حول الكوارث المتكرِّرة في رمي الجمرات

❓ حول الكوارث المتكرِّرة في رمي الجمرات

📅 2026-06-13 👁 1,017 مشاهدة

نص السؤال:

هناك مشكلة حقيقيَّة في رمي الجمرات أثناء موسم الحج؛ فقد أصبحت أرواح تُزهق، ومسلمون يموتون بسبب الزحام، وانتهى الخشوع وانتهى التذكُّر، وأصبح النَّاس يخافون من رمي الجمرات، وهمُّهم الأكبر كيف ينجون بدون إصابة ويبقوا أحياء، فهل هناك فتوى يجمع عليها العلماء أن يجوز رمي الجمرات طول اليوم؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا شكَّ أنَّ ما حدث في موسم حجِّ هذا العام، وما حدث منذ سنتين قبل ذلك، من موت مئات من المسلمين عند رمي الجمرات: أمر تنفطر له الأكباد حسرة، وتتقطَّع عليه القلوب حزنًا، وأنا أشهد أنَّ المملكة قد بذلت ـ وتبذل ـ من الجهود والتيسيرات للحجيج ما لا ينكره إلَّا مكابر أو جاحد.
فمع التوسعة الهائلة للحرمين الشريفين، قد حفرت من الأنفاق، وأنشأت من الطرقات، وأقامت من الجسور، وهيَّأت من المرافق والخدمات: ما يشهده كل ذي عينين، وما يعترف به الموافق والمخالف.
ومع ذلك تحدث هذه المآسي الَّتي يندى لها الجبين، فما الحل؟ وما العلاج حتَّى لا تتكرَّر هذه الكوارث؟
لا بدَّ لأهل العلم والفكر من ناحية، وأهل السياسة والتنفيذ من ناحية أخرى: أن يفكروا في إيجاد حلٍّ مناسبٍ لهذه المشكلة، وقديمًا قال الناس: كلُّ عقدة لها حلَّال. وفي الحديث: «ما أنزل الله داءً إلَّا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله»(1). وهذا ينطبق على المعنويَّات، كما ينطبق على الماديات، وينطبق على الجماعات، كما ينطبق على الأفراد.
تقليل العدد إن أمكن:
وأول هذه الحلول في نظري: أن نقلِّل من عدد الحجَّاج ما أمكننا، وخصوصًا الحجاج الَّذين حجُّوا قبل ذلك حجَّة الفريضة، وربَّما حجّ كثير منهم مرَّات ومرَّات. وأن نوعّي هؤلاء بأنَّ أفضل لهم من حجِّ النافلة، أن يتبرَّعوا بمبلغ الحج لإخوانهم المسلمين، الَّذين يموتون من الجوع، ولا يجدون ما يمسك الرمق، أو يطفئ الحرق، أو الَّذين يحتاجون إلى «مدرسة» يعلِّمون فيها أبناءهم فلا يجدونها، وبجوارهم مدارس «التنصير» تعرض عليهم أن تعلِّمهم مجانًا فيرفضون، أو الَّذين يحتاجون إلى «مستشفى» لعلاجهم من الأمراض المتفشية بينهم، أو إلى «مصنع» يشتغل فيه العاطلون من أبناء المسلمين، ويساهم في تنمية مجتمعاتهم، أو إلى «دار للأيتام» تكفل من مات آباؤهم ولم يتركوا لهم شيئًا يعيشون به.. إلى آخر ما يحتاج إليه المسلمون في أفريقيا وآسيا، وغيرهما من البلاد، وهم يفتقرون إلى الكثير والكثير.
ولو فقه المسلمون الَّذين يحجُّون للمرَّة السابعة أو العاشرة أو العشرين دينهم حقًّا، وعلموا أنَّ إطعام الجائع، وكسوة العريان، ومداواة المريض، وتعليم الجاهل، وتشغيل العاطل، وإيواء المشرد، وكفالة اليتيم، وإغاثة اللهفان: أحبُّ إلى الله تعالى من حجِّ النافلة، ما تزاحموا على الحج، وتركوا هذه القربات العظيمة، الَّتي أراها فرائض على المسلمين قصَّروا فيها، وقد اتفق علماء الأمة على هذه القاعدة: إنَّ الله لا يقبل النافلة حتَّى تؤدَّى الفريضة(2).
وقد قال الربانيون: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور(3).
ومن ذلك: أن يحدد عدد الَّذين يحجون من داخل المملكة، فهم يشكلون جمًّا غفيرًا، وكمًّا كبيرًا، وتستطيع السلطة في المملكة بوسيلة وأخرى أن تقلِّل من هذه الأعداد. وقد فعلت المملكة شيئًا من ذلك في السنوات الماضية بالنسبة للمقيمين فيها والعاملين بها، وبقي أن نتخذ شيئًا مناسبًا بالنسبة للمواطنين، وقد قرأت في الصحف أنَّ هناك اتجاهًا لجعل الحج لأبناء المملكة كل خمس سنوات. ولا أدري هل صدر في ذلك قرار أوْ لا؟ وهو توجُّه معقول ومفيد.
أمَّا فكرة تقليل عدد الحجاج من كل دولة حسبما اتفق عليه مع منظمة المؤتمر الإسلامي، من نسبة معينة لكلّ دولة، فلا أرى هذا ملائمًا الآن، فإنَّ الَّذي أعلمه أنَّ كثيرًا من الأقطار تطالب بزيادة نصيبها، لشدة الضغط عليها من الراغبين في الحج، ولهذا تضطر هذه البلاد لإقامة «قُرعة» بين طلاب الحج، والغالب أنَّ هذه القرعَة تكون بين الَّذين يطلبون الحج لأول مرَّة، وإن كان هناك كثيرون من الَّذين حجوا قبل ذلك، يجدون لهم طرقًا وأساليب يستطيعون بها أن يحققوا رغبتهم في الوصول إلى الأراضي المقدسة.
إجازة الرمي قبل الزوال:
وهناك أمر آخر في غاية الأهمية، وهو منوط بأهل العلم والفقه في هذه الأمة، وهو: أن نوسع في زمن الرمي ما وسَّع لنا الشرع في ذلك، حيث لا نستطيع أن نوسِّع المكان، إذ المرمى صغير كما هو معلوم، ثمَّ لا بدَّ أن يكون الرمي من مسافة قريبة، حتَّى يقع الحصى في المرمى، ولا يصيب النَّاس فيؤذيهم.
وما دام العدد كبيرًا، والمكان محدودًا، فليس أمامنا إلّا توسيع الزمان، وهو: إجازة الرمي من الصباح إلى ما شاء الله تعالى من الليل.
وقد أجاز الإمام أبو حنيفة الرمي يوم النفر من منى من الصباح، فيرمي، ثمَّ يحزم أمتعته لينزل إلى مكَّة(4).
وإذا كان معظم النَّاس يتعجَّلون في يومين، كما قال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ[البقرة: 203]، فلم يبق إلّا يوم واحد، هو اليوم الثاني من أيام النحر.
وقد قال ثلاثة من كبار الأئمَّة بجواز الرمي قبل الزوال في الأيام كلها، وهم: عطاء: فقيه مكة، وفقيه المناسك، وأحد فقهاء التابعين.
وطاوس: فقيه اليمن، وأحد فقهاء التابعين، وهو وعطاء من تلاميذ حَبْر الأمة عبد الله بن عباس(5)، وكذلك هو رأي أبي جعفر الباقر(6)، من أئمة أهل البيت، وفقهاء الأمة المعتبرين.
بل قال هذا بعض المتأخرين من فقهاء المذاهب من الشافعية والمالكيَّة والحنابلة(7)، وهو رواية عن الإمام أحمد(8).
وهم لم يروا ما رأينا من الزحام، وموت النَّاس تحت الأقدام، فكيف لو شهدوا ما شهدنا؟!
لقد قرَّر المحقِّقون من علماء الأمة: أنَّ الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان وحال الإنسان، وكلنا يؤمن بهذه القاعدة ويرددها، ويعدها من محاسن هذه الشريعة، فما لنا لا نطبقها، وهذا أوانها؟!
ومما يؤكدها: أنَّ هذه الملة حنيفية سمحة، وأنَّها قامت على اليسر لا على العسر، ولم يجعل الله في هذا الدين من حرج، وأنَّ الرسول قال: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا»(9).
وقال: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين، ولم تبعثوا مُعَسِّرين»(10).
وما سئل في حجَّة الوداع عن أمر في الحج قُدِّم أو أُخِّر، إلّا قال للسائل: «افعلْ، ولا حرج»(11).
وقد قرَّر العلماء عدَّة قواعد كلّها ينفعنا في هذه القضية. منها قولهم: التكليف بحسَب الوُسْع، والمشقَّة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتَّسع، والضرورات تبيح المحظورات، ولا ضرر ولا ضرار(12).
ومما يؤكِّد ذلك أنَّ المقصود من الرمي هو ذكر الله تعالى، كما جاء في الحديث: «إنَّما جُعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله»(13).
وكان النبيُّ يرمي الجمرة الأولى، ويقف طويلًا يدعو الله سبحانه، وكذلك في الجمرة الثانية. فهل يمكن لأحد في هذه الأمواج المتلاطمة من الزحام أن يقف ويدعو؟
وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى:﴿وَاذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ[البقرة: 203]. قال: واليوم باتفاق يبدأ من الصباح، بعد الفجر، أو بعد الشمس.
وقد رمى النبي يوم النحر جمرة العقبة في الصباح، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس، وهو خارج لصلاة الظهر. ولهذا كان الرمي بعد الزوال سنة عنه، ولكن لم يأت نهي منه ! عن الرمي قبل ذلك.
على أنَّ الرمي ليس من أساسيات الحج، فهو يتم بعد التحلل الثاني من الإحرام بالحج، وتجوز فيه النيابة للعذر، وأجاز فقهاء الحنابلة أن يؤخِّر الرمي كله إلى اليوم الأخير(14). وكل هذا يدل على التسهيل فيه، وعدم التشديد.
وحديث عروة بن مضرّس الطائي الَّذي رواه أصحاب السنن؛ وقد أدرك النبي في صلاة الفجر بمزدلفة، وسأله عن حجِّه، فقال: «من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتَّى ندفع (أي إلى منى وطواف الإفاضة)، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه، وقضى تَفَثَه»(15). والرمي إنَّما يأتي بعد ذلك.
رسالة «يسر الإسلام» لابن محمود:
وقد ألَّف العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ـ رئيس المحاكم الشرعيَّة في قطر 5 ـ رسالة في المناسك سمَّاها «يُسر الإسلام» أجاز فيها الرمي قبل الزوال، ودلل على ذلك باعتبارات وأدلة شرعية قوية، وإن كان مشايخ المملكة ـ وعلى رأسهم المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم 5 ـ قد عارضوه وردوا عليه، وذلك منذ نحو 40 عامًا، ولكنِّي أرى الدليل مع ابن محمود، والضرورة توجب ترجيح فتواه.
من أدلَّة ابن محمود:
ولا يسعني هنا إلّا أن أذكر أهم ما استند إليه الشيخ ابن محمود في رسالته تلك من أدلة شرعية، واعتبارات مرعية، مستمدة من نصوص الشريعة السمحة، وقواعدها الضابطة، ومقاصدها الحاكمة. قال 5 : فبما أنَّه ثبت عن رسول الله أنَّه نحر يوم العيد ضُحًى، وحلق يوم العيد ضُحى، وطاف طواف الإفاضة يوم العيد ضُحى، وسكت عن التحديد، فجعله العلماء موسعًا يُفعل في أيِّ ساعةٍ من أيام التشريق، فكذلك الرمي. ويدل لذلك ما روى البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن وَبَرَة قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟ فقال: إذا رمى إمامك فارمه. فأعدتُ عليه المسألة، فقال: كنَّا نتحيَّن، فإذا زالت الشمس رمينا. فهذا ابن عمر الَّذي هو أحرص النَّاس على اتباع السُّنَّة، قد أحال هذا السائل على اتباع إمامه فيه عند أول سؤاله، لعلمه بسعة وقته، ولو كان يرى أنَّه محدد بالزوال كوقت الظهر لما وسعه كتمانه؛ لأنَّ العلم أمانة(16).
وعلَّق الشيخ ابن محمود على الفقهاء الَّذين ضيقوا في زمن الرمي، حتَّى إنَّ كثيرًا منهم جعلوا وقته من الزوال إلى الغروب، وهو وقت ضيق جدًّا، ومنهم من وسع بعد الغروب، ولكن منع الرمي قبل الزوال في كل حال، فقال ـ وأجاد فيما قال 5 ـ: «ولو فكروا في نصوص الدين بإمعان ونظر، لوجدوا فيه الفرج من هذا الحرج؛ لأنَّ نصوص الدين كفيلة بحلِّ كل ما يقع النَّاس فيه من الشدَّات والمشكلات.
يؤكده أنَّ الرمي أيام التشريق يقع بعد التحلل الثاني من عمل الحج، بحيث يُباح للحاج أن يفعل كل شيء من محظورات الإحرام حتَّى النكاح. ولكون الإنسان إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق رأسه، فقد تحلَّل التحلل الأول؛ لحديث عائشة: أنَّ النبيَّ قال: «إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم الطيب وكلُّ شيء؛ إلّا النساء»(17). فإذا طاف طواف الإفاضة، فقد تحلَّل التحلل الثاني، بحيث لو مات لحكم بتمام حجِّه، فناسب التسهيل وعدم التشديد في التحديد، إذ هي من فروع المسائل الاجتهادية.
يوضِّحه أنَّ الفقهاء من الحنابلة والشافعية قالوا: إنَّه لو جمع الجمار كلها حتَّى جمرة العقبة يوم العيد فرماها في اليوم الثالث من أيام التشريق أجزأت أداءً، لاعتبار أنَّ أيام منى كلها كالوقت الواحد، قاله في «المغني»(18) و«الشرح الكبير»(19)، وكذا في «الإقناع»(20) و«المنتهى»(21)، وهو المذهب، وحكى النَّووي في «المجموع»(22): أنَّه الظاهر من مذهب الشافعي.
فمتى كان الأمر بهذه الصفة، وأنَّ أيام منى كالوقت الواحد حسبما ذكروا، فإذنْ لا وجه للإنكار على من رمى قبل الزوال والحالة هذه، فإنَّ من أنكر الرمي قبل الزوال أو بالليل بحجة مخالفتها لفعل النبي وفعل أصحابه، وقال بجواز رميها مجموعة في اليوم الثالث، فإنَّه من المتناقضين الَّذين يرجِّحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه، فإنَّ رمي كل يوم في يومه ـ ولو قبل الزوال ـ أقرب إلى إصابة السُّنَّة، بحيث يصدق عليه أنَّه رمى في اليوم الَّذي رمى فيه رسول الله، لا سيَّما إذا صحب هذا الرمي ما يترتب عليه من الذكر والتكبير والدعاء والتضرع، بخلاف جمعها ثمَّ رميها في اليوم الثالث في حالة الزحام، حتَّى لا يدري أصاب الهدف أم وقعت بعيدًا منه، فإنَّ جمعها ثمَّ رميها في اليوم الثالث؛ إنَّما ورد في حقِّ المعذورين برعاية الإبل، من أجل غيبتهم عن منى، على أنَّ كُلًّا من الأمرين صحيح إن شاء الله، لدخول النَّاس كلهم في واسع العذر بداعي مشقَّة الزحام، والخوف من السقوط تحت الأقدام.
وكل من تأمل الفتاوى الصادرة من النبي بعد التحلل الثاني يجدها تتمشى على غاية السهولة واليسر. فقد استأذنه العباس في أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له(23). على أنَّ هذا الإذن مستلزم لترك واجبين، وهما: المبيت والرمي، ولم يأمره في أن يستنيب من يرمي عنه، ولا من يسقي عنه، على أنَّ الاستنابة في كلا الأمرين ممكنة.
وقيل له: إنَّ صفية قد حاضت. قال: «فهل طافت طواف الإفاضة؟». قالوا: نعم. قال: «فلتنفر إذنْ»(24). فأسقط عنها طواف الوداع، وهو معدود من الواجبات، ولم يأمرها في أن تستنيب من يطوف بدلها.
ورخَّص لرعاة الإبل في المبيت عن منى، بأن يرموا يوم النحر، ثمَّ يجمعوا جمار الأيام الثلاثة، يرمونها يوم النفر في أيِّ ساعةٍ شاؤوا من ليل أو نهار.
حديث: خذوا عني مناسككم:
وأمَّا الاستدلال بحديث: «لتَأْخذوا عنِّي مناسككم»(25). وأنَّ الرمي بعد الزوال هو من المناسك الَّتي فعلها النبي ، والَّتي أمر أن تؤخذ عنه.
فالجواب: أنَّ هذه كلمة جامعة، فإنَّ المناسك الَّتي نسكها رسول الله والَّتي أمر أن تُؤخذ عنه، تشمل الواجبات والمستحبات، مثل الاغتسال للإحرام، والتلبية والاضطباع في الطواف والرمل، وتقبيل الحجر، وصلاة ركعتي الطواف، وغير ذلك من العبادات الَّتي نسكها رسول الله في حجِّه وهي من المستحبات، وكل من عرف قواعد الشريعة وأصولها المعتبرة وما تشتمل عليه من الحكمة والمصلحة والرحمة، ومنافاتها للحرج والمشقَّة، عرف حينئذٍ تمام المعرفة: أنَّ في الشريعة السمحة ما يخرج النَّاس عن هذه الشدة والمشقَّة، الَّتي يعانيها النَّاس عند الجمار؛ لأنَّ الدين عدل الله في أرضه ورحمته لعباده، لم يشرعه إلّا لسعادة البشر في أمورهم الرُّوحيَّة والجسدية والاجتماعيَّة. ومن قواعده أنَّه إذا ضاق الأمر اتسع، والمشقَّة تجلب التيسير(26). قال تعالى:﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ[الحج: 78]، ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ[البقرة: 185].
فهذه المشقَّة الَّتي يعانيها النَّاس عند الجمار لا يجوز نسبة القول بها إلى الشرع؛ إذ لا دليل على هذا التحديد، لا من الكتاب ولا من السُّنَّة، ولا قياس ولا إجماع.
غاية القول فيها أنَّه جرى على حسب الاجتهاد من الفقهاء الَّذين ليسوا بمعصومين من الخطأ، وليس من كلام رسول الله الَّذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ[النجم: 4]. فإن رمى النبي وخلفاؤه وأصحابه فيما بين الزوال إلى الغروب، هو بمثابة وقوفهم بعرفة فيما بين الزوال إلى الغروب، على أنَّه لم ينته بذلك حدُّ الوقوف، بل الليل كله وقت للوقوف.
وبما أنَّ الرمي من واجبات الحج، فإنَّه يتمشى مع نظائره من الواجبات مثل النحر والحلق والتقصير، فيدخل بدخولها في الزمان، ويجاريها في الميدان، إذ الكل من واجبات الحج الَّتي يقاس بعضها على بعض عند عدم ما يدل على الفرق. وقد دلت نصوص الشريعة السمحة على أنَّ الصواب في مثل هذه المسألة هو وجوب التوسعة، وعدم التحديد بالزوال، بل يجوز قبله وبالليل، كما دلت عليه نصوص طائفة من العلماء، فلم تُجمع الأئمَّة ولله الحمد على المنع، ولا على وجوب هذا التحديد، إذ كانوا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرسول، فيتبيَّن لهم بذلك كمال دين الله وحكمة شريعته، وكونه صالحًا لكلّ زمان ومكان، قد نظم حياة النَّاس أحسن نظام، في شؤون عباداتهم، من حجهم وصلاتهم وصيامهم.
الموسعون في وقت الرمي من العلماء:
وبالجملة، فإنَّ القول بجواز الرمي أيام التشريق قبل الزوال مطلقًا هو: مذهب طاوس وعطاء، ونقل في «التحفة» عن الرافعي ـ أحد شيخي مذهب الشافعي ـ الجزم بجوازه، قال: وحققه الإسنوي، وزعم أنَّه المعروف مذهبًا.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنَّه يجوز الرمي قبل الزوال للمستعجل مطلقًا، وهي رواية عن الأمام أحمد، ساقها في «الفروع» بصيغة الجزم بقوله: وعنه: يجوز رمْيُ متعجل قبل الزوال(27)، قال في «الإنصاف»: وجوَّز ابن الجوزي الرمي قبل الزوال(28)، وقال في «الواضح»: ويجوز الرمي بعد طلوع الشمس في الأيام الثلاثة، وجزم به الزركشي.
ونقل في «بداية المجتهد» عن أبي جعفر محمد بن علي، أنَّه قال: رمي الجمار من طلوع الشمس(29).
وروى الدارقطني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسول الله أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل، أو أية ساعة من النهار(30).
قال الموفق في كتابه «الكافي»: وكل ذي عذر من مرض، أو خوف على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا؛ لأنَّهم في معناهم. قال: فيرمون كل يوم في الليلة المستقبلة، قال في «الإنصاف»(31): وهذا هو الصواب، وقال في «الإقناع»(32) و«المنتهى»(33): وهو المذهب.
فعلم من هذه الأقوال: أنَّ للعلماء المتقدمين مجالًا في الاجتهاد في القضية، وأنَّهم قد استباحوا الإفتاء بالتوسعة، فمنهم من قال بجواز الرمي قبل الزوال مطلقًا، أي سواء كان لعذر أو لغير العذر. ومنهم من قال بجوازه لحاجة التعجل، ومنهم قال بجوازه لكلّ ذي عذر، كما هو الظاهر من المذهب.
فمتى أجيز لذوي الأعذار في صريح المذهب أن يرموا جمارهم في أية ساعة شاؤوا من ليل أو نهار، فلا شك أنَّ العذر الحاصل للناس في هذا الزمان، من مشقَّة الزحام، والخوف من السقوط تحت الأقدام، أنَّه أشدُّ وآكدُ من كل عذر، فيدخل به جميع النَّاس في الجواز، بنصوص القرآن والسُّنَّة وصريح المذهب، والنبي ما سُئل يوم العيد ولا في أيام التشريق عن شيء من التقديم والتأخير إلّا قال: «افعلْ ولا حرج»(34)، فلو وجد وقت نهي غير قابل للرمي أمام السائلين لحذرهم منه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، فسكوته عن تحديد وقته هو من الدليل الواضح على سعته.
والدين ما شرعه الله ورسوله، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عفوه واحمدوا الله على عافيته،﴿وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ[البقرة: 195]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا[النساء: 29](35) اهـ.
هذا ما قاله ابن محمود قبل أربعين عامًا، ولم يرَ من الزحام ما رأينا اليوم، حتَّى يموت النَّاس بالمئات تحت الأقدام؛ فكيف والحالة كما نرى ونسمع؟!
توعية الحجاج:
وأرى أنَّ على العلماء في كل بلد أن يقوموا بمهمة توعية الحجاج ـ مصاحبين لهم في رحلتهم، وقبل أن يسافروا لأداء شعيرتهم ـ بما يجب عليهم من الرفق والسكينة، وعدم استخدام العنف، فإنَّ الله يحبُّ الرفق في الأمر كله، وما دخل الرفق في شيء إلّا زانه، ولا دخل العنف في شيء إلّا شانه، ويبيِّنوا لهم أنْ لا ضرورة للتكدُّس لرمي الجمرات في وقت معين، وأنَّ الرمي يجوز في كل الأوقات، وعليهم أن يوزعوا أنفسهم على أوقات اليوم.
وإذا وافق المشايخ في المملكة على جواز الرمي قبل الزوال، تستطيع السلطات أن تتفق مع المطوِّفين: أن ينظِّموا أوقات الرمي لمن معهم، بحيث يتوزعون على أوقات اليوم، ولا يتكدسون عند الزوال، كما هو المشاهد.
كما ينبغي ترغيب بعض الحجاج في التأخُّر، وعدم التعجُّل، حتَّى لا يتزاحموا في اليوم الثاني، استعجالًا للنزول إلى مكة، فلو بقي عدد معقول إلى اليوم الثالث، لساهم في تخفيف الزحام.
أسأل الله تعالى أن يفقِّه المسلمين في دينهم، وأن يبصِّرهم بفقه الموازنات، وفقه الأولويات، حتَّى يعرفوا مراتب الأعمال، ويعطوا لكلّ منها قيمته، من غير وكس ولا شطط. والحمد لله أولًا وآخرًا.
← العودة لقسم 6- الحج والعمرة