدين والسياسة» في فصل تحت عنوان «السياسة بين النصِّ والمصلحة» وخلاصة رأي الطُّوفي نُجملها فيما يلي:
دعوى أنَّ الطُّوفي يعطِّل النصوص بالمصلحة دعوى كاذبة:
الذين ادّعوا أن نجم الدِّين الطُّوفي قدّم المصلحة على النصِّ القطعي: قوَّلوا الرجل ما لم يقُل، بل قال عكسه تمامًا، فكلُّ كلامه على النصوص الظنيَّة ثبوتًا أو دلالة، وإنَّما قال من قال ذلك؛ لأنَّهم لم يستوعبوا كلامه كله، وإنَّما اختطفوا جزءًا منه ولم يستكملوه، وقد وضَّحنا ذلك ونقلنا من نصوصه ما يدفع هذا الوهم بيقين، في كتابنا «السياسة الشرعيَّة»(1).
وممَّا قاله في هذا السياق عن النصِّ:
«وأمَّا النصُّ، فهو إمَّا متواتر أو آحاد، وعلى التقديرين فهو إمَّا صريح في الحكم، أو محتمل، فهي أربعة أقسام، فإن كان متواترًا صريحًا فهو قاطعٌ من جهة متنه ودلالته، لكن قد يكون محتملًا من جهة عموم أو إطلاق، وذلك يقدح في كونه قاطعًا مطلقًا. فإن فرض عدم احتماله من جهة العموم والإطلاق ونحوه، وحصلت فيه القطعيَّة من كلِّ جهة بحيث لا يتطرق إليه احتمال بوجه. منعنا أن مثل هذا يخالف المصلحة، فيعود إلى الوفاق. وإن كان آحادًا محتمِلًا فلا قطع، وكذا إن كان متواترًا محتملًا، أو آحادًا صريحًا لا احتمال في دلالته بوجه، لفوات قطعيته من أحد طرفيه: إمَّا متنه، أو سنده»(2) اهـ .
فهو هنا يمنع صراحة أن يخالف النص القطعي في سنده وفي دلالته: المصلحة. وليس بعد بيان الرجل بيان.
بل رأيناه يستثني العبادات، فلا يدخلها في قاعدة تقديم المصلحة على النصِّ؛ لأن هذا أليق بباب العاديات والمعاملات، لا باب الدينيات والعبادات.
كما استثنى المقرَّرات الشرعيَّة، مثل عدَّة المطلقة والحامل والمتوفّى عنها زوجها، وعدد الجلدات من الحدود، وقد رددنا في بعض كتبنا على العلمانيين الَّذين استنجدوا بالطوفي، وقلنا: إنَّهم استنجدوا بمن لا ينجدهم. ومما قلته لهؤلاء: إن الطُّوفي لا يقبل ولا يجيز أن تنقص المائة جلدة، أو الثمانون جلدة المنصوص عليها في الحدود، جلدتين أو جلدة واحدة؛ ممَّا نصَّ عليه القرآن، فكيف يقبل أو يجيز إسقاط الحدِّ بالكلية؟
المصلحة الحقيقية لا تناقض النص القطعي:
وممَّا لا نزاع فيه بين أهل العلم عامَّة: أنَّ المصلحة اليقينيَّة (القطعيَّة) لا يمكن أن تناقض النصَّ القطعي أو يناقضها بحالٍ من الأحوال. وهو ما أكده علماء الأمة قديمًا وحديثًا.
وإذا تُوهم هذا التناقض، فلا بدَّ من أحد أمرين:
إما أن تكون المصلحة مظنونة أو موهومة، مثل مصلحة إباحة الربا لطمأنة الأجانب، أو الخمر لاجتذاب السياحة، أو الزِّنى للترفيه عن العزاب، أو إيقاف الحدود، مراعاة لأفكار العصر، أو غير ذلك ممَّا يموِّه به مموِّهون من عبيد الفكر الغربي.
وإما أن يكون النص الَّذي يتحدثون عنه غير قطعي، وهو ما وقع فيه كثير من الباحثين، ولا سيَّما من غير المتخصصين والمتضلعين في علوم الشريعة وأسرارها، من أساتذة الحقوق والاقتصاد والآداب، فحسبوا بعض النصوص قطعيَّة، وليست كذلك(3).
(1) انظر: السياسة الشرعية (160 ـ 165)، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 2، 2005م.
(2) انظر: التعيين في شرح الأربعين للطوفي (1/251، 252)، نشر مؤسسة الريان، بيروت، ط 1، 1419هـ ـ 1998م.
(3) انظر كتابنا: السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها صـ 267، 268.