ليس كل جديد بدعة.. التحقيق فيما يُدَّعى أنه من بدع...

❓ ليس كل جديد بدعة.. التحقيق فيما يُدَّعى أنه من بدع يوم الجمعة

📅 2026-06-13 👁 1,007 مشاهدة

نص السؤال:

إنَّ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ـ ما في ذلك شك ـ وفيه فرضت الصلاة «جماعة» وقت الظهر. ولبيان هذا الفـضل، ورفع شأنه، وتخليد ذكره، سُمِّيت السورة الثانية والستُّون من القرآن باسمه (سورة الجمعة). كما ورد في السُّنَّة النبويَّة أحاديث كثيرة ـ في الصحيحين وغيرهما ـ تؤكِّد هذا الفـضل، وتُشيعه، وتُشيد به.
ولما ليوم الجمعة من فـضل، جنَّد إبليس اللعين جنده، ليوسوسوا للناس: عامَّتهم وخاصَّتهم، ويلبسوا عليهم أمورهم، ويزيِّنوا لهم وضع أشياء وعبادات، في مكان عبادات أخرى شرعت يوم الجمعة، وقد فعلوا ذلك عن غفلة؛ وبذلك قد دخلوا تحت مضمون الآية الكريمة الواردة في سورة الكهف (الآية: 104)(1).
وهل يجوز القول على سبيل الاستئناس: إذا كان يوم الجمعة أكثر الأيام تعرُّضًا للبدع، فإنَّ أكثر النَّاس تعرُّضًا للبلاء: الأنبياء والرسل؟
إنَّ البدع الَّتي أحدثها النَّاس يوم الجمعة، أصلها في الحقيقة عبادات، يتقرَّب بها إلى الله تعالى، ولا خلاف في ذلك! وما صارت بدعًا إلَّا لكونها وضعت في غير موضعها زمانًا ومكانًا. ومثال ذلك:
أولًا: قراءة القرآن الكريم بمكبِّر الصوت، الَّذي يضبط في آخر درجة القوَّة، وقد صار ـ وبهذه الصورة ـ من شعارات الجمعة، إن لم أقل من سننها، مع أنَّ رفع الصوت بالقراءة في المسجد غير جائز لوجود الضرر.
ثانيًا: درس الوعظ والإرشاد قبيل الخطبتين، فإنَّه ـ وإن كان عبادة، ومفيدًا ـ فإنَّه ليس بمشروع في هذا الوقت؛ إذ الوقت وقت نافـلة وتلاوة وذكر وصلاة على نبيِّ الرحمة. ثمَّ إنَّ السلف الصالح المشهود لهم بالفلاح والصلاح لم يفعلوه، مع وجود المقتضي لفعله، وهم من هم: أفقه بالحال، وأعرف بالمقال، فما يسعنا إلَّا الاقتداء بهم، واتباعهم فيما فعلوه، وفيما تركوه.
ثالثًا: بدع كثيرة، أحدثها النَّاس يوم الجمعة، ذكر بعضها العلامة ابن الحاج في كتابه(1). منها ما يوجد في كل المساجد على مستوى المعمورة بصفة عامة، ومنها ما يوجد في جُلِّها، ومنها ما يوجد في هذا، ولا يوجد في غيره. ولا يوجد مسجد سالم من البدع.
رابعًا: أمَّا البدعة الجديدة الَّتي أضيفت إلى هذه البدع بدون ترحيب؛ فقد انفردت بها الجزائر، وفي عاصمتها البيضاء ولدت، وأزعم أنَّ الَّذي يئدها لا يسأل وايم الله: بأيِّ ذنب قتلت، بل يُثاب يوم تجزى كل نفس بما كسبت، ويُسر يوم تبيضُّ وجوه، وتسودُّ وجوه، وهي عبارة عن خطبة ثالثة في شكل بلاغ، في صفحتين اثنتين من الحجم الكبير!
ذلك ما وقع بمسجد عبد الحميد بن باديس في بلدية الجزائر الوسطى بالعاصمة، يوم فاتح سبتمبر 1989م فقد وقع الإعلان عن هـذا البلاغ؛ الَّذي أسمِّيه خطبة ثالثة، بعد فراغ الواعظ من الدرس، حيث أخذ أحدهم مكبر الصوت، وتوجه إلى المصلين قائلًا: أيها المؤمنون، لا تنفـضوا بعد الصلاة، والزموا مواضعكم، فإنَّ بلاغًا سيلقى على مسامعكم! وفعلًا ألقي هذا البلاغ، وهو وإن كانت له قيمته، ليس هذا محله، وإنَّما محله:
ـ في غير هذا الوقت من يوم الجمعة.
ـ ومحله الطبيعي: الصحف، والمجلات، والندوات.
ـ وأيضًا: يسلَّم لأهل الشأن، الَّذين بيدهم الحل والعقد، كوزارتي: التعليم العالي، والتربية والتكوين مثلًا؛ يسلمه وفد يتكون من شخصيات بارزة.
هـذا، ولا يفوتني أن أؤكِّد: أنِّي مع مضمون البلاغ مائة في المائة، ولكن أعلن بقوة معارضتي للطريقة الَّتي تمَّ التبليغ بها، محافظةً على ما درج عليه السلف الصالح.
والذي يراجع سورة الجمعة يجد آية من آياتها، ترشد المصلين إلى الانصراف فور انقضاء الصلاة مباشرة، ولا يمكثون في المسجد، ولو للنافلة، ومن أراد الراتبة ففي بيته!
كما لا يفوتني أيضًا القول: إنَّ الغالب على ظنِّي، أنَّ ما وقع كان عن غفلة. والعلماء يؤتون من هذا الباب، وجَلَّ من لا يخطئ.
ألا توافقونني أنَّ هذه بدعة تستوجب المقارنة والإنكار؟!
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ليست البدعة يا أخي كلَّ ما استحدث بعد رسول الله بإطلاق، فقد استحدث المسلمون أشياءً كثيرة لم تكن في عهده ، ولم تُعدّ بدعة، مثل استحداث عثمان أذانًا آخر يوم الجمعة بالزوراء لمَّا كثر الناس، واتَّسعت المدينة(3).
ومثل استحداثهم العلوم المختلفة وتدريسها في المساجد، مثل: علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم النحو والصرف، وعلوم اللغة والبلاغة، وكلها علوم لم تكن على عهد النبيِّ ، وإنَّما اقتضاها التطور، وفرضتها الحاجة، ولم تخرج عن مقاصد الشريعة، بل هي لخدمتها وتدور حول محورها.
فما كان من الأعمال في إطار مقاصد الشريعة، لا يُعدُّ في البدعة المذمومة، وإن كانت صورته الجزئيَّة لم تعهد في عهد النبوة؛ إذ لم تكن الحاجة إليه قائمة.
ومن ذلك: إلقاء بيان أو بلاغ للناس في قضية تهمُّهم بعد الفراغ من صلاة الجمعة، كما كان يفعل الإخوة في مساجد غزة وغيرها من مدن فلسطين في بداية حركة الانتفاضة الإسلاميَّة، حيث كانت بلاغاتهم وبياناتهم ونداءاتهم تنطلق من بيوت الله، وتنادي بها المآذن، ولهذا سُمِّيت في أوَّل الأمر: ثورة المساجد.
والمسجد هو محور النشاط في الحياة الإسلاميَّة، وقد كان في عهد النبوة دار الدعوة ومركز الدولة، كما بيَّنت ذلك في كتابي «العبادة في الإسلام». فيه تُلقى الدروس والمواعظ، ومنه تنطلق كتائب الجهاد، وفيه يلقى الرسول الوفود والسفراء، وفيه يعلن النكاح، بل فيه يلعب الحبشة بحرابهم، ويؤدون رقصاتهم المعروفة في يوم من أيام الأعياد، والرسول يشجعهم، ويساعد زوجه عائشة حتَّى تنظر إليهم.
فلم لا يكون المسجد موضوعًا لإلقاء البلاغات الإسلاميَّة، الَّتي لا ينكر الأخ السائل شيئًا من مضمونها، بل يقول: إنَّه مع المضمون مائة في المائة؟!
وما المانع من إلقاء درس في المسجد بعد الجمعة، لشرح بعض ما جاء في الخطبة ممَّا لم يتَّسع له وقتها وهو محدود، أو للإجابة عن بعض الأسئلة الَّتي تعنُّ لبعض المصلِّين في أمور الدِّين والحياة؟
وأنا شخصيًّا ممَّن اتخذ هذا المنهج من قديم، منذ كنتُ أخطب الجمعة في جامع الزمالك بالقاهرة في الخمسينيَّات، فبعد صلاة الجمعة وركعتي السُّنَّة، أعقد حلقة للإجابة عن الأسئلة حول الخطبة أو غيرها، وكانت حلقة نافعة، شعر النَّاس بالاستفادة منها، وحرصوا عليها.
ولا زلت أفعل ذلك ما بين حين وآخر في المسجد الَّذي أصلِّي فيه بالدوحة، كلَّما اتسع لي الوقت، وساعدت الصحَّة والظروف.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. يدل على أنَّ الانتشار وابتغاء الكسب بعد الصلاة أمر جائز ومباح، وليس واجبًا؛ إذ الرأي الصحيح أنَّ الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة ولا يقتضي الوجوب، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟﴾ [المائدة: 2]. وقوله عن النساء في المحيض: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 222].
وهنا كذلك، فقد حرَّم الله البيع وما في حكمه من ابتغاء الكسب عند النداء ليوم الجمعة، فإذا قضيت الصلاة رفع الحظر، وعاد الأمر كما كان.
والحديث الَّذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسول الله نهى عن تناشد الأشعار في المساجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلَّق النَّاس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة(4). ذكروا فيه أنَّ التقييد بـ «قبل الصلاة» يدلُّ على جوازه بعدها للعلم والذِّكر.
وكذلك الدرس قبل الجمعة، قد تدعو إليه الحاجة، أو توجبه المصلحة المتوخاة من ورائه.
ومن ذلك: أنَّ كثيرًا من البلاد غير العربية يخطبون الجمعة فيها باللغة العربية، وجمهور الحاضرين ـ وإن لم يكن كلهم ـ لا يعرفون العربية، فلا يستفيدون من الخطبة شيئًا يذكر، ولهذا تكون في العادة قصيرة موجزة.
ومن ثمَّ يكملون هذا النقص بدرس باللغة المحلية، قبل الجمعة، يحضره من لا عذر لديه ممَّن يريد أن يتفقه في دينه.
وقريب من هذا ما يحدث في الجزائر وبعض البلاد في المغرب وإفريقيا، حيث كثير من الخطباء الرسميين لا ينقعون الغلة بخطبهم، ولا ينتظر النَّاس بعد الصلاة فكان درس الجمعة عوضًا عن ضعف الخطبة، وخصوصًا إذا كان من يلقي الدرس ممَّن لا يستطيع أن يؤدي الخطبة؛ لأنَّه غير مستوطن أو نحو ذلك.
طبيعي أنَّ هذا ليس هو الوضع الأمثل، والواجب أن تكون الخطبة كافية شافية، ولكن هذا هو الواقع، وكثيرًا ما نضطر عن النزول من المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى، والإسلام يجيز ذلك وفقًا لقاعدة الضرورات وأحكامها.
بقي الحديث الَّذي ذكرناه عن عمرو بن شعيب، والخلاف فيه معروف، ومع تسليمنا بحسنه كما ذكر الترمذي، فهو لا يدل على أكثر من الكراهة، والكراهة تزول بأدنى حاجة أو مصلحة.
قال الترمذي: وقد كره قوم من أهـل العلم البيع والشراء في المسجد، وبه يقول أحمد وإسحاق(5).
وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين الرخصة في البيع والشراء في المسجد، وقد روي عن النبيِّ في غير حديث رخصة إنشاد الشعر في المسجد(6).
على أنَّهم بيَّنوا العلَّة في النهي عن التحلق قبل الصلاة، فذكر صاحب «تحفة الأحوذي» أنَّه ربَّما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراصِّ في الصفوف، الأوَّل فالأول، ولأنَّه يخالف هيئة اجتماع المصلين(7).
وكذلك ذكر الإمام ابن العربي في «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي»: أنَّه إنَّما نهى عن التحلُّق يوم الجمعة؛ لأنَّهم ينبغي لهم أن يكونوا صفوفًا يستقبلون الإمام في الخطبة، ويعتدلون خلفه في الصلاة(8) اهـ . أي والتحلُّق ينافي هذا؛ لأنَّهم يكونون دوائر متعدِّدة، غير متجهة إلى القبلة، ولا متراصَّة تراصَّ صفوف الصلاة، وهذا غير وضع المصلِّين، وهم مصطفُّون مستقبلو القبلة، متهيِّئون للصلاة عندما يحين وقتها.
وأخذ العلماء من النهي عن التحلق قبل الجمعة، أنَّ التحلق بعدها مشروع ولا حرج فيه، كما نبَّه على ذلك الإمام الخطابي(9).
والله الموفِّق والهادي إلى الصواب.
← العودة لقسم 2- الصلاة