2026-07-21
1,003
دفع الزكاة لمؤسَّسة تهدف إلى نصرة الشعب الفلسطيني وثواب شدِّ الرحال للصلاة إلى المسجد الأقصى
السؤال
نحن في مؤسَّسة القدس الدوليَّة، ومعنا غيرنا من مؤسسات العمل الخيري، نقوم بعمل مشروعات متعددة، تهدف إلى نصرة الشعب الفلسطيني، وتثبيته في أرضه، لدعم صمود المرابطين في فلسطين، وخصوصًا في القدس المحتلة. وهذه المشروعات منها التعليمي والصحي، والإغاثي والتكافلي، فهل يجوز الإنفاق على هذه المشروعات من أموال الزكاة؟
وما ثواب شدِّ الرحال للصلاة في المسجد الأقصى، لمن قدر عليه من أبناء فلسطين؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ الله 4 فرض على المسلمين أن يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم، إذا احتل العدو بلدًا من بلادهم، وعجز أهل البلد أن يحرروا أرضهم. فإن عجز المسلم عن الجهاد بالنفس، فعليه أن يجاهد بماله، وأن يجاهد بلسانه، وأن يدعو لإخوانه المرابطين على أرض الجهاد والرباط، ويكون رِدْءًا لهم مِن ورائهم.
وقد نبهتُ كثيرًا على أنَّ ما يقدمه المسلم من مالٍ لإخوانه المجاهدين المرابطين في أرض فلسطين: ليس تبرعًا، ولا تطوُّعًا، ولا تفضُّلًا، ولا إحسانًا منه، بل هو قيام ببعض الحق الواجب عليه.
أمَّا دفع الزكاة للفلسطينيين، فقد بيّن الله مصارف الزكاة فقال: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾[التوبة: 60]. فالفلسطينيون من مصارفها، وهم يستحقونها من أكثر من وجه، فمنهم الفقراء والمساكين، وهم كذلك أبناء سبيل، وهم مجاهدون في سبيل الله، وقد جعل الله 4 من مصارف الزكاة الثمانية: ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، والمراد به الجهاد، فيعطى المجاهد من الزكاة ولو كان غنيًّا، تثبيتًا له وإعانةً على الجهاد.
دفع الزكاة للمشروعات المقدسية:
ويدخل في معنى: ﴿وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، ما تقوم به مؤسسة القدس الدولية وغيرها من مؤسسات العمل الخيري، من مشروعات تهدف إلى نصرة الشعب الفلسطيني، وتثبيته في أرضه، وخصوصًا في القدس.
كما أنَّ في الموارد الإسلاميَّة الأخرى ما يمكن الإنفاق منه على هذه المشروعات أيضًا، مثل الجهاد بالمال، ومثل الصدقات التطوعيَّة، والصدقات الجارية، ووصايا الأموات، والأوقاف، والمكاسب المحرَّمة على المسلم من فوائد البنوك وغيرها.
أمَّا شدُّ الرحال إلى المسجد الأقصى لكلِّ مستطيع من أهل فلسطين، ففيه تحصيل للثواب من أكثر من وجه:
1 ـ ثواب الصلاة في المسجد الأقصى:
ففيه الصلاة في ثاني مسجد بُني لعبادة الله على وجه الأرض، فعن أبي ذَرٍّ 3 قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجدٍ وُضع في الأرض أَوَّلَ؟ قال: «المسجد الحرام». قال: قلت: ثمَّ أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة، ثمَّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلِّهْ، فإنَّ الفضل فيه»(1).
وفيه ثواب شدُّ الرِّحال إلى المسجد الأقصى، ففي الحديث المتَّفق عليه: «لا تشدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى»(2).
وفيه الخروج من خطيئته كيومَ ولدته أمه، فعن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ : أنَّ سليمان بن داود ﷺ ، لمَّا بنى بيت المقدس، سأل الله عز وجلخلالًا ثلاثة: سأل الله عز وجلحُكمًا يصادف حكمه، فأوتيه، وسأل الله عز وجلمُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فأوتيه، وسأل الله عز وجلحين فرغ من بناء المسجد ألَّا يأتيه أحد لا يَنْهَزُه إلَّا الصلاة فيه: أن يُخرجه من خطيئته كيومَ ولدته أمه(3).
2 ـ المصلِّي في الأقصى له ثواب المرابط المجاهد في سبيل الله:
كما أنَّ المسلم من أهل فلسطين الَّذي يخرج للصلاة في المسجد الأقصى ـ وهو يعلم أنَّه ربَّما اعتُقل، وربَّما أصيب، وربَّما استشهد ـ مرابط له ثواب الرباط، الَّذي يقول فيه الرسول ﷺ : «رباط يومٍ وليلة في سبيل الله خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الَّذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمِن الفتَّان»(4).
وهو كذلك مجاهد في سبيل الله، له ثواب المجاهدين.
لذا أدعو إخواننا الفلسطينيين إلى مواصلة ما بدؤوه، من فداء المسجد الأقصى بأموالهم وأنفسهم، فإنَّ الله 4 اختارهم ليرابطوا في هذه البقعة، الَّتي بارك الله حولها، ولم يفعل ذلك سبحانه إلَّا لحكمة. وقد روى أبو أُمَامة الباهليُّ، عن النبيِّ ﷺ : «لا تزال طائفة من أُمَّتي على الدِّين ظاهرين، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرُّهم من خالفهم إلَّا ما أصابهم من لأواء، حتَّى يأتيهم أمر الله وهم كذلك». قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس»(5).
وكثير من المسلمين من يتمنَّى أن يرزقه الله بصلاة مباركة في المسجد الأقصى المبارك، أو بشهادة على أعتابه، لكنَّنا ننبِّه هنا على ما أفتينا به من قبل، وأفتى به غيرنا من أفراد ومجامع فقهية، من منع زيارة القدس في ظل الاحتلال لغير أهل فلسطين(6).
نسأل الله أن يحرِّر المسجد الأقصى من قبضة اليهود، وأن ينصر إخواننا المجاهدين في فلسطين عامة، وفي القدس خاصَّة على عدوهم، وأن يثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم، ويهيئ لهم من أمرهم رشدًا، وأن يفتح لهم فتحًا مبينًا، ويهديهم صراطًا مستقيمًا، وينصرهم نصرًا عزيزًا.
(1) متَّفَق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3366)، ومسلم في المساجد (520)، عن أبي ذر الغفاري.
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1188)، ومسلم في الحج (1397)، عن أبي هريرة.
(3) رواه النسائي في المساجد (693)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1408)، وابن خزيمة في الصلاة (1334)، وابن حبان في التاريخ (6420)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. وصحح إسناد النسائي الحافظ في فتح الباري (6/408).
(4) رواه مسلم في الإمارة (1913)، وأحمد (23728)، عن سلمان الفارسي.
(5) رواه عبد الله وجادة عن خط أبيه في المسند (22320)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح لغيره دون قوله: قالوا: يا رسول الله، وأين هم... إلخ. والطبراني (8/145)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (12248): رجاله ثقات. عن أبي أمامة الباهلي.
(6) انظر كتابنا: فتاوى معاصرة (3/474 ـ 477)، فتوى منع زيارة القدس لغير الفلسطينيين، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1424هـ ـ 2003م.