طواف الحائض

❓ طواف الحائض

📅 2026-06-13 👁 1,025 مشاهدة

نص السؤال:

ماذا تصنع المرأة إذا جاءها الحيض في الحجِّ؟ وكيف تطوف بالبيت؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
السيدة عائشة # حاضت في حجَّتها الَّتي حجَّتها مع النبيِّ ، فتألَّمت كثيرًا، واشتكت للنبيِّ ، فهوَّن عليها، وقال لها: «إنَّ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاجُّ، غير ألَّا تطوفي بالبيت حتَّى تغتسلي»(1).
هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، ليس لكِ حيلة فيه، هذا من الفطرة، فطرة الأنثى، إذا بَلَغت سنَّ النساء لا بدَّ أن تحيض، فأدِّي كلَّ المناسك، غير ألَّا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري، فالطهارة شرط للطواف بالبيت عند البعض، وواجب عند البعض.
فالحائض تعمل كل أعمال الحج؛ تقف بعرفة، وترمي الجمرات، وتذبح، وتعمل كلَّ شيء، ولكنَّ الطواف بالبيت تؤخِّره، والمقصود هنا طواف الإفاضة، أمَّا طواف الوداع، فهو واجب عند الجمهور؛ لكنَّهم اتَّفقوا على أنَّ للحائض أن تنفر بلا طواف وداع، تخفيفًا عليها، لحديث عائشة # : أنَّ صفيَّة # حاضت، فأمرها النبي أن تنصرف بلا وداع(2).
وأمَّا طواف القدوم فسُنَّة عند الجمهور.
فإذا جاء المرأةَ الحاجَّةَ الحيضُ قبل طواف الإفاضة، فتؤخر الطواف حتَّى تطهُر، ولا مشكلة في ذلك، لكنَّ الإشكال إذا كانت لا تستطيع تأجيل موعد السفر، فماذا تفعل في هذه الحالة، هي مرتبطة بطائرةٍ ستقلع في يوم بعينه، أو بقافلة من السيارات مع المطوِّف؟
بعض العلماء شدَّد في هذا، وجعل الطهارة شرط من شروط الطواف، فإنْ طاف الحاجُّ أو المعتمر بغير طهارة، لم يصحَّ طوافه، وعليه أن يعيده، وهو رأي الشافعي ومالك.
وبعضهم رخَّص، وقال: إنَّ الطهارة واجب في الطواف، وليست شرطًا، والواجب يُجبَر بهدي، وهو رأي الأحناف، واختلفوا فيما يجب عليه من الهدي، فقال أبو حنيفة: الجنب والحائض عليهما بدنة (بقرة أو بعير أو ناقة) والمحدث عليه شاة(3). وفي إحدى الروايتين عن أحمد على الجميع دم (أقله شاة). وقال الإمام ابن تيمية في «فتاواه» وتلميذه ابن القيِّم في «إعلام الموقعين»: إذا كانت عاجزة عن الطواف بالطهارة فماذا عليها؟ الله تعالى يقول: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذه ليس في استطاعتها أن تطهر. أي: ليست مختارة في هذا الأمر، فعليها أن تغتسل وتتحفظ جيدًا، وتطوف بالبيت في آخر وقت يمكنها، ولو بغير الطهارة، وإن ذبحت شاة أو فدت فهذا أحوط، وإن لم تفعل فلا شيء عليها، وهذا هو المستطاع.
قال ابن القيِّم في إعلام الموقعين في أثناء حديثه على أنَّ الشريعة مبنيَّة على مصالح العباد: «تطوف بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافق كما تقدم؛ إذ غايته سقوط الواجب، أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز، ولا حرام مع ضرورة»(4).
الشروط تسقط عند العجز:
ويقول ابن تيمية: «ومن قال: إنَّ الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه ـ هو لا يقول بأنَّ الطهارة شرط في الطواف، بل يقول: إنَّها واجب من واجباته ـ فليس كونها شرطًا فيه، أعظمَ من كونها شرطًا في الصلاة، ومعلوم أنَّ شروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى»(5).
كلُّ الشروط يقال فيها: هذا شرط مع القدرة، فستر العورة، مثلًا شرط في صحَّة الصلاة، ولكن لو قُدِّر أنَّ إنسانًا في مكان لا يجد ما يستر به عورته، كأن أشرف على الغرق، ثمَّ نجّي من الغرق، وخرج في جزيرة، ولم يجد شيئًا يستر به عورته، ويريد أن يصلِّي، فما الحكم في هذه الحالة؟ الحكم أن يصلِّي كيف استطاع، لو وجد حشائش أو شيئًا وضعه على عورته وصلَّى، فإن لم يجد شيئًا صلَّى عريانًا، هذا هو المستطاع بالنسبة له، وليس مطلوبًا منه أن يفعل أكثر ممَّا في استطاعته.
كذلك طهارة الثوب والبدن والمكان؛ شرط في صحَّة الصلاة، فإذا كان إنسان في ثوبه نجاسة، ولم يجد شيئًا يزيلها به، فإنَّه ـ أيضًا ـ يصلِّي كيف استطاع، كذلك الوضوء، إذا استطاع أن يتوضأ توضَّأ، ولكن لو فُرِض أنَّ إنسانًا لا يستطيع أن يتوضأ؛ لأنَّ يده مقطوعة، ولم يجد من يوضِّئه، فإنَّه يصلِّي بلا وضوء، وليس مطلوبًا أن يأتي بمن يوضِّئه، فالشروط تسقط عند العجز.
فالمرأة المسلمة الَّتي يأتيها الحيض ـ وهذا سنة من سنن الله تأتي لبنات آدم كما قال النبي ـ إذا كانت تخشى أن يفوتها الركب، وتنقطع عن رفقتها، ولا يمكن لها أن تعود وحدها، ففي هذه الحالة تطوف وإن لم تكن قد طهُرت، وينبغي أن تغتسل وتتحفظ، حتَّى لا ينزل منها دم أو شيء، وتطوف مع الطائفين، هذا بالنسبة لطواف الركن، وهو طواف الإفاضة.
طواف الوداع:
أمَّا طواف الوداع، الَّذي هو آخر طواف يطوفه الحاج، فالإنسان إذا حجَّ أو اعتمر عليه ألَّا يترك مكَّة حتَّى يكون آخر عهده بها الطواف بالبيت، بعد أن يحزم أمتعته ويستعد للسفر، ويشتري أغراضه، فجمهور العلماء ـ كما بيَّنَّا ـ يقول: إنَّه سُنَّة. وبعضهم يقول: إنَّه واجب؛ لأنَّ النبيَّ أمر الحجاج أن يكون آخر عهدهم بمكة الطواف بالبيت، إلّا الحائض، فالحائض ليس عليها طواف الوداع، وقد قلنا: إنَّ طواف الإفاضة الَّذي هو الطواف الركن، ليس هناك مانع من أن تطوف وهي حائض للضرورة؛ لأنَّه ركن، أمَّا طواف الوداع الَّذي هو سنة أو واجب، فيسقط عنها.
عن عائشة # ، أنَّ صفية بنت حيي زوج النبي حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ، فقال: «أحابستنا هي؟». قالوا: إنَّها قد أفاضت، قال: «فلا إذن»(6). وفي رواية: فقال النبيُّ : «فلتنفر»(7). أي: ترحل؛ لأنَّها ليس عليها طواف الوداع.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة