2026-06-13
993
الحكمة في الاغتسال من الجنابة
تناقشت مع أحد الأصدقاء في وجوب الغسل بعد الجماع، فكانت دهشتي أن يقول لي: إنَّه لا يفهم حكمة لغسل الجسم كله بعد الاتصال بالزوجة، ولذلك يكتفي هو بغسل الأعضاء التناسلية فقط في مثل هذه الحالة. وحاولت أن أقنعه فلم يقتنع.
أرجو توضيح ذلك وشكرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الغسل بعد الجنابة فريضة إسلاميَّة، ثبتت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى:﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُواْ﴾[المائدة: 6]، وقوله:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ﴾[النساء: 43].
ومن السُّنَّة أحاديث كثيرة غزيرة متفق عليها.
وقد أجمع المسلمون من كلِّ المذاهب وفي كل القرون على أنَّ الغسل فرض بعد الجماع والإنزال، وأصبح هذا الحكم من المعلوم من دِين الإسلام بالضرورة، بحيث يخرج من أنكره عن زمرة المسلمين، ولا يستحق اسم الإسلام، إلَّا أن يكون حديث عهد بدخول الإسلام، أو ناشئًا ببادية بعيدة عن مصادر المعرفة في أمصار المسلمين.
أمَّا السؤال عن الحكمة من تعميم الجسد كلِّه بالماء في حين أنَّ الَّذي أصابه القذر جزء صغير منه، فنحن نقدِّم للجواب بهذا المثال:
إذا وصف الطبيب للمريض دواءً يأخذ منه ملعقة قبل كل وجبة، ودواءً آخر يأخذ منه ملعقتين بعد الأكل، ودواءً ثالثًا يشتمل على حبوب وأقراص يتناول منه عددًا معيَّنًا في مواقيت محددة. فهل من شأن المريض أن يقول للطبيب: لماذا كان هذا قبل الأكل وذاك بعده؟ ولماذا أتناول من الحبوب الكبيرة ثلاثًا ومن الصغيرة واحدة؟
وهل تتَّسع مداركه ومعارفه ليشرح له الطبيب الحكمة في ذلك مفصَّلة، ويقفه على أسرار تركيب الدواء وملاءمته لإزالة الداء؟!
هذا بالضبط هو ما نقوله لمن يريد أن يعرف أسرار تفاصيل العبادات ـ ومنها الطهارة والغسل ـ فالعبادات كما قال الإمام الغزالي: أدوية للقلب الإنساني، تشفيه من مرض الغفلة والغرور والنسيان لحق الله تبارك وتعالى. ومن حق الله سبحانه أن يستأثر بسرِّ تركيب هذه الأدوية الروحية، وقد يتفضل فيطلعنا على شيءٍ منها. وحسب المؤمن أن يعلم أنَّه تعالى لا يصف لنا إلَّا ما فيه خيرنا وصلاحنا،﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾[البقرة: 220]، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾[الملك: 14].
وكم من أمور تعبَّدنا اللهُ بها لم نكن نعرف سرَّها، ثمَّ تقدمت عجلة الزمن وكشف العلم عمَّا في أمر الله ونهيه من حكم ومنافع.
إنَّ الأصل في العبادات أن تؤدَّى امتثالًا لأمر الله وشكرًا لنعمته، سواء عرف الإنسان كل الحكمة منها أم لم يعرف. فالعبدُ عبد، والربُّ ربٌّ، للربِّ أن يأمر وينهى؛ وعلى العبد أن يسمع ويطيع. ولو كان الإنسان لا يطيع الله إلَّا فيما اقتنع به عقله المحدود؛ لكان في هذه الحالة مطيعًا لعقله، لا مطيعًا لربِّه. وليختر المؤمن لنفسه.
ومع كل ما ذكرنا فإنَّ الاغتسال بعد الجماع لا يخلو من حكمة لمن أنصف وتأمَّل ونظر نظرة أعمق.
ويعجبني هنا ما قاله الإمام ابن القيِّم ردًّا على من عجب من تفرقة الشارع بين المني والبول فأوجب الغسل من المني دون البول، فقال:
«هذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، فإنَّ المني يخرج من جميع البدن. ولهذا أسماه الله «سلالة» لأنَّه يُسلُّ من جميع البدن فتأثر البدن بخروجه أعظم من تأثره بخروج البول. وأيضًا فإنَّ الاغتسال من خروج المني من أنفع شيءٍ للبدن والقلب والروح.
فإنَّها تقوى بالاغتسال، والغسل يخلف على البدن ما تحلَّل منه بخروج المني وهذا أمر يعرف بالحسِّ.
وأيضًا فإنَّ الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا، والغسل يحدث له نشاطًا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لمَّا اغتسل من الجنابة: كأنَّما ألقيت عنِّي حملًا.
وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حسٍّ سليم، ونظرةٍ صحيحة، ويعلم أنَّ الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح الَّتي تلحق بالضروريات للبدن والقلب. وقد صرح أفاضل الأطباء بأنَّ الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وأنَّه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر. ويكفي شهادة الفطرة والعقل بحسنه.
على أنَّ الشارع لو شرع الاغتسال من البول؛ لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة؛ تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه»(1) اهـ .
أمَّا مشقَّة الغسل بعد الجماع فهي محتملة، لعدم تكرُّرِ الجماع تكرُّرَ البول، وكأنَّ هذه المشقَّة الجزئيَّة جعلت حاجزًا أو لجامًا يحول بين الإنسان وبين الاندفاع وراء الغريزة، والإسراف في الاتصال الجنسي وضرر ذلك لا شكَّ فيه.
ويلوح لي سرٌّ آخر: إنَّ المؤمن لا يعيش لغريزته وشهواته فحسْب، ولكنَّه يعيش لرسالة الله قبل أي شيء آخر، ولله تعالى عليه حق في كل عمل. وفي الجماع قد أدَّى حقَّ نفسه وحقَّ زوجه بقضاء الشهوة، بقي حق الله تعالى وهو ما يؤديه بالاغتسال. على أنَّ من حكمة الله تعالى أنَّه ربط نظافة الإنسان بأسباب طبيعية لا يمكنه الفرار منها ـ كخروج شيء من السبيلين في الوضوء، وكالجماع في الغسل ـ لتكون هذه الأسباب المتكررة سياطًا تسوق الإنسان؛ وإن تراخى وتكاسل إلى نظافة أطرافه، أو نظافة جسده كله.
ونختم هذه الكلمة بما ختم الله به آية الطهارة من سورة المائدة:﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[المائدة: 6].
(1) إعلام الموقِّعين لابن القيم (2/44، 45).