مقدار ما يصرف لمستحق الزكاة

❓ مقدار ما يصرف لمستحق الزكاة

📅 2026-06-13 👁 1,025 مشاهدة

نص السؤال:

ما القدر الَّذي يمكن صرفه للفقير والمسكين وغيرهما من المنصوص عليهم في آية مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ[التوبة: 60]، من خلال الأقوال المعتمدة من مذاهب الأئمَّة الأربعة؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
تعرَّض الإمام أبو حامد الغزالي لهذه المسألة في «الإحياء» وهو يتحدَّث عن أدب الآخذ للزكاة والصدقة، وما يجب عليه من الوظائف إزاءها؛ فقال: «ومذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة، فمن مبالغ في التقليل إلى حدٍّ أوجب الاقتصار على قدر قوت يومه وليلته.
وقال آخرون: يأخذ إلى حدِّ الغنى، وحدُّ الغنى: نصاب الزكاة؛ إذ لم يوجب الله تعالى الزكاة إلَّا على الأغنياء؛ فقالوا: له أن يأخذ لنفسه ولكلِّ واحدٍ من عياله نصاب زكاة.
وقال آخرون: حدُّ الغنى خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب.
وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا: له أن يأخذ مقدار ما يشتري به ضيعة فيستغني بها طول عمره، أو يهيئ بضاعة ليتّجر بها، ويستغني بها طول عمره، لأنَّ هذا هو الغنى، وقد قال عمر 3 : إذا أعطيتم فأغنوا(1).
حتَّى ذهب قوم إلى أنَّ من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله، ولو عشرة آلاف درهم، إلَّا إذا خرج عن حدِّ الاعتدال.
فأما التقليل إلى قوت اليوم والليلة، فذلك ورد في كراهية السؤال والتردُّد على الأبواب، وذلك مستنكر. وله حكم آخر، بل التجويز إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها أقرب إلى الاحتمال، وهو أيضًا مائل إلى الإسراف. والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة، فما وراءه فيه خطر، وفيما دونه تضييق(2).
والذي يعنينا التعقيب عليه من هذه المذاهب الَّتي ذكرها الغزالي ثلاثة:
مذهب من يعطي الفقير نصاب زكاة:
أحدها: مذهب من يجوِّز أن يُصرف للمحتاج ولكلِّ واحد من عياله، نصاب زكاة، أو دونه بقليل، وهو مذهب أبي حنيفة.
ومعنى هذا أنَّ الأسرة المكونة من الأبويين، وثلاثة أولاد تُعطى قدر خمسة أنصبة من النصاب النقدي للزكاة.
فإذا قدّرنا النصاب في عصرنا بما يساوي قيمة (85) جرامًا من الذهب، وكان جرام الذهب يساوي مائة عشرين (120) جنيهًا، أي نحو أحد عشر ألفًا ومائتي جنيه (11200) جنيه مصري، كان مقدار ما يُعطى لهذه الأسرة المحتاجة ستة وخمسين ألفًا (56000) جنيه، وهو مبلغ تستطيع أن تقف به على أرض صُلبة، ويمكن أن يكون أساسًا لعمل، يكفيها ما يأتي من دخله. فإذا زاد عدد أفراد الأسرة زاد مقدار ما تستحقُّه.
مذهب من يعطي الفقير كفاية السنة:
والثاني: مذهب المالكيَّة وجمهور الحنابلة وبعض الشافعيَّة: وهو أن يأخذ المحتاج ما يتمُّ كفايته من وقت أخذه إلى سنة. وهو الَّذي رجّحه الإمام الغزالي(3).
من حيث إنَّ السَّنَة إذا تكرَّرت، تكرّرت أسباب الدخل، ومن حيث إنَّ النبيّ ادّخر لعياله قوت سنة(4). ويرى القائلون بهذا المذهب: أنَّ كفاية السنة ليس لها حدٌّ معلوم لا تتعدّاه من الدراهم أو الدنانير، بل يصرف للمستحقِّ كفاية سنته بالغة ما بلغت. فإذا كانت كفاية السنة لا تتمُّ إلَّا بإعطاء الفقير الواحد أكثر من نصاب من نقد، أو حرث، أو ماشية، أُعطي من الزكاة ذلك القدر وإن صار به غنيًّا؛ لأنَّه حين الدفع إليه كان فقيرًا مستحقًّا(5).
الزواج من تمام الكفاية:
وأحبُّ أن ألقي مزيدًا من الضوء على مفهوم «الكفاية» المطلوب تحقيقها وإتمامها للفقير والمسكين، كما يتصوَّرها الاقتصاد الإسلامي. فمن الرائع حقًّا أن يلتفت علماء الإسلام إلى أنَّ الطعام والشراب واللباس ليست هي حاجات الإنسان فحسب، بل في الإنسان دوافع أو غرائز أخرى تدعوه وتلحُّ عليه، وتطالبه بحقِّها من الإشباع، ومن ذلك غريزة النوع أو الجنس، الَّتي جعلها الله سوطًا يسوق الإنسان إلى تحقيق الإرادة الإلٰهية في عمارة الأرض، وبقاء هذا النوع الإنساني فيها إلى ما شاء الله. والإسلام لا يصادر هذه الغريزة، وإنَّما ينظِّمها، ويضع الحدود لسيرها وفق أمر الله تعالى.
وإذا كان الإسلام قد نهى عن التبتُّل والاختصاء، وكلِّ لون من ألوان مصادرة الغريزة، وأمر بالزواج كلّ قادر عليه مستطيع لمؤنته: «من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج»(6)، فلا غرو أن يشرع معونة الراغبين في الزواج، ممّن عجزوا عن تكاليفه الماديَّة، من المهر، وإعداد بيت الزوجية ونحوه، ولا عجب إذا قال العلماء: إنَّ من تمام الكفاية؛ ما يأخذه الفقير ليتزوّج به؛ إذا لم تكن له زوجة واحتاج للنكاح(7). وقد أمر عمر بن عبد العزيز من ينادى في النَّاس كلّ يوم: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين الناكحون(8)؟ أي الَّذين يريدون الزواج، وذلك ليقضي حاجة كلّ طائفة منهم من بيت مال المسلمين.
والأصل في هذا ما رواه أبو هريرة، أنَّ النبيَّ  ، جاءه رجل فقال: إنِّي تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: «على كم تزوّجتها؟». قال: على أربع أواق (4 × 40 = 160 درهمًا). فقال النبيُّ  : «على أربع أواقٍ! كأنَّما تنحتون الفضَّة من عُرض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك، ولكنْ عسى أن نبعثك في بعثٍ تصيب فيه»(9). والحديث دليل على أنَّ إعطاء النبيِّ لهم في مثل هذه الحال كان معروفًا لهم، ولهذا قال له: «ما عندنا ما نعطيك». ومع هذا حاول علاج حاجته بوسيلة أخرى.
كتب العلم من الكفاية:
والإسلام دين يكرِّم العقل، ويدعو إلى العلم، ويرفع من مكانة العلماء، ويعدُّ العلم مفتاح الإيمان، ودليل العمل، ولا يعتدُّ بإيمان المقلِّد، ولا بعبادة الجاهل. ويقول القرآن في صراحة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[الزُّمر: 9]. ويقول الرسول : «طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم»(10).
وليس العلم المطلوب محصورًا في علم الدين وحده، بل كلُّ علم نافع يحتاج إليه المسلمون في دنياهم، لصحَّة أبدانهم، وتنمية اقتصادهم وعمرانهم، وتمكينهم من التفوُّق العسكري والعلمي والمالي على عدوهم، ونحو ذلك من الأغراض، فإنَّه فرض كفاية. كما قرَّر المحقِّقون من العلماء.
فلا عجب أن رأينا فقهاء الإسلام يقرِّرون في أحكام الزكاة: أن يُعطى منها المتفرِّغ للعلم، على حين يُحرم منها المتفرِّغ للعبادة. ذلك أنَّ العبادة في الإسلام لا تحتاج إلى تفرُّغ، كما يحتاج العلم والتخصُّص فيه. كما أنَّ عبادة المتعبِّد لنفسه، أما علم المتعلِّم فله ولسائر الناس(11).
ولم يكتفِ الإسلام بذلك، بل قال فقهاؤه: يجوز للفقير الأخذ من الزكاة لشراء كتب يحتاج إليها من كتب العلم، الَّتي لا بدَّ منها لمصلحة دينه ودنياه(12).
مذهب من يعطي الفقير كفاية العمر:
والمذهب الثالث: مذهب من يعطي الفقير والمسكين «كفاية العمر» الغالب لأمثاله، وهذا هو الَّذي نصَّ عليه الشافعي في «الأم»، واختاره جمٌّ غفير من أصحابه.
ومعنى هذا: أن يُعطى ما يستأصل شأفة فقره، ويقضي على أسباب عوزه وفاقته، ويكفيه طول عمره كفاية تامَّة؛ بحيث لا يحتاج إلى طلب المساعدة من الزكاة مرَّة أخرى، ما لم تطرأ عليه ظروف غير عادية.
يقول الإمام النووي في «المجموع» في قدر المصروف إلى الفقير والمسكين: «قال أصحابنا العراقيُّون وكثيرون من الخراسانيِّين: يُعطَيان ما يخرجهما من الحاجة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. وهذا هو نصُّ الشافعي 5 . واستدلَّ له الأصحاب بحديث قَبِيصة بن المُخَارِق الهلالي 3 ، أنَّ رسول الله قال: «لا تحلُّ المسألة إلَّا لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمَّل حمالةً فحلَّت له المسألة حتَّى يصيبها ثمَّ يُمسك، ورجلٍ أصابته جائحة، اجتاحت ماله، فحلَّت له المسألة حتَّى يُصيب قِوامًا من عيش ـ أو قال: سِدادًا من عيش ـ ورجل أصابته فاقة حتَّى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: قد أصابت فلانًا فاقة، فحلَّت له المسألة حتَّى يصيب قِوامًا من عيش ـ أو قال: سِدادًا من عيش ـ فما سواهنَّ من المسألة ـ يا قَبِيصة ـ سحتٌ يأكلها صاحبُها»(13).
فأجاز رسول الله المسألة حتَّى يصيب ما يسدُّ حاجته، فدلَّ على ما ذكرناه»(14).
أيَّ المذاهب نختار؟
وبعد عرض هذه المذاهب: أرجِّح هنا ما رجَّحه الإمام أبو سليمان الخطَّابي حيث قال في «معالم السنن» في شرح حديث قَبِيصة الَّذي فيه إباحة المسألة لذي الجائحة وذي الفاقة، حتَّى يصيب قِوامًا من عيش، أو سِدادًا من عيش، فقد استدلَّ بالحديث على أنَّ «الحدَّ الَّذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة، والكفاية الَّتي بها قوام العيش وسداد الخلَّة. وذلك يعتبر في كلِّ إنسان بقدر حاله ومعيشته، وليس فيه حدٌّ معلوم يُحمل عليه النَّاس كلُّهم مع اختلاف أحوالهم»(15).
أمَّا هل تكون الكفاية كفاية العمر أو كفاية السَّنَة؟ فالذي أختاره ما أشار إليه في غاية المنتهى وشرحه: أنَّ ذلك يختلف باختلاف نوع الفقير والمسكين، وإن شئت قلت: باختلاف سبب الفقر والمسكنة، وذلك أنَّ الفقراء والمساكين نوعان:
1 ـ نوع سبب فقره ومسكنته: البطالة أو الإفلاس أو نحو ذلك، ممَّا لا يرجع إلى عجزٍ بدنيٍّ أو عقليٍّ يعوقه عن الكسب، فهذا يستطيع ـ إذا تهيّأت له الأسباب المساعدة ـ أن يعمل ويكسب ويكفي نفسه بنفسه، كالصانع والتاجر والزارع ولكن ينقصه أدوات الصنعة، أو رأس المال، أو الضيعة وآلات الحرث والسقي.. فالواجب لمثل هذا أن يُعطى من الزكاة ما يمكِّنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرَّة أخرى، بشراء ما يلزمه لمزاولة حِرفته أو تجارته وتمليكه إياه، استقلالًا أو اشتراكًا، على قدر ما تسمح به حصيلة الزكاة، بحيث يكون له دخل منتظم تتمُّ به كفايته وكفاية من يعول، من غير إسراف ولا تقتير. وبهذا ينتقل من آخذٍ للزكاة إلى معطٍ للزكاة، ومن يدٍ سفلى إلى عليا، ويصبح قوَّة منتجة في المجتمع.
والنوع الآخر: عاجز عن الكسب، كالزّمِن والأعمى والشيخ الهرم، والأرملة واليتيم، ونحوهم، فهؤلاء لا بأس أن يُعطى الواحد منهم كفاية السَّنَة، أي يُعطى راتبًا دوريًّا يتقاضاه كلَّ عام، بل ينبغي أن يوزّع على أشهر العام إن خيف من المستحقِّ الإسراف وبعثرة المال في غير حاجة ماسَّة.
وهذا هو المتّبع في عصرنا، فالرواتب إنَّما تُعطى للموظفين شهرًا بشهر، وكذلك المساعدات الدورية لذي الحاجة، ولكن إذا اتّسعت أموال الزكاة، وقلّت حاجة الأصناف الأخرى، وأمكن إعطاء الفقير والمساكين ما يغنيهم غنًى دائمًا عن طريق تمليكهم عقارات أو نحوها، ممَّا يدرُّ عليهم دخلًا يكفيهم وعيالهم، كان الأخذ بمذهب التوسعة أولى، لما في ذلك من نقلهم من معوزين إلى ملّاك، وإشعارهم بنعمة التملُّك، وما لذلك من أثر طيب في نفوسهم، وفي الحياة الاجتماعيَّة عامَّة.
عمر يقول: إذا أعطيتم فأغنوا:
وهذا الاتِّجاه هو الموافق للسياسة العُمرية الراشدة في الإنفاق من مال الزكاة: فقد كانت سياسة الفاروق 3 تتمثّل في القاعدة الحكيمة الَّتي طالما أعلن عنها قولًا وتوجيهًا، ونفَّذها عملًا وتطبيقًا، تلك هي قوله لولاته وعمّاله: إذا أعطيتم فأغنوا. فكان عمر يعمل على إغناء الفقير بالزكاة، لا مجرَّد سدِّ جَوْعته بلقيمات أو إقالة عثرته بدريهمات.
جاء رجل يشكو إليه سوء الحال، فأعطاه ثلاثًا من الإبل، وما ذلك إلَّا ليقيمه من العيلة. والإبل كانت أنفع أموالهم وأنفسها حينذاك، وقال للموظّفين الَّذين يعملون في توزيع الصدقات على المستحقِّين: كرِّروا عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل(16). وقال معلِّقًا على سياسته تلك تجاه الفقراء: لأكرِّرنَّ عليهم الصدقة، وإن راح على أحدهم مائة من الإبل(17). ومائة من الإبل تساوي عشرين نصابًا من نُصُب الزكاة!
وقال عطاء الفقيه التابعي الجليل: إذا أعطى الرجل زكاة ماله أهل بيتٍ من المسلمين فجبرهم، فهو أحبُّ إليَّ(18).
وهذا الاتِّجاه هو الَّذي أيّده الإمام أبو عبيد، وعضّده بمنقول الأثر، ومعقول النظر.
وبناءً على هذا المذهب تستطيع مؤسسة الزكاة ـ إذا كثُرت مواردها واتّسعت حصيلتها ـ أن تنشئ من أموالها مصانع أو تشتري أراضي زراعية، أو تبني عقارات للاستغلال، أو تنشئ مؤسّسات تجارية، أو نحو ذلك من المشروعات الإنتاجيَّة أو الاستغلاليَّة، وتملِّكها للفقراء كلّها أو بعضها. لتدرَّ عليهم دخلًا دوريًّا يقوم بكفايتهم كاملة، ولا تجعل لهم الحقّ في بيعها ونقل ملكيتها، لتظلّ شبه موقوفة عليهم.
مستوى لائق للمعيشة:
ومن هنا يتبيّن لنا أنَّ الهدف من الزكاة ليس إعطاء الفقير أقداحًا من الحبوب، أو دريهمات من النقود، كما يتوهّم كثير من الناس، وإنَّما الهدف تحقيق مستوى لائق لمعيشته، لائق به بوصفه إنسانًا كرّمه الله واستخلفه في الأرض، ولائق به بوصفه مسلمًا ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير أمة أُخرجت للناس. وأدنى ما يتحقّق به هذا المستوى: أن يتهيّأ له ولعائلته طعام وشراب ملائم، وكسوة للشتاء وللصيف، ومسكن يليق بحاله. وهذا ما ذكره ابن حزم في «المحلى»، وذكره النووي في «المجموع» وفي «الروضة»، وذكره كثيرون من العلماء.
قال النووي في تحديد الكفاية الَّتي تعمل الزكاة على تحقيقها، بل إتمامها لذوي الحاجة: «قال أصحابنا: المعتبر... المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لا بدَّ له منه، على ما يليق بحاله، بغير إسراف ولا إقتار، لنفس الشخص ولمن هو في نفقته»(19).
وهذا تحديد مرنٌ يتَّسع لكلِّ حاجة لا بدَّ للمرء منها، وهي تختلف باختلاف المكان والزمان والحال، ومما لا بدَّ للمرء منه في عصرنا: أن يتعلّم أولاده من أحكام دينهم، وثقافة عصرهم، ما يزيل عنهم ظلمات الجهل، وييسِّر لهم سبيل الحياة الكريمة، ويعينهم على أداء واجباتهم الدينيَّة والدنيوية. وقد ذكر الفقهاء في بحث الحاجات الأصليَّة للفرد المسلم أنَّ منها: دفع الجهل عنه؛ فإنَّه موت أدبي، وهلاك معنوي. وأحسب أنَّ هذا لا يتمُّ في عصرنا إلَّا بأن يتعلم الأبناء والبنات إلى المرحلة الثانوية، وأن يتاح للمتفوِّقين منهم الاستمرار.
ومما لا بدَّ للمرء منه في عصرنا: أن يُيسّر له سبيل العلاج إذا مرض هو أو أحد أفراد عائلته، ولا يترك للمرض يفترسه ويفتك به، فهذا قتل للنفس، وإلقاء باليد إلى التهلكة. وفي الحديث: «تداوَوْا عبادَ الله؛ فإنَّ الله لم يضع داءً إلَّا وضع له دواء»(20). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ[البقرة: 195]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا[النساء: 29]. وفي الصحيح: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمه»(21)، وإذا ترك المسلم أخاه، أو ترك المجتمع المسلم فردًا منه فريسة للمرض دون أن يعالجه، فقد أسلمه وخذله بلا شكٍّ.
والذي ينبغي الالتفات إليه: أنَّ مستوى المعيشة للشخص لا يمكن تحديده تحديدًا جامدًا صارمًا؛ لأنَّه يختلف باختلاف العصور والبيئات، وباختلاف ثروة كلِّ أمَّة ومقدار دخلها القومي. وربّ شيء يكون كماليًّا في عصر أو بيئة، يصبح حاجيًّا أو ضروريًّا في عصر آخر، أو بيئة أخرى(22).
← العودة لقسم 3- الزكاة والصدقات