2026-06-13
955
زكاة السنوات الماضية
نحن أسرة منَّ الله تعالى عليها بسعة الرزق، وأفاض عليها من فضله، فلنا في داخل بلدنا شركات كثيرة، كلها تنتج وتربح وتدرُّ علينا دخولًا كبيرة، ونحمد الله على ذلك، ونحن نخرج الزكاة في كلِّ عامٍ عن هذه الأموال، أداءً للواجب، وشكرًا لنعمة الله علينا.
ولنا أموال في خارج بلدنا ليست بالقليلة أيضًا، نكسب من ورائها كلَّ عامٍ ما قدره الله لنا من فوائض فضله. ولكنَّنا أخيرًا اكتشفنا أنَّ هذه الأموال الَّتي في الخارج لم تخرج زكاتها لسنين طويلة، غفلة منَّا وسهوًا، ويمكننا أن نحسبها من خلال الميزانيات والكشوف الَّتي تصدر كل عام. فما هو الواجب عمله إزاء هذه الزكاة، وهل يجب أن نخرجها في الحال، وهي مبالغ كبيرة تكوّن ملايين؟
أفتونا ونوِّروا طريقنا مشكورين مأجورين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فشكر الله للأخ السائل حرصه على أداء واجبه نحو ربه، بإخراج زكاته، تزكيةً لنفسه، وتطهيرًا لماله، وسعيًا إلى إرضاء خالقه عز وجل.
ولا ريب أنَّ الزكاة هي حقُّ الله تعالى في المال، كما أنَّها حقُّ الفقراء والمساكين وسائر المستحقِّين، قرَّرها الله تعالى لهم، وأوجب صرفها إليهم(1).
وهذا الحقُّ ثابتٌ ومؤكَّد، ولا يسقط بمضيِّ الزمن أو بالتقادم كما في القوانين الوضعيَّة، ولا بفقر صاحب المال، إذا فرض أنَّه افتقر بعد وجوبه عليه، ولا بموته إذا مات. ولا يملك أحد إسقاط هذا الحقِّ، لا حاكم ولا محكوم.
ولا يملك الفقراء والمستحقُّون للزكاة أن يقولوا للأغنياء: نحن أسقطنا حقوقنا عندكم، ولا نريد منكم زكاة، لأنَّ الَّذي أحقَّ هذا الحقَّ وفرضه هو الله ربُّ العالمين، وجعله ركنًا من أركان الإسلام، فلا يملك مخلوق أن يسقطه.
والواجب على السائل: أن يخرج زكاة كلَّ سنة حسَب الميزانيات والكشوف ما دامت صحيحة ومطابقة للواقع، ويحسم زكاة كلِّ سنة من السَّنَة الَّتي بعدها. أي لو كان عنده مليون، وأخرج زكاته وهي: 25000 خمسة وعشرون ألفًا، فهذا المبلغ يقتطع من السنة الَّتي بعدها، وهكذا، وإن كان مبلغ الـ (2.5 %) لا يؤثِّر كثيرًا، ولكن هذا هو الواجب.
أمَّا الواجب عمله إزاء أموال الزكاة فالأصل فيها أن تصرف في الحال(2)، لأنَّها وجبت لتسد حاجات ناجزة، فلا يجوز تأخيرها، ولأنَّ الأصل في امتثال الأمر هو الفورية، وخصوصًا أنَّ الله تعالى أمرنا بالمسارعة والمسابقة في فعل الخير، كما قال تعالى: ﴿فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾[البقرة: 148]، وقال: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ﴾[آل عمران: 133]، وقال تعالى:﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾[الحديد: 21].
ولكن يجوز تأخير الزكاة ـ بعد عزلها عن مال المالك ـ تأخيرًا محدودًا لمصلحة الفقير والمستحقِّ(3)، كما إذا قرَّر صاحب الزكاة أن يدفعها للفقير في صورة معوناتٍ شهريَّةٍ دوريَّة، أشبه بالمعاش أو الراتب؛ خشية من أن يعطي الفقير زكاة السنة مرَّة واحدة، فينفقها في أيام وأسابيع، ويظل محتاجًا مادًّا يده إلى النَّاس طوال العام.
ولهذا لا مانع أن يفكِّر الأخ وأسرته في عمل مشروعات للفقراء والمستحقِّين، ولا سيَّما في بلاد المسلمين الفقيرة والمهددة بالغزو التنصيري وغيره، فتنشأ لهم المدارس أو الكليَّات الَّتي تخرجهم من الأُمِّيَّة، وتلحقهم بركب العصر، أو المستشفيات الَّتي تعالجهم من أمراضهم، أو دور الأيتام الَّتي تكفَل من مات آباؤهم. وقد تنشئ لهم مصانع يملكونها بالاشتراك، فتنقلهم من مُعدَمين إلى ملَّاك، كما هو رأي الإمام الشافعيِّ 3 ، الَّذي يرى وجوب إغناء الفقراء بالزكاة(4)، وعملًا بقول عمر 3 : إذا أعطيتم فأغنوا(5).
وبالله التوفيق.
(1) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾ [التوبة: 60].
(2) البناية في شرح الهداية (3/294)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1420هـ ـ 2000م، ومنهاج الطالبين وعمدة المفتين صـ 72، تحقيق عوض قاسم عوض، نشر دار الفكر، بيروت، ط 1، 1425هـ ـ 2005م، والمغني (2/510).
(3) مواهب الجليل في شرح مختصر الخليل (2/357).
(4) انظر: مغني المحتاج (4/185).
(5) رواه عبد الرزاق (7286)، وابن أبي شيبة (10526)، كلاهما في الزكاة، وضعفه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (83).