2026-06-13
1,063
تأثير المعاصي على الصيام
ما حكم صائم رمضان إذا اغتاب أو كذب أو نظر إلى أجنبية بشهوة. أيصحُّ صيامه أم يبطل؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الصوم النافع المقبول هو الَّذي يهذِّب النفس، ويقوِّي إرادة الخير، ويثمر التقوى المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. والواجب على الصائم أن يكفَّ عن كلِّ قولٍ أو فعلٍ يتنافى وصومه حتَّى لا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش والحرمان. وفي الحديث: «الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإذا سابَّه أو قاتله أحد فليقل: إنِّي صائم»(1). وقال 0 : : «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلَّا الجوع، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلَّا السهر»(2). وقال صلوات الله عليه: «من لم يدعْ قولَ الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»(3).
قال ابن العربي: مقتضى هذا الحديث ألَّا يُثاب على صيامه، ومعناه أنَّ ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.
ورأى ابن حزم أنَّ هذه الأشياء تبطل الصوم كما يبطله الطعام والشراب، وروى عن بعض الصحابة والتابعين ما يُفهم منه هذا(4).
ونحن ـ وإن لم نقل برأي ابن حزم ـ نرى أنَّ هذه المعاصي تضيع ثمرة الصيام وتفسد المقصود من شرعيته، ومن أجل ذلك كان سلف الأمة الصالحون يهتمُّون بالصوم عن اللغو والحرام كما يهتمُّون بالصوم عن الشراب والطعام. قال عمر 3 : ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنَّه من الكذب والباطل واللغو. وروي عن عليٍّ مثله.
وعن جابر قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء. وقال أبو ذر لطليق بن قيس: إذا صمت فتحفظ ما استطعت. فكان طليق إذا كان يوم صيامه دخل فلم يخرج إلَّا إلى صلاة. وكان أبو هُرَيْرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد وقالوا: نطهِّر صيامنا.
وعن ميمون بن مهران: أهون الصيامِ الصيامُ عن الطعام والشراب(5).
وأيًّا ما كان الأمر، فللصوم أثره وثوابه، وللغيبة والكذب ونحوه عقابها وجزاؤها عند الله، ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ﴾[الرعد: 8]. وكل عمل بحساب وميزان،﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾[طه: 52]. وتأمل هذا الحديث النبوي عن دقة الحساب الإلٰهي في الآخرة تجد فيه الجواب الكافي عن هذا السؤال والسؤالين قبله: روى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة # أنَّ رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله، إنَّ لي مملوكين يكذبونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم (يعني يوم القيامة)؟ فقال له رسول الله ﷺ : «يحسب ما خانوك وعصَوْك وكذَّبوك، وعقابك إيَّاهم، فإن كان عقابك إياهم دونَ ذُنُوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إيَّاهم بقدر ذنوبهم كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتُصَّ لهم منك الفضلُ الَّذي بقي قبلك» فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف. فقال رسول الله ﷺ : «ما له لا يقرأ كتاب الله؟ ﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾[الأنبياء: 47] . فقال الرجل: يا رسول الله: ما أجد شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء ـ يعني عبيده ـ إنِّي أشهدك أنَّهم أحرار كلهم(6).
(1) متَّفَق عليه: رواه البخاري (1904)، ومسلم (1151)، كلاهما في الصيام، عن أبي هريرة.
(2) رواه أحمد (8856)، وقال مخرِّجوه: إسناده جيد. وابن ماجه (1690)، والحاكم (1/431)، وصحَّحه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، كلاهما في الصوم، عن أبي هريرة.
(3) رواه البخاري في الصوم (1903)، عن أبي هريرة.
(4) المحلى بالآثار (4/304).
(5) انظر هذه الآثار في المحلى بالآثار (4/306) مسألة (734).
(6) رواه أحمد (26401)، وقال مخرِّجوه: حديث ضعيف. والترمذي في التفسير (3165) وقال: حديث غريب. وصحح إسناده الألباني في صحيح الترمذي (2531)، عن عائشة.