2026-06-13
1,181
استفسارات حول الزكاة
فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أبعث إليكم ببعض الأسئلة والاستفسارات الفقهية في أمر الزكاة للتأكد من صحَّة وسلامة الإجراءات وتصحيح المسار إن لزم:
س1: لديَّ حساب خاصٌّ في شركة الراجحي المصرفيَّة للاستثمار؛ خاصٌّ بالتبرعات؛ وقد أكَّدتُ في وصيتي أنَّه كذلك، وليس فيه من مالي الخاصِّ شيءٌ، يَرِدُ إلى هذا الحساب أموال الزكاة من عدد من الأشخاص، وكذلك التبرعات غير المحدَّدة والصدقات، بالإضافة إلى ما قد أضعه من زكاة مالي الخاص، ويتم التوزيع على مستحقي الزكاة من القانعين والمعترين بدون تحديد الشخص الَّذي وردت منه الزكاة. مع الاجتهاد في تحديد المبلغ المعطَى لكلِّ فرد حسب حالته ووضعه واحتياجاته فالبعض يأخذ كثيرًا وآخرون ينالون القليل، فهل في هذا الإجراء ما يستحقُّ التصحيح؟
س2: هل يجوز الإقراض من هذا المبلغ لمستحقي الزكاة وغيرهم لفترة محددة ويعاد المبلغ لنفس الحساب.
س3: يتمُّ الصرف «لمستحقِّي الزكاة» أحيانًا إلى أصحاب الديون مباشرة، أو لتسديد فواتير الكهرباء والهاتف، وإيجار المنزل، ورسوم المدارس، وأجور المستشفيات، وتأمين الدواء بدلًا من تسليمهم المبلغ باليد. فما حكم ذلك؟
س4: هل يجوز تكرار الزكاة لنفس الأشخاص عدَّة مرَّات كلَّ سنة وأحيانًا لفترات أقصر من السنة؟ طالما بقي حالهم كما هو من ناحية استحقاقهم للزكاة؟
س5: هل يجوز إخراج الزكاة إلى خارج المملكة إذا لم يشترط أصحابها صرفها داخل المملكة أو في مدينة معينة؟
س6: الجمعيَّات والهيئات الإسلاميَّة العاملة في مجال الدعوة والتعليم والإعلام، والدفاع عن قضايا المسلمين في المحافل الدولية والمؤتمرات، والمشاركة في الحوار بين الأديان. هل يصرف لها من الزكاة؟
س7: الموظَّفون العاملون بأجرٍ أو متطوِّعون من موظَّفي الدولة أو غيرهم؛ ممَّن يعملون في توزيع أموال الزكاة، أو يكتبون الرسائل لطلب المساعدة للمحتاجين وقضاء حوائج الناس، وغير ذلك من أعمال البر والإحسان؛ هل يمكن صرف مكافأة لهم من مال الزكاة؟
س8: بعض الأشخاص الموثوقين يطلبون المساعدة لدخول الانتخابات في بلاد الأقليَّات؛ حيث لا يجدون المال الضروري من مصدر آخر، هل يمكن مساعدتهم من الزكاة؟
س9: مشاريع المساجد والمدارس في البلاد الإسلاميَّة الفقيرة أو بلاد الأقليات والجاليات الإسلاميَّة، هل يمكن مساعدتهم من أموال الزكاة؟
س10: ما هي حدود الاجتهاد في مصرف:﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾[التوبة: 60]، خاصَّة في بلاد الأقليات والجاليات؟
س11: هل يجوز تأمين المصاحف والكتب الإسلاميَّة وإرسالها إلى الخارج من أموال الزكاة؟ وكذلك المساعدة في طباعتها في نفس بلاد الأقليات؟
س12: ما حكم مساعدة البرامج الإذاعية والتلفزيونية، الَّتي تخلط البرامج الدعوية بغيرها من البرامج الثقافية والاجتماعيَّة من أموال الزكاة.
هذا وأسأل الله الكريم أن يديم عليكم عونه وتوفيقه ورضاه، وتقبَّلوا فائق شكري وتقديري.
المخلص
عبد الله عمر نصيف
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
معالي الأخ الدكتور عبد الله عمر نصيف حفظه الله ورعاه، وسدد خطاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد)
فقد تلقَّيت رسالتكم الكريمة المتضمنة أسئلتكم واستفساراتكم الفقهية حول موضوع الزكاة وصرف أموالها، وأنا أجيب عنها باختصار مفيد إن شاء الله.
ج 1: إجراؤكم سليم من الوجهة الشرعيَّة، وليس فيه ما يستدعي التصحيح، ما دام قائمًا على تحرٍّ واجتهاد منكم، لا على هوى أو محاباة.
ج 2: لا أرى بأسًا بالإقراض من مال الزكاة للمحتاجين إلى القرض، إذا اتسعت حصيلة الزكاة، فقد أجاز بعض الفقهاء إقراض ابن السبيل، الَّذي له مال في بلده لا يستطيع الوصول إليه في الحال، من مال الزكاة، ليرده بعد حصوله على ماله؛ على ألَّا يتوسع في ذلك، ويبدأ بالأحوج فالأحوج.
ج 3: لا مانع من ذلك، ويعتبر الدافع لهذه الجهات «المدارس والمستشفيات ونحوها» وكيلًا عن مستحقِّي الزكاة.
ج 4: يجوز تكرار الزكاة للشخص الواحد عدَّة مرَّات في السنة الواحدة أو في عدَّة سنوات، ما دام الوصف الَّذي استحقَّ به الزكاة باقيًا، مثل الفقر أو الدين، فإذا زال هذا الوصف حرم إعطاؤه من الزكاة، إلَّا بسبب آخر.
ج 5: يجوز إخراج الزكاة إلى خارج المملكة، بل يجب ذلك إذا استغنى أهلها، والمسلمون أمة واحدة، وإن اختلفت أقطارهم، وتباعدت ديارهم.. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ﴾[الحجرات: 10]، وقال رسوله ﷺ : «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمه»(1).
والبلاد الَّتي قلَّ سكَّانها، وكثرت أموالها مثل بلاد الخليج، يجب ألَّا تضنَّ على البلاد الإسلاميَّة، الَّتي كثر سكانها وقلَّت مواردها، مثل بنجلاديش وباكستان والهند وكثير من أقطار أفريقيا وآسيا.
وإنَّ من الأفكار الهدامة الشائعة في الخليج الآن: أن تصرف الزكاة كلها في نفس البلد الَّذي جمعت منه. فهذا تكريس للإقليميَّة والعصبيَّة البغيضة، الَّتي ينكرها الإسلام؛ والَّتي تستغل فقر المسلمين لتفتنهم عن دينهم.
ج 6: إذا كانت هذه الهيئات والجمعيَّات إسلاميَّة حقًّا، ويقوم عليها أناس ثقات، يطمئن القلب إلى صدقهم، فإنَّ هذه المجالات الَّتي ينشطون فيها من الدعوة والتعليم والإعلام، والدفاع عن قضايا المسلمين، تعتبر نوعًا من «الجهاد» في عصرنا، فإنَّ أسلحة الجهاد والحرب تتنوَّع وتتغيَّر من عصر إلى آخر، وقد رأينا أنَّ أخطر أنواع الغزو للمسلمين في عصرنا هو «الغزو الفكري» أو الثقافي والإعلامي. ويجب أن نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به. المهم أن يكون الهدف وراء ذلك كله: «أن تكون كلمة الله هي العليا» وكلمة الله هي الإسلام. وقد قال تعالى لرسوله: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ﴾ أي بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾[الفرقان: 52]، وفي الحديث: «جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم»(2). ويدخل في ذلك استخدام شبكة «الإنترنت» لتعليم الإسلام وتبليغ دعوته للعالَمين.
ج 7: نعم يمكن صرف مكافأة لهؤلاء المذكورين من مال الزكاة، أجرة لهم بقدر عملهم، باعتبارهم من مصرف: ﴿وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا﴾، فلا مانع من إعطائهم أجرهم بالمعروف.
ج 8: لا بأس بإعطائهم من مال الزكاة إذا كانوا من المسلمين الثقات المأمونين، الَّذين يرجى أن ينفعوا إخوانهم ومواطنيهم إذا نجحوا في الانتخابات، وأن يعلوا كلمة الإسلام في البرلمان. فهذا كله داخل في مصرف: ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾[التوبة: 60]، فهو يعم كل مصلحة عامة، ترتفع بها راية الإسلام.
ج 9: نعم يمكن مساعدة المؤسسات المذكورة من الزكاة لسببين:
الأول: أنَّها تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾[التوبة: 60]، فهذه المؤسسات تعتبر قلاعًا وحصونًا للإسلام في مواجهة حملات التنصير وغيرها، وهي تحفظ على المسلمين دينهم وعقيدتهم.
الثاني: أنَّ هذه المدارس والمساجد ونحوها تعتبر من الحاجات الأساسية لهؤلاء الفقراء، والمفروض أن تسدَّ الزكاة حاجات الفقير المختلفة، وهو كما يحتاج إلى الطعام ليشبع، وإلى الملابس ليكتسي، يحتاج إلى المدرسة ليتعلَّم، وإلى المسجد ليصلِّي، فإذا لم تكن عنده موارد لتلبية هذه الحاجات، وجب أن تلبَّى من أموال الزكاة.
ج 10: وبهذا نعلم جواب السؤال العاشر، وهو أنَّ كل ما تحتاج إليه الأقليات والجاليات من مؤسسات تمسك عليها هويتها الإسلاميَّة، وتحافظ على وجودها الإسلامي من الذوبان والفناء في غيرها، فهو في سبيل الله.
ج 11: ومن ذلك: تأمين المصاحف، والكتب الإسلاميَّة النافعة، وإرسال الدعاة والمعلِّمين وتفريغهم لمهمتهم. وإقامة المراكز الإسلاميَّة.
ج 12: ويدخل في ذلك: البرامج الإذاعية والتليفزيونية، الَّتي تبث البرامج الدعوية، ولا مانع أن تشتمل على برامج ثقافية واجتماعيَّة، ما دامت لا تخالف الإسلام. فكل ذلك﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾[التوبة: 60].
أدام الله عليكم توفيقه وتسديده، ونفع بكم.
(1) سبق تخريجه صـ 563.
(2) سبق تخريجه صـ 572.