وضع حواجز بين الرجال والنساء في المساجد وغيرها

❓ وضع حواجز بين الرجال والنساء في المساجد وغيرها

📅 2026-06-13 👁 1,045 مشاهدة

نص السؤال:

نظرًا لاختلاف أصولنا في بلاد المهجر، وبسبب اختلاف عاداتنا وتقاليدنا في أقطارنا الأصليَّة، ففي اجتماعاتنا الدينية: الصلاة، صلاة الجمعة، العيد، التراويح في رمضان. وفي اجتماعاتنا الدعوية: كالحفلات الخيرية لجمع التبرعات، أو الحفلات الثقافية كأن يكون هناك محاضر، أو داعية إسلامي؛ يصر البعض على وضع حواجز من الستائر القماشية أو الخشبية لفصل النساء عن الرجال، وعادة ما يكون ذلك على حساب النساء، فلا يستطعن رؤية الخطيب أو المحاضر، فيكثر الضجيج المنبعث من جهة الأخوات، فتسمع الخطيب يوجِّه الملاحظة تلو الأخرى لهنَّ بالتوقف عن الكلام، وتكون حُجَّة النساء في ذلك الأمر: أنَّهن معزولات مهمَّشات عن الحدث. سؤالنا لفضيلتكم:
ـ هل وضع الحواجز القماشيَّة أو الخشبيَّة للتفرقة بين الرجال والنساء فرض في شرعنا؟
ـ هل التفرقة بين الرجال والنساء عبر تخصيص أماكن محدَّدة لكلٍّ منهما وتخصيص أماكن للعائلات دون حواجز قماشيَّة أو خشبيَّة أمر جائز شرعًا؟
ـ هل وضع هذه الحواجز القماشيَّة أو الخشبيَّة للتفرقة بين الرجال والنساء في الصلاة فرض في ديننا؟
وجزاكم الله عنا خيرًا.
مسلمو مونتريال
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الناظر في الهدي النبوي يرى أنَّ المرأة لم تكن في يوم من الأيام مسجونة، ولا معزولة عن المجتمع وما يجري فيه من أمور.
لقد كانت المرأة شريكة للرجل في مهامِّ الدعوة خطوة بخطوة، فضلًا عن كونها شريكة له في تكاليف الشرع وأوامر الدين، ولهذا رأيناها تشهد الجمعة والجماعة؛ بل وشاركت كذلك في الجهاد والقتال، فكانت في خدمة الجيش والمجاهدين، تقوم بما تقدر عليه، وما تحسن القيام به، بما لا يتناقض مع تكوينها الفطري، فرأيناها تقوم بتمريض المرضى، ورعاية الجرحى، بجوار ما كانت تقوم به من إطعامهم وسُقْياهم، وقد تشارك في القتال إذا اقتضى الأمر.
أمَّا أمر الصلاة والَّذي جاء في السؤال، فإنَّ إقامة الحواجز الَّتي عُرِفَتْ في وقتنا هذا لم تكن موجودة في عهد النبي ، ولا في عهد خلفائه الراشدين، ولا العصور الَّتي تلت عصورهم، ولم يكن يفصل بين الرجال والنساء في المسجد أي حاجز مادي: لا من حجر، ولا من خشب، ولا من قماش، ولا من غيرها؛ بل كان النساء يقصدن مسجد رسول الله للصلاة فيه، ولم يصدر من الرسول منع لهنَّ، إنَّما رأيناه يخصُّ الرجال بالصفوف الأولى، ويخصُّ النساء بالصفوف المتأخِّرة: «خيرُ صفوف الرجال أوُّلُها، وشرُّها آخرها، وخيرُ صفوف النساء آخرُها، وشرُّها أوَّلُها»(1).
ولمَّا كان أكثر الصحابة وقتها لا يعرفون السراويل، ولم يكن بينهم وبين النساء حائل، فقد أمرهنَّ النبيُّ بعدم التعجُّل في رفع رؤوسهنَّ، مخافة انكشاف عورة رجل من الرجال، كما في حديث سهل بن سعد، قال: رأيتُ الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم مثل الصبيان ـ من ضيق الأُزُر ـ خلف النبيِّ ، فقال قائل: يا معشرَ النِّساء، لا ترفعْنَ رؤوسكنَّ حتَّى يرفع الرجال(2).
كما أمر النبيُّ أصحابه ألَّا يتعجَّلوا في الانصراف من صلاتهم، حتَّى ينصرف النساء، وكان لا يلتفت إلى من خلفه حتى يقول ثلاثًا: «أستغفر الله»(3).
وكان الرجال والنساء يدخل جميعهم من أي باب من أبواب المسجد، فلمَّا أبصر النبيُّ تزاحمًا بين الرجال والنساء، قال: «لو تركنا هذا الباب للنساء»(4). وأصبح اليوم يعرف إلى يومنا هذا بـ«باب النساء».
وقد أثمر هذا الوجود النسائي في المساجد ثماره، وآتى أُكُلَه، حتَّى سمعنا من تقول: حفظتُ سورة (ق) من في رسول الله (5).
بل رأينا رسول الله يأمر بخروج النساء كلِّهن في أعياد المسلمين؛ حتَّى من عذرت شرعًا من الصلاة كالحائض والنفساء، فقالت أم عطيَّة: أمرنا رسولُ الله أن نُخْرِجَهنَّ في الفطر والأضحى: العواتق، والحيَّض(6)، فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخيرَ ودعوةَ المسلمين(7).
وما يسأل عنه الأخ السائل: هل هذه الحواجز القماشيَّة أو الخشبيَّة للتفرقة بين الرجال والنساء فرضٌ في شرعنا؟
فأقول: ليست بفرضٍ ولا بسُنَّة؛ ولكنَّها بدعة ابتدعها الَّذين يُسيئون الظنَّ بالمرأة، ولو كانت من الحريصات على الصلاة في المسجد، مستندين على قاعدة سدِّ الذرائع، وهذه القاعدة إذا تُوُسِّع فيها وبولغ في استعمالها: حَرمت المسلمين من خير كثير.
وأمَّا تخصيص أماكن للرجال وأخرى للنساء فلا مانع منه شرعًا، بل هو مطلوب، حتى لا تتماسّ أجساد الرجال والنساء، ولا داعي لوجود الحواجز بينهم، على أنِّي أرى أن يراعي إخواننا الذين يعيشون في دول الغرب ظروفهم وعلاقاتهم، حتى لا يُتَّهموا بالتخلُّف وبالنظرة الدونيِّة للمرأة؛ بل ربَّما اتُّهُم الإسلام نفسه بذلك.
ومن ذلك أن يدعوا الفرصة لأفراد العائلة الواحدة أن يتجمَّعوا في مكان واحد، ذكورهم وإناثهم. ولا حرج في ذلك شرعًا. والله أعلم.
← العودة لقسم 2- الصلاة