2026-06-13
977
هل يمنع الفطر في العيد التتابع في صيام الكفارات؟
في رحلة صيد قتلتُ أحد زملائي عن طريق الخطأ، حيث إنَّني نويت صيام شهرين متتابعين، وبالفعل بدأت في الصيام، لكنَّني لم أنتبه إلى أنَّ يوم عيد الأضحى يقع خلال فترة الكفارة.
السؤال المطروح: هل أصوم عيد الأضحى أم لا؟ وإذا كان الجواب بالنفي، كيف يكون حال الكفارة؟ هل أتم صيام الكفارة أو أعيده من جديد بعد يوم العيد؟
ملاحظة: لا يخفى على فضيلتكم أنَّنا في الجزائر على مذهب الإمام مالك.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فمن رحمة الله 4 أن جعل الإسلام دين يسر، فشرع الرخص، وفتح باب التوبة، وسنَّ الكفارات، وأوجب الديات، فالإنسان خلق ضعيفًا، لا ينفكُّ عن الخطأ أو التقصير، أو النسيان أو العصيان، كما جاء في الحديث: «كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون»(1).
والكفارات إنَّما شرعت ـ كما يظهر من اسمها ـ لتكفير الذنوب ومحوها، وللزجر عن المعاودة إليها.
ومن هذه الكفارات: صيام شهرين متتابعين:
كما في كفارة قتل النفس خطأً، كما قال تعالى:﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ﴾[النساء: 92].
وفي كفارة الظهار:﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾[المجادلة: 4].
وفي كفارة الفطر بالجماع في نهار رمضان، كما في الحديث عن أبي هُرَيْرة 3 قال: بينما نحن جلوس عند النبيّ ﷺ ؛ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: «ما لك؟» قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال: رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبةً تُعتقها؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيعُ أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. الحديث(2).
والشهران المتتابعان هما اللذان لا يفطر المكفر في نهار شيء منهما.
أما الإفطار بعذر ـ الَّذي يسأل عنه السائل ـ فقد اتفق العلماء على أنَّ الحيض لا يمنع التتابع، واختلفوا في المرض والغيم والسفر، وحلول رمضان أو عيد الفطر وعيد الأضحى وأيام التشريق: فمنهم من رأى أن يتابع المكفر الصوم بعد زوال العذر الَّذي لم يتسبَّب فيه، ومنهم من رأى أن يستأنف صيام الشهرين متتابعين كلَّما أفطر أيًّا كان سبب إفطاره.
من رأى متابعة الصوم عند الإفطار بعذر:
قال أصحاب الرأي الأول: إذا كان إفطاره لعذر فزال بنى على ما مضى، قياسًا على الحيض المتفق على متابعة الصوم بعده، فممّن قال: يبني على ما مضى عند عذر المرض: سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، والحسن البصري والشعبي، وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار، ومجاهد وقتادة وطاوس.
وهو رأي مالك، وأحد قولي الشافعي؛ وهو الصحيح من مذهبه، ورجحه الشوكاني(3).
قال مالك: «أحسن ما سمعتُ فيمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في قتل خطأ أو تظاهر؛ فعرض له مرض يغلبه ويقطع عليه صيامه: أنَّه إن صحَّ من مرضه وقوي على الصيام، فليس له أن يؤخر ذلك، وهو يبني على ما قد مضى من صيامه. وكذلك المرأة الَّتي يجب عليها الصيام في قتل النفس خطأ؛ إذا حاضت بين ظهري صيامها: أنَّها إذا طهرت لا تؤخر الصيام، وهي تبني على ما قد صامت؛ وليس لأحدٍ وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله: أن يفطر، إلَّا من علة مرض أو حيضة، وليس له أن يسافر فيفطر. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك»(4).
وقد جاءت الروايات عن سعيد بن المسيب، وعن الحسن، وعن عطاء، والشعبي: أنَّه يبني على ما مضى، ويتم صومه، ولا يستقبل الصوم من جديد.
من قال: يستأنف الصيام من أفطر بعذر:
وقال آخرون: بل يستأنف الصيام؛ لأنَّ من أفطر بعذر لم يتابع صوم شهرين كما أمر الله. قاله سعيد بن جبير وسفيان الثوري، وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة، وعطاء الخراساني، وهو رأي أبي حنيفة وأصحابه، والحسن بن حي، والشافعي في أحد قوليه.
وقد نصَّ السرخسي على سؤال السائل في المبسوط فقال: «وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق عن ظهاره؛ فعليه صيام شهرين متتابعين بالنصِّ، فإن أفطر فيهما يومًا لمرض أو لغيره؛ فعليه استقبال الصيام لفوات صفة التتابع بفطره»، والواجب المقيَّد بوصفٍ شرعًا لا يتأدَّى بدونه.
قال: «ولو صام شهرين أحدهما شهر رمضان لم يجزه عن الظهار»؛ لأنَّه لم يشرع في شهر رمضان إلَّا صوم واحد، وهو الفرض؛ فلا يصح التكفير به؛ لأنَّ وجوب الكفارة في ذمته، وما في الذمة إنَّما يتأدَّى بما للمرء لا بما عليه... وإذا لم يجز صومه في شهر رمضان عن الظهار فعليه أن يستقبل بعد يوم الفطر شهرين لانقطاع التتابع في حقِّ صوم الكفارة، وكذلك لو دخل صومه يوم النحر أو أيام التشريق؛ فعليه استقبال الصوم؛ صام في هذه الأيام أو لا؛ لأنَّ الصوم في هذه الأيام منهيٌّ عنه، فلا يتأدَّى به الواجب في ذمته، وينقطع التتابع بتخلل هذه الأيام؛ لأنَّه يجد شهرين خاليين عن هذه الأيام(5).
وفرّق أصحاب هذا القول بين الحيض والمرض؛ لأنَّه يمكنه في العادة صيام شهرين متتابعين بالمرض، ولا يمكنها ذلك بالحيض. ووجه آخر: وهو أنَّ حدوث المرض لا يوجب الإفطار بفعله، والحيض ينافي الصوم، فأشبه الليل ولم يقطع التتابع(6).
وعن إبراهيم في رجل عليه صيام شهرين متتابعين فأفطر قال: يستأنف، والمرأة إذا حاضت فأفطرت تقضي.
وعنه قال: إذا مرض فأفطر استأنف. يعني من كان عليه صوم شهرين متتابعين فمرض فأفطر.
وعن أبي جعفر قال: يستأنف(7).
قال أبو عمر: حجَّة من قال: يبني؛ لأنَّه معذور في قطع التتابع لمرضه، ولم يتعمَّد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمِّد، وحجة من قال: يستأنف. لأنَّ التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنَّما يسقط المأثم، قياسًا على الصلاة؛ لأنَّها ركعات متتابعات، فإذا قطعها عذر استأنف ولم يبنِ(8).
أولى القولين بالصواب:
قال ابن جرير الطبري: «وأولى القولين عندنا بالصواب: قول من قال: يبني المفطر بعذر، ويستقبل المفطر بغير عذر؛ لإجماع الجميع على أنَّ المرأة إذا حاضت في صومها الشهرين المتتابعين بعذر فمثله؛ لأنَّ إفطار الحائض بسبب حيضها بعذر كان من قبل الله، فكل عذر كان من قبل الله فمثله»(9).
ونحن مع الطبري نرجِّح هذا الرأي: بمتابعة صيام الشهرين المتتابعين بعد زوال العذر، من مرض أو غيم أو انشغال المكفر بفرض صيام رمضان، أو حرمة الصيام كيومي الفطر والأضحى وأيام التشريق، بناءً على الاعتبارات الَّتي ذكروها.
ومن تأمل تيسير رسول الله مع المفطر بالجماع في نهار رمضان، وانتقاله من عتق الرقبة إلى صيام شهرين متتابعين، ومن الصيام إلى الإطعام، وإعانته له بفرق من تمر: تبيَّن له تيسير الإسلام في مثل هذا، وهو دائمًا يرفق بأصحاب الأعذار. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) رواه أحمد (13049)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والترمذي في صفة القيامة (2499)، وقال: حديث غريب. وابن ماجه في الزهد (4251)، وحسنه الألباني في المشكاة (2341)، عن أنس.
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري (1936)، ومسلم (1111)، كلاهما في الصيام.
(3) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (4/118)، وبه قال الحنابلة. وانظر: كشاف القناع (5/384)، وروضة الطالبين في فقه الشافعية (3/311).
(4) الموطأ (1062) تحقيق الأعظمي.
(5) المبسوط (7/12، 13).
(6) أحكام القرآن للجصاص (3/223)، تحقيق محمد صادق القمحاوي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ .
(7) تفسير الطبري (23/234).
(8) الاستذكار (3/338).
(9) تفسير الطبري (23/234).