2026-06-13
1,013
قيمة زكاة الفطر لمن يقيم في بلد، وأهله في بلد آخر
شيخنا المبارك، لدينا مشكلة تؤرِّقنا في كل عام، وتتعلق هذه المشكلة بزكاة الفطر، وذلك أنَّنا نقيم هنا في دولة قطر، وعند إخراج الزكاة تنتابنا الحيرة بسبب تضارب الفتوى في قيمة إخراج الزكاة، هل نخرج الزكاة عن أنفسنا وأولادنا المقيمين في أوطاننا (مصر ـ فلسطين ـ الأردن) بقيمة واحدة، أم أنَّنا نخرجها عن أنفسنا بالقيمة الَّتي حددتموها هنا وهي تقريبًا (15) ريالًا قطريًّا، وعن أبنائنا بقيمتها في مصر (5) جنيهات تقريبًا؟
نرجو من فضيلتكم الإيضاح، ونسأل الله لكم العون والسداد والتوفيق والرشاد.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد شرع الله 4 زكاة الفطر في شهر رمضان من كل عام، وجعل الحكمة من إيجابها أنَّها طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين. كما جاء في حديث ابن عبَّاس ^ (1).
فالحكمة منها حكمة مركَّبة من أمرين:
الأوَّل: يتعلَّق بالصائمين في شهر رمضان، وما عسى أن يكون قد شاب صيامهم من لغو القول ورفث الكلام.
الثاني: يتعلَّق بالمجتمع وإشاعة المحبَّة والمسرَّة في جميع أنحائه، وخصوصًا المساكين وأهل الحاجة فيه.
وأحاديث وجوب زكاة الفطر تدلُّ على أنَّها فريضة عامَّة على الرؤوس والأشخاص؛ إذ لا فرق فيها بين حرٍّ وعبد، ولا بين ذكر وأنثى، ولا صغير وكبير، ولا غني وفقير، وقد أوجبها الشرع على المرء ومن يمون ويعول.
والواجب على المسلم زكاة فطره عن نفسه ومن يمون ويعول من أوسط ما يطعمه المرء؛ كما في حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير(2).
والأصل في زكاة الفطر أنَّ الرسول ﷺ قدَّرها بالطعام من القمح والشعير والتمر والزبيب، ولم يقدِّرها بالنقود، لتغيُّر قدرتها الشرائية. واستنبط جمهور الفقهاء من سُنَّة النبيّ ! : الواجب هو إخراج الصاع من غالب قوت البلد، فإذا كان غالب قوتهم الأرز أو الذرة، أخرجوا الزكاة منه(3).
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: إخراج القيمة نقدًا، ولا سيَّما إذا كان الفقير في حاجة إليها كما في عصرنا، لأنَّ المقصود إغناؤهم، ويتحقّق بالنقود أكثر من الطعام(4). وقد قدّرناها في السنين الماضية بخمسة عشر ريالًا، وأعتقد أنَّها الآن لا تكفي لزيادة الأسعار، وهذا ما لا بدَّ منه إذا نقلنا الزكاة من بلدٍ إلى آخر.
أمَّا إذا كان السائل يقيم في مكان، ويقطن أهله مكانًا آخر، فلا فرق بين زكاة فطره وزكاة فطرهم؛ إذ إنَّ هذه الزكاة واجبة عليه هو لا على أولاده، وحسب قدرته المالية لا حسب قدرتهم، فمن كان مقيمًا في قطر مثلًا، وأولاده في مصر أو فلسطين؛ فالأرجح عندي أن يدفعها بقيمة البلد الَّذي يعيش فيه عن نفسه وعمَّن يعول؛ باعتبار أنَّ أولاده جزء منه. والله أعلم.
(1) رواه أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، والحاكم (1/568)، وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، ثلاثتهم في الزكاة، والدارقطني في زكاة الفطر (3/61)، وقال: ليس فيهم مجروح. وحسَّن إسناده النووي في المجموع (6/126).
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري (1504)، ومسلم (984)، كلاهما في الزكاة.
(3) مغني المحتاج (2/116، 117)، والتاج والإكليل لمختصر خليل (3/271)، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1416هـ ـ 1994م، ومواهب الجليل (2/367)، وكشاف القناع (2/253).
(4) المبسوط (3/107).