من أين يحرم من حجَّ بالطائرة أو الباخرة؟

❓ من أين يحرم من حجَّ بالطائرة أو الباخرة؟

📅 2026-06-13 👁 1,003 مشاهدة

نص السؤال:

الحجَّاج القادمون من جهة البحر على الطائرات إلى جُدَّة، هل يصح إحرامهم بالحجِّ من جُدَّة، أو لا بدَّ أن يكون قبلها؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأصل أن يحرم الإنسان من الميقات المكاني، وقد حدَّد النبيُّ المواقيت المكانية لكلِّ أهل بلد، فعن ابن عبَّاس قال: إنَّ النبيَّ وقَّت لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هنَّ لهُنَّ، ولمن أتى عليهنَّ من غيرهنَّ، ممَّن أراد الحجَّ والعمرة(1).
فذو الحُلَيْفة: ميقات أهل المدينة، ومن مرَّ بها من غير أهلها. وتُسمَّى الآن «آبار عليٍّ» فيما اشتهر لدى العامَّة.
والجُحْفة: ميقات أهل الشام، ومن جاء من قبلها من مصر والمغرب. ومكانها الآن ليس معلومًا بالضبط، لذا فيحرم الحجَّاج الآن من «رابغ»، وهي قبل الجُحْفة إلى جهة البحر، فالمحرم من «رابغ» مُحْرِم قبل الميقات.
وقَرْن المنازل ـ ويقال له أيضًا: «قرن» ـ ميقات أهل نجد، و«قرن» جبل مطلٌّ على عرفات. وهو أقرب المواقيت إلى مكَّة، وتسمَّى الآن بـ «السَّيْل».
ويَلَمْلَم: ميقاتُ أهل اليمن وتِهَامة والهند. وهو جبل من جبال تِهَامة جنوب مكة.
وذات عِرْق: ميقات أهلِ العراق وسائرِ أهل المشرق.
فجمهور العلماء يرون أن يُحرم من جاء بالبحر أو من لم يمرَّ بطريق فيه ميقات أن يحرم حين يحاذي الميقات، وفي الطائرات القادمة إلى جُدَّة عادة ينبِّهون قبل الميقات بوقتٍ كافٍ ـ ربع ساعة أو نصف ساعة ـ على الركاب أنَّنا سنحاذي الميقات بعد ربع ساعة أو نصف ساعة.
وأجاز المالكيَّة لراكب السفينة أو الباخرة ألَّا يحرم إلَّا حين ينزل إلى البرِّ، وهو رأي قديم معتبر للمالكيَّة، قالوا: من جاء من مصر أو من بلاد شمال إفريقيا: من ليبيا أو تونس أو الجزائر أو المغرب أو موريتانيا أو من السنغال إلخ، يُحْرِم حين ينزل من الباخرة إلى البرِّ، وهذا من التيسير على النَّاس، لأنَّ الأصل في المواقيت الَّتي حدَّدها النبيُّ أنَّها لأهل البَرِّ، ونحن قسنا عليهم أهل البحر.
وأعتقدُ أنَّ الطائرة أهمُّ من الباخرة، فالباخرة يكون للإنسان فيها متَّسع للحركة، أمَّا الطائرة فيشقُّ على الإنسان أن يُغيِّر ملابسه فيها.
رأي العلامة عبد الله بن زيد آل محمود في الإحرام من جُدَّة:
وقد قال العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعيَّة في قطر منذ سنوات: أنَّ ركَّاب الطائرة يُحْرِمون من جُدَّة، وألَّف في ذلك رسالة، كان ممَّا قال فيها: «لقد طلب منِّي أحد العلماء الأجلَّاء، أن أدلي بدلوي في استنباط طريق الفقه الشرعي في: «جواز الإحرام بالحجِّ من جُدَّة أو عدمه». لهذا وجب عليَّ أن أبيِّن للناس ما ظهر لي في حكمه، حسَب ما وصل إليه علمي، وقد يخفى عليَّ ما عسى أن يظهر لغيري، إذ الحق فوق قول كل أحد، وفوق كل ذي علم عليم.
وإنَّه ممَّا لا خلاف فيه، ولا خفاء: ما ثبت في البخاري ومسلم، عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ قال: «ميقات أهل المدينة ذو الحُلَيْفة، وميقات أهل الشام الجُحْفة، وميقات أهل نَجْد قَرْنُ المنازل، وميقات أهل اليمن يَلَمْلَم، هنَّ لهُنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهنَّ، ممَّن أراد الحجَّ والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتَّى أهل مكَّة من مكَّة»(2).
وروى البخاري عن ابن عمر ^ قال: لما فُتِح هذان المصران (العراق ومصر) أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّ رسول الله حدَّ لأهل نجدٍ قرنًا، وهو جورٌ عن طريقنا، وإنَّا إن أردنا قرنًا شقَّ علينا. قال: فانظروا حَذْوها من طريقكم. فحدَّ لهم (أهل العراق) ذات عِرق(3).
وهذه المواقيت المكانية تعدُّ من معجزات النبوة، حيث وقَّتها رسول الله لهذه البلدان قبل إسلام أهلها، كما أشار إليه الناظم بقوله:
وتَعْيِينُها من معجزاتِ نبيِّنا
لتعيينه من قبل فتح المعدَّد(4)
لكون النبيِّ لم يُفتح في زمنه سوى مكَّة والطائف، والَّذي حجَّ مع النبيِّ هم أهل المدينة، وعرب الحجاز، ومن يليهم من أهل نجد، وبعض من أسلم من أهل اليمن، فكانوا قليلين بالنسبة إلى الحجَّاج في هذه السنين.
وهذا التحديد بهذه الصفة، وقع حيث كان حجّ النَّاس على الدواب من الإبل والخيل والحمير، ويمرون بهذه الطرق، وهي المواقيت المكانية لسائر أهلها، ولمن مرَّ عليها إلى يوم القيامة.
وقد انتشر الإسلام، وامتد سلطان المسلمين على كثير من البلدان، الَّتي لم يقع لها ذكر في التحديد، كمصر، والسودان، والمغرب، وسائر إفريقيا، وبلدان الترك، والهند، وكثير من المسلمين الَّذين يسكنون في بلدان النصارى، وفي الصين، واليابان، وروسيا، فحيث إنَّهم في تلك الأزمنة لا يستطيعون حيلة في الوصول إلى مكة، ولا يهتدون إليها سبيلًا، فلم يقع لهم ذكر في التحديد من جهة البحر سوى قوله: «هُنَّ لهُنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهنَّ». ومن المعلوم أنَّ ركاب الطائرات لا يأتون إلى هذه المواقيت، ولا يمرُّون عليها.
وقد صار حجُّ جميع أولئك على متون الطائرات الَّتي تحلِّق بهم إلى أجواء السماء مسافة الألوف من الأقدام في الارتفاع، حتَّى تهبط بهم على ساحل جُدَّة، بحيث لا يمرُّون بشيءٍ من المواقيت.
والحكم يدور مع علته، ولكل حادث حديث، ولن يعجز الفقه الإسلامي الصحيح الواسع الأفق عن إخراج حكم صحيح، في تعيين ميقات يُعترف به لحجِّ هؤلاء القادمين على متون الطائرات، لكون شريعة الإسلام كفيلة بحل مشاكل العالم ما وقع في هذا الزمان، وما سيقع مستقبلًا.
وحاجة تعيين ميقات في جُدَّة للقادمين على الطائرات، آكد من هذا كلِّه، ولو كان رسول الله حيًّا ويرى كثرة النازلين من أجواء السماء إلى ساحة جُدَّة، يؤمُّون هذا البيت للحجِّ والعمرة، لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جُدَّة نفسها، لكونها من مقتضى أصوله ونصوصه.
الحكمة من وضع المواقيت المكانيَّة:
والحكمة في وضع المواقيت موضعها: أنَّها جُعِلَت بمسالك طرق النَّاس إلى مكَّة، فهي كالأبواب إلى دخول مكَّة المشرفة. وفيها يعمل الحاجُّ عمله في تنظيم دخوله في إحرامه، وما يلزم ذلك من التنظيف والاغتسال، وقلم الأظفار، والطِّيب، ثمَّ التخلِّي عن المخيط، ولبس الإحرام المشبَّه بالأكفان، إزار ورداء، ثمَّ تعليم العوام كيفية الدخول في النُّسُك. وهذه الأعمال تتطلَّب وقتًا ومكانًا، فشُرِع تعيين المواقيت لها، أوما علمتم أنَّ النبيَّ في حجَّة الوداع نزل بذي الحُلَيْفة، ميقات أهل المدينة ضحًى، فأقام بها يومه وليلته وبعض اليوم الثاني، بحيث صلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ثمَّ رقد تلك الليلة حتَّى صلَّى الصبح، فلمَّا أضحى من اليوم الثاني اغتسل وتطيَّب.
وقد قال العلَّامة ابن القيِّم 5 في كتابه «إعلام الموقِّعين»، قال: فصل في تغير الفتوى واختلافها، بحسَب تغير الأزمنة والأمكنة، والأحوال والنيات والعوايد. قال: «وهذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقَّة، وتكليف ما لا يطاق، ممَّا يُعلَم أنَّ الشريعة الباهرة لا تأتي به؛ لأنَّ الشريعة مبناها على الحكمة والمصلحة للعباد في المعاش والمعاد، وهي عدل ورحمة ومصالح، وكل ما خرج عن العدل والرحمة والمصلحة فليس من الشريعة وإن نُسِبَ إليها» انتهى(5)»(6).
أقول (القرضاوي): وأنا أرى أنَّ رأيه هذا مقبول؛ لأنَّه ليس من السهل على الإنسان وهو في الطائرة، وفي زحمة الركَّاب أن يخلع ملابسه ويغيِّرها بملابس الإحرام، فالأيسر في هذا أنَّه بعد أن ينزل يخلع ملابسه ويتطهَّر ويلبس ملابس الإحرام، ويصلِّي ركعتين، وأنا أميل إلى فقه التيسير عمومًا، وخصوصًا في الحج؛ لأنَّ الحجَّ مبنيٌّ على التيسير، وخصوصًا في عصرنا عصر الزحام، والنبيُّ صلى ! ما سُئل في أمرٍ من أمور الحج قُدِّم أو أُخِّر إلَّا قال: «افعلْ ولا حرج»(7). فنحن على هذه السُّنَّة النبويَّة، وعلى هذا الهدْيِ المحمديِّ نقول: يجوز للذين يأتون بالباخرة أو الطائرة أن يُحرموا في جُدَّة، إذا كان في الإحرام من الميقات مشقَّة عليهم، وإذا كان الأمر يسيرًا عليهم يُحرمون من محاذاة الميقات.
وأنا وإن كنت أرجِّح ما رجَّحه الشيخ آل محمود 5 ، ولا أرى مانعًا من ذلك، ولكنِّي ـ أيضًا ـ أرى أنَّ الإنسان إذا كان يحجُّ حجَّة الإسلام، يحجُّ حجَّة الفريضة، ينبغي له أن يحتاط لأنْ يكون حجُّه صحيحًا على جميع المذاهب، حتَّى يكون حجُّه مأمونًا، فيحاول أن يحرم في الطائرة حين يحاذي الميقات، أمَّا من كان حجُّه للمرَّة الثانية أو الثالثة.. وهكذا، أو كان يعتمر عمرة تطوعيَّة، فله أن يأخذ بالرخصة، ويُحرم من جُدَّة حين ينزل من الطائرة.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة