2026-06-13
1,065
النيابة في الحجِّ
والدي ووالدتي قد فارقا الحياة، ولم يؤدِّيا فريضة الحج، فهل يجوز أن أنيب عنهما أحدًا في تأدية هذه الفريضة، أم لا يجوز؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأصل في العبادات وبخاصَّة العبادات البدنيَّة أن يؤدِّيها الإنسان بنفسه، فإذا لم يؤدِّها بنفسه أمكن أن يؤدِّيها أولاده من بعده، فقد قال ﷺ : «إنَّ أولادكم من كَسْبِكم»(1). ولد الإنسان جزء منه، وهو جزء من عمله، يعتبر امتدادًا له بعد وفاته، كما جاء في الحديث: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلّا من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنْتَفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»(2).
فالولد الصالح هو امتداد لحياة أبيه، وامتداد لوجوده. ومن هنا يجوز للأولاد أن يؤدُّوا الحجَّ عن آبائهم. فإذا لم يؤدُّوا أمكنهم أن يوكلوا من يؤدي عنهم، وقد سألت امرأةٌ النبيَّ ﷺ : أنَّ أباها أدركته فريضة الله في الحجِّ شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستقلَّ على الراحلة، ومات، أفتحجُّ عنه؟ قال: «نعم، حُجِّي عنه»(3). وسألت امرأةٌ أخرى ـ كما ورد في حديث ابن عبَّاس ـ النبيَّ ﷺ : أتحُجَّ عن أمِّها، وقد نذرت أن تحجَّ لله وماتت؟ فقال: «حُجِّي عنها، أرأيت لو كان عليها دين، أكنتِ قاضيتَه؟» قالت: نعم. قال: «فاقضوا، فالله أحقُّ بالوفاء»(4).
وفي رواية: «فدَيْن اللهِ أحقُّ أن يُقضى»(5).
فكما أنَّ للولد أن يقضي دَيْن أبيه في الشؤون الماليَّة، كذلك في هذه الشؤون الرُّوحية، وشؤون العبادة، فتستطيع البنت، ويستطيع الولد: أن يحجَّ عن أبيه، أو على الأقلِّ يوكِّل من يحجُّ عنه، على أن يحجَّ عنه من بلده، من البلد الَّذي كان عليه أن يحجَّ منه، إذا كان من قَطَر مثلًا، فإذا وكَّل أحدًا، فليحجَّ من قَطَر لا من سواها، وإذا كان من الشام يحجُّ من الشام، وهكذا.. إلّا إذا عجزت ماليَّة المتوفَّى ـ إذا كان سيحجُّ من ماله ـ فمن حيث أمكن تحقيق هذا(6).
فإذا كان الولد هو الَّذي سيوكِّل من يحجُّ من ماله الخاصِّ، فعلى حسَب ما يمكن من ماله.
ومن حجَّ عن الغير، فيشترط أن يكون قد حجَّ عن نفسه أولًا(7).
والله أعلم.
(1) رواه أحمد (25296)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره. وأبو داود في الإجارة (3528)، والترمذي في الأحكام (1408) وحسَّنه. والنَّسائي في البيوع (4450)، وصحَّحه الألباني في الإرواء (1626)، عن عائشة.
(2) رواه مسلم في الوصية (1631)، وأحمد (8844)، والترمذي في الأحكام (1376)، والنَّسائي في الوصايا (3651)، عن أبي هريرة.
(3) رواه مسلم في الحج (1335)، عن الفضل بن العباس.
(4) رواه البخاري في جزاء الصيد (1852).
(5) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (1953)، ومسلم (1148)، كلاهما في الصيام، عن ابن عبَّاس.
(6) الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة (3/188)، نشر دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، والمغني لابن قدامة (3/241)، تحقيق طه محمد الزيني، نشر مكتبة القاهرة، 1388هـ ـ 1968م، والفروع لابن مفلح (5/295)، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1424هـ ـ 2003م، والمجموع شرح المهذب للنووي (7/110، 111) نشر دار الفكر، بيروت.
(7) المجموع (7/117)، والمغني (3/245)، والفروع (5/284 ـ 286).