2026-06-13
915
لماذا شرعت صلاتا الظهر والعصر سرًّا؟
لماذا شُرعت صلاة الظهر والعصر سِرًّا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأصل في العبادات هو التعبُّد، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد والعلل، فالله إذا أمرنا بأمر علينا السمع والطاعة، أن نقول: سمعنا وأطعنا؛ لأنَّ العبادات لا تُعقل حكمتها على وجه التفصيل؛ فالأصل فيها الابتلاء والاختبار، أنسمع ونطيع أم لا؟ ولو كان كل ما يُؤمر به الإنسان يُعرَّف علَّته ومعناه بالتفصيل، لكان الإنسان في هذه الحالة مطيعًا لعقله، لا مطيعًا لربِّه.
ومع هذا فإنَّ الإنسان قد يصل بالتأمُّل إلى شيء من الحِكم والأسرار الَّتي اشتملت عليها العبادات، ومن ذلك أنَّ الله 4 جعل القصد من الصلاة ربط الإنسان بربِّه، أن يتذكَّر الله دائمًا، أن يكون على موعد مع الله، كما جاء في القرآن: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ [طه: 14]. أي لتذكرني دائمًا، فكلَّما شغلتِ الإنسان الشواغل، وكلَّما غرق في لُجَّة الحياة، وكلَّما أنهكه العمل، ونسي ما عليه لربِّه، جاءت الصلاة فذكَّرته بالله؛ أذن المؤذن فانتشله من دنياه، يستريح قليلًا من الدنيا وهمومها وشواغلها، ليقبل على ربه، يبثُّه همومه، ويتذكَّر وقوفه بين يديه، ويغسل عن نفسه وروحه ما علق بها من أدران وذنوب، كما قال 4 : ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ [هود: 114]. وكما قال ﷺ : «أرأيتُم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلَّ يوم خمس مرَّات، هل يبقى من درنه شيء؟». قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا»(1).
يترك كل شيء في يديه، ويذهب يقف بين يَدَيِ الله في الصلاة، فهذا هو القصد من الصلاة.
أيضًا الصلاة نوَّع الله فيها تنويعًا، حتَّى يوقظ القلب دائمًا؛ لأنَّ القلب يحتاج إلى أنواع من الإيقاظ، أحيانًا يوقظه الجهر، وأحيانًا يوقظه الإسرار، فلهذا تنوَّعت الصلاة بين سريَّة وجهريَّة، فجعل بعضها سرًّا، وبعضها جهرًا، فلعل الَّذي لا يوقظه الجهر يوقظه الإسرار، أو العكس، فهي بنوعيها: السريَّة والجهريَّة، تتعاون على إيقاظ القلب الإنساني، وربطه بالله 4 .
كما نوَّع الله الصلاة من حيث الزمن، فجعل صلاة في الليل، وصلاة في النهار، وكما نوَّعها من حيث الكيفية نفسها؛ لأنَّ الصلاة ليست فقط مجرَّد دعاء، كما في بعض الأديان، لا، الصلاة الإسلاميَّة فيها قيام وقعود، وركوع وسجود، فيها التكبير والتسبيح والتهليل، وفيها الدعاء وقراءة قرآن، الجسم يعمل فيها، والعقل يعمل فيها، واللسان يعمل فيها، والقلب يعمل فيها، الكيان الإنساني كله يعمل في الصلاة، يعمل فيها اللسان ذاكرًا مسبِّحًا، ويعمل فيها الجسم متحرِّكًا قائمًا قاعدًا، ويعمل فيها القلب مخلصًا خاشعًا، يعمل فيها العقل متدبِّرًا متأمِّلًا! وهذه الصلاة الَّتي جمعت كل أنواع التعظيم لله 8 ، لها شروط ليست عند أي دين من الأديان: ألَّا تقوم للصلاة إلَّا متطهِّرًا: طاهر الثوب، طاهر البدن، طاهر المكان، طاهرًا من الحدث الأكبر إذا أصابتك جنابة، ومن الحدث الأصغر إذا انتقض وضوؤك، تقوم متطهِّرًا متوضِّئًا تقف بين يدي الله، آخذًا زينتك، ساترًا عورتك، متجرِّدًا بقلبك لله، مستقبلًا الكعبة، مراعيًا الوقت، حتَّى لا تكون من ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]. فهذا نوع من التنويع في الصلاة.
هذا ما يلوح للإنسان من الحكمة من تنويع الصلاة بين سريَّة وجهريَّة إجمالًا، ولكنَّ الحكمة التفصيلية عِلمُها عند الله عز وجل.
(1) متَّفَق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (528)، ومسلم في المساجد (667)، عن أبي هريرة.