2026-06-13
1,055
تغطية العَجْز في زكاة الفطر من النذور والكفَّارات، وما جُمع لتقديمه أضاحيَّ، وتعذُّر تقديمه، وتعليب لحوم العقيقة
كما تعلمون فضيلة الشيخ حفظكم الله أنَّ العمل الخيري حدثت فيه متغيِّرات كثيرة خلال الآونة الأخيرة، خصوصًا ما يخصُّ تدبير التمويل للمشاريع الخيريَّة الإنسانيَّة، لذلك ـ ومن باب حرصنا على أن تتمَّ الاستفادة المُثلى من أموال أهل الخير، والَّتي توجَّه لإخوانهم الفقراء في شتَّى أنحاء العالم - نرجو من فضيلتكم التكرُّم وفَّقكم الله لإجابتنا على بعض الاستفسارات الآتية:
1 ـ من أجل تنفيذ مشروع زكاة الفطر، تقوم جمعية قطر الخيريَّة باعتماد مبالغ محدَّدة، لتوزيعها على المستحقِّين في العديد من البلدان قبل تحصيل هذه الأموال من المزكِّين؛ بناء على إحصائيَّات مستمدَّة من السنوات السابقة، وذلك من أجل سرعة الإعداد والتنفيذ في الوقت المحدَّد، إلَّا أنَّه خلال السنة الحالية تمَّ صرف أموال زكاة الفطر على المستحقِّين بمبالغ أكثر ممَّا جرى تحصيله فيما بعد، مما سبَّب عجزًا ماليًّا للجمعيَّة، فهل يجوز تغطية هذا العجز من أموال البنود التالية: النذور، وكفارات الصيام، وكفَّارات اليمين، والتي يتوفَّر لدى الجمعية رصيد ماليٌّ منها حاليًّا؟
2 ـ قامت قطر الخيرية مؤخَّرا بعمل تدقيق مالي على جميع الأرصدة المالية المتوفِّرة لديها، وتبيَّن خلال الرصد توفُّر أرصدة مالية عبارة عن مبالغ متراكمة تخصُّ أضاحيّ من سنوات سابقة، فهل يلزم أن تنفق هذه المبالغ في الأضاحيَّ؟ أم يجوزُ إنفاقها في أيِّ وقت حسَب الحاجة في بعض البلدان؟
3 ـ تقوم قطر الخيريَّة بتعليب لحوم الأضاحي لتوزيعها على المستفيدين في بعض البلدان، حسَب الحاجة ولظروف خاصَّة أيضًا؟ فهل يمكن تعليب لحوم العقائق مثلها مثل الأضاحي؟
وأخيرا نـدعو الله الكريم أن يجعلكم ذخرًا لهذه الأُمَّة، ويُسبل عليكم من نِعمه الظاهرة والباطنة، وأن يحفظكم ويطيل في عمركم.
وتفضلوا بقَبول فائق التقدير والاحترام،
عبد الله بن حسين النعمة
نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
1 ـ جوابًا عن سؤالكم الأوَّل حول تغطية عَجْز الجمعيَّة بسبب الأموال الَّتي دفعتها لزكاة الفطر أكثر ممَّا جمعته بالفعل، بحيث تغطِّي هذا العجز من أموال النذور وكفَّارات الصيام وكفَّارات اليمين، مما يتوفَّر لدي الجمعية رصيد منها نقول:
يجوز للجمعيَّة أن تُغَطِّي العَجْز الَّذي تشكو منه من فائض الأموال المذكورة، على اعتبار أنَّ الجمعيَّة أصبحت بمثابة بيت المال، أو هي نائبة عنه، وهو الَّذي تُجمع فيه حصائل هذه الأموال المختلفة، بشرط أن يوضع كلُّ مال منها في مصرفه؛ فما كان في مصرف الفقراء والمساكين، يجب أن يُصرف للفقراء والمساكين، وما كان يُصرف لسبيل الله، أي لإعلاء كلمة الإسلام، ومصلحة الأُمَّة، ونَشْر الدعوة؛ يجب أن يُصرف لها.
وبما أنَّ زكاة الفطر تُدفع أساسًا للمساكين، كما جاء في حديث ابن عبَّاس ^: أنَّ النبيَّ ﷺ فرضها طُهرة للصائم من اللغو والرَّفث وطُعمة للمساكين(1). فهي تتَّفق مع كفَّارات الصيام، وهي إطعام مسكين عن كلِّ يوم، وكفَّارة اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين، فلا مانع من أخذ بعضها من بعض، فإنَّ مصرفها واحد، وليس هناك مساكين معيَّنون لأيِّ واحدة منها، بل كلُّ مَن يصلح مصرفًا لهذه يصلح مصرفًا لتلك.
2 ـ وأمَّا الإجابة عن السؤال الثاني، وهو ما يتعلَّق بتوافر مبالغ متراكمة ومتباينة، تخصُّ أضاحي من سنوات سابقة، فهذه لا شكَّ في مسؤوليَّة الجمعيَّة عن تقصيرها في عدم تنفيذها في وقتها، فالفرد المسلم يوكِّلها في الأضحيَّة عنه في عيد سنة كذا، ويدفع لها المبلغ الذي تحدِّده، وهو مطمئنٌّ إلى أنَّها ستقوم بالواجب نيابة عنه، كما تعلن هي ذلك وتؤكِّده، ثم يمرُّ العيد، ومبالغ الموكِّلين عندها! هذا غير جائز شرعًا.
والمفروض في الجمعيَّة: ألاَّ تأخذ من النَّاس إلَّا ما تستطيع تنفيذه، وما تعجز عنه تعتذر عن عدم قَبوله، ولا عيب في ذلك ولا حرج. أمَّا الحرج فهو أن تَعِدَ الناس وتُخلفهم، ويأتمنونك فلا تؤدِّي ما ائتمنوك عليه. ولو تكرَّر ذلك وعلم الناس به سيسحبون الثقة منك.
ولا يجوز أن تنفق هذه الأموال إلَّا فيما خُصِّصَتْ له، وليس للجمعيَّة أن تصرفها في غيره، وهي قادرة على صرفها في مصرفها، فهي أموال أضاحيّ، فيجب أن تُصرف في الأضاحي، وإذا لم تُصرف في حينها، فالجمعيَّة تتحمَّل إثم تأخيرها، ولكن تُصرف في أوَّل فرصة في الأضاحي.
3 ـ وبالنسبة للسؤال الثالث، يجوز أن تُعامل العقائق كما تُعامل الأضاحي، فتُعَلَّب لحومها، لتُوَزَّع على المستفيدين منها في البلدان المختلفة حَسَب الحاجة، ووَفْق المصلحة.
وما أمكن ذبحُه وإطعام النَّاس منه في الحال على أنَّه عقيقة أو أضحيَّة، فهذا هو الأصل. وإنَّما نخرج عن الأصل، لظروف توجب ذلك، قال الله تعالى:﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ﴾[الحج: 78].
وفَّقكم الله، وسدَّد خطاكم، وأجرى الخير على أيديكم.
(1) رواه أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، والحاكم (1/568)، وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، ثلاثتهم في الزكاة، والدارقطني في زكاة الفطر (3/61)، وقال: ليس فيهم مجروح. وحسن إسناده النووي في المجموع (6/126).