2026-06-13
1,035
استلام الحجر الأسود
ما سبب تقديس المسلمين للحجر الأسود، رغم أنَّه حجر لا يضرُّ ولا ينفع؟ ما أصل هذا الحجر؟ وما سبب تقديسه؟
إبراهيم سيد التاجر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المسلمون لا يقدِّسون الحجر الأسود، ولا يعتقدون أنَّه حلَّ فيه رُوح الإلٰه، أو سرُّ الإلٰه، كما يعتقد الوثنيُّون في الأصنام، وإنَّما ينظر المسلمون إلى هذا الحجر على أنَّه بداية الطواف، فهو علامة من عنده يبدأ الطواف.
والحجر الأسود له رمزيَّته، كما جاء في بعض الأحاديث: «الحجرُ الأسود كأنَّه يمين الله في الأرض، يصافحُ بها عباده»(1). كما ورد في حديث ضعيف، فكأنَّ الإنسان حينما يذهب إلى هذا الحجر، كأنَّه يبايع الله 4 ويعاهده.
وقد جاء في بعض الأحاديث: عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي هذا الحجر يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد لمن استلمه بحقٍّ»(2). وقد ورد أنَّ ابن عمر كان إذا استلم الحجر الأسود قال: اللهمَّ إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك وسُنَّةِ نبيِّك ﷺ (3).
وورد مثل ذلك عن عمر(4) وعن ابن عبَّاس(5).
والمسلم يدعو الله عند استلام الحجر، فيقول: إيمانًا بك، لا بالحجر. واتباعًا لنبيك، لا للخرافات. وتصديقًا بكتابك، لا بالأوهام ولا بالأباطيل.
فهذا هو الَّذي يدعو به المسلم اللهَ، وهو عند الحجر، فهو يدعو الله، ولا يدعو الحجر، فليس في هذا أدنى صلة بالوثنية كما يظن الظانون.
الرمزية في الحج:
والحج يشتمل على أمور كثيرة رمزية، فاستلام الحجر ـ كما قلنا ـ يرمز إلى مبايعة الله ومعاهدته، وهو علامة على بداية الطواف.
واللغة الرمزية لغة عالمية، والناس في القديم، وفي الحديث، وفي كل بيئة متحضرة أو غير متحضرة: يعرفون معنى الرمز، فالإنسان ـ مثلًا ـ حينما يحيِّي علم بلاده، هل قيمة العلم أنَّه مجرد قطعة من القماش؟ لا فالعلم رمز للدولة، ولو أنَّ إنسانًا داس علم بلد معين لاعتبره أهل هذا البلد أنَّه أهانهم وأهان بلدهم، لم يعتبروه أهان هذه الخرقة من القماش، إنَّما أهان رمز بلدهم.
والإنسان عندما يأتيه من إنسان يحبُّه كتاب أو شيء تذكاري، يحتفظ به، ويقبِّله، وربَّما علَّقه في مكان بارز في بيته، فهذا كله لماذا؟ للمعنى الَّذي يحمله؛ لأنَّه رمز لشيء، ولعلاقة معينة، ولصلة طيبة، ولحب متبادل، كما قال مجنون ليلى قديمًا(6):
أمرُّ على الدِّيارِ ديارِ ليلى
أقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارَا
وما حبُّ الديارِ شَغَفْنَ قَلْبي
ولكن حبُّ من سَكَنَ الدِّيَارَا
هو عندما يقبِّل الجدار لا يعتقد أنَّ الجدار فيه سر، إنَّما الَّذي يحب شيئًا يحب كل ما جاء من قِبَله، فكذلك تقبيل الحجر الأسود، هو معنًى رمزي، ما هو عبادة للحجر، ولا تقديس له، وقد قال عمر 3 حينما قبَّل الحجر: إنِّي أعلمُ أنَّك حَجَر، لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت النبيَّ ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك(7).
فهذا هو شعور عمر، وشعور كل مسلم حينما يقبِّل الحجر.
من ألوان التعبُّد:
ثم إنِّي أريد أن أقول شيئًا في أمور الحج بصفة عامة: هناك ألوان من التعبد في هذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الحج، الإنسان يفعلها طاعة لله عز وجل؛ لأنَّ الله 4 يبتلي عباده في العقائد بأن يؤمنوا بالغيب، بأمور غيبيَّة لم ترها أعينهم، نؤمن بأنَّ هناك جنةً ونارًا، وإن لم نرَ الجنَّة والنار، وأنَّ هناك ملائكة، وإن لم نرَ الملائكة، فكلُّ هذا من الإيمان بالغيب، عليك أن تقول: آمنَّا بالغيب. كلُّ ما جاء به القرآن، وصحَّت به السُّنَّة، وأخبر به المعصوم، ولم يكن في تصديقه أمر محال عقلًا؛ يجب الإيمان به قطعًا.
كذلك الأمر في أمور العبادات، وأمور التكاليف العمليَّة، فالله تعالى يبتليك بأن تعمل شيئًا وإن لم يدرك عقلك كل الحكمة منه، تعرف الحكمة إجمالًا، لكن لا تعرف التفاصيل، تصلِّي الظهر أربعًا والفجر اثنتين والمغرب ثلاثًا، وهناك صلوات جهريَّة، وصلوات سرية، تطوف حول البيت سبعًا، وتقف في عرفة في يوم معين! لماذا تفعل هذا؟ تعبُّدًا لله، وإعلانًا للعبودية له، أنَّه ربٌّ وأنت عبد، يأمرك فتطيع، أمَّا لو عرف الإنسان الحكمة التفصيلية في كل عبادة وشعيرة؛ لكان الإنسان في هذه الحالة يطيع عقله، ولا يطيع ربه.
والمسلم المؤمن حينما يؤمر عليه أن يقول: سمعنا وأطعنا؛ وإن لم يدرك الحكمة.
يقول الله له: لا تأكل لحم الخنزير؛ فإنَّه رجس. فيقول: سمعنا وأطعنا؛ وإن لم يعرف السبب، قد يأتي العلم بعد عشرة قرون، أو ثلاثة عشر قرنًا ويقول: إنَّ لحم الخنزير فيه الدودة الشريطية، وآكله يصاب بكذا!
ولكن سواء أَظْهَرَ العلم ذلك أم لم يظهره؛ فالمسلم يقول: سمعنا وأطعنا. لأنَّه يعرف أنَّ الله لم ينهه عن هذا الشيء إلّا لأنَّه قبيح، ولأنَّه رجس، ولأنَّ فيه مضرة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، فكذلك أمور الحج.
(1) رواه ابن خزيمة في المناسك (2737)، والطبراني في الأوسط (563)، والحاكم في الصوم (1/457)، وصحَّحه، وقال الذهبي: ابن المؤمل واهٍ. والبيهقي في الأسماء والصفات (729)، ضمن حديث بلفظ: «وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه». ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (7/338)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (52/217)، عن جابر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2771) باللفظ المذكور، بزيادة: «يصافح بها عباده» الحديث. رواه عبد الرزاق في المناسك (8919) موقوفًا. وقال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (5/239): معروف من كلام ابن عباس، وروي مرفوعًا، وفي رفعه نظر.
(2) رواه أحمد (2215)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح. والترمذي (961)، وابن خزيمة (2735)، وابن حبان (3712)، ثلاثتهم في المناسك.
(3) رواه الطبراني في الأوسط (5486)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5471): رجاله رجال الصحيح.
(4) رواه ابن أبي شيبة في الدعاء (30244).
(5) رواه عبد الرزاق في المناسك (8898).
(6) انظر: شرح أبيات مغني اللبيب للسيوطي (7/103، 104)، تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد يوسف دقاق، نشر دار المأمون للتراث، بيروت.
(7) سبق تخريجه صـ 14.