2026-06-13
1,061
آداب العيد
ماذا عن آداب العيد؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نحن المسلمين أعيادنا تتميَّز بمعنيين كبيرين: المعنى الرباني، والمعنى الإنساني. ففي بعض الأديان الأخرى نرى الأعياد عندها انطلاقًا لشهوات الناس؛ فيفعلون المنكرات، ويرتكبون المحرَّمات، وينتهكون الحرمات، ويشربون المسكرات.
المعنى الرباني:
فالعيد عندنا يبدأ بالصلاة: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويزيَّن بالتكبير: «زيِّنوا أعيادَكم بالتكبير»(1)، ويبدأ التكبير في عيد الفطر من غروب شمس ليلة العيد، وينتهي بالشروع في صلاة العيد.
وفي عيد الأضحى يبدأ التكبير المقيَّد بعقب الصلوات من فجر يوم عرفة إلى عصر رابع أيام العيد، أمَّا التكبير غير المقيَّد فمشروع في أي وقت، فالمسلم عليه أن يراعي المعنى الرباني.
والمعنى الإنساني: الإسلام شرع في عيد الفطر: صدقة الفطر طعمةً للمساكين وإسعافًا لهم، وشرع في عيد الأضحى الأضحية، ليوسِّع الإنسان على نفسه وأهله، وعلى الفقراء من حوله، يريد الإسلام أن يطعم هؤلاء اللحم، لا أن يعيشوا على النبات فقط، بل أيضًا اللحم، فشرع الأضحية.
فينبغي للمسلم أن يذكر هؤلاء الفقراء في فرحة العيد، لا يجعل العيد مقصورًا على نفسه، وينسى هؤلاء، فهذا من الأشياء المطلوبة في العيد.
كذلك من آداب يوم العيد: أن يغتسل المسلم؛ لأنَّ الإسلام يريد من الإنسان أن يكون نظيفًا، خصوصًا في التجمُّعات؛ كصلاة الجمعة، وصلاة العيد. وعندما يلقى النَّاس لا يلقاهم برائحة كريهة، أو بثياب تقزِّز النفس، إنَّما يلقاهم وهو مغتسل متجمِّل، بثوب غير ثوب مهنته، لا يكون قد أكل شيئًا قد تظهر رائحته؛ مثل الثوم والبصل، فالنبي ﷺ قال: «من أكل شيئًا من هذا، فلا يقربنَّ مصلَّانا»(2)، أي: يبتعد عنَّا حتَّى لا يؤذي النَّاس بالرائحة الكريهة!
والإسلام جعل يوم العيد يوم مهرجان إسلامي، يعني يومًا للمسلمين جميعًا: للكبار والصغار، وللنساء والرجال، للأسف كثير من المسلمين الآن يحرمون النساء من صلاة العيد، مع أنَّ النبيَّ ﷺ طلب منهنَّ أن يحضرن العيد حتَّى الحُيَّض منهن، وليس عليهن صلاة؛ ولكن يشهدن الخير ودعوة المسلمين، كما قالت أم عطية # : كانت النساء الحُيَّض يحضرن العيد، وإحداهن لا يكون لها جلباب، فقلن للرسول ﷺ : إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال: «لتُعِرْها أختُها من جلبابها»(3)، تأخذ من جارتها أو صديقتها جلبابًا، ترتديه وتخرج، وهكذا كان المسلمون. فيجب أن نحيي هذه السنن.
ومن أهم ما نصنعه: التواصل بين المسلمين بعضهم مع بعض، فالإنسان يصل أقاربه وجيرانه، وأحبابه وأصدقاءه، ويهنِّئ النَّاس بعضهم بعضًا، ويقول: تقبَّل الله منا ومنكم، أو كل عام وأنتم بخير، أو عساكم من عواده، أو ما يقوله أهل كل بلد في مثل هذه المناسبات؛ وهذا هو المطلوب.
بعض النَّاس يقاطع بعضهم بعضًا، ولو جاز هذا في أي وقت لا يجوز في العيد، لنقهر النفس الأمارة بالسوء! لتذهب لأخيك المسلم ولتسلِّم عليه؛ فالله 4 يريد أن تنزل الرحمة على الجميع في هذه المناسبات، والنبي ﷺ يقول: «فسادُ ذاتِ البَيْنِ هي الحالقة، لا أقولُ تحلقُ الشَّعْر، ولكنْ تحلقُ الدِّين»(4).
أيضًا شرع الإسلام في العيد الترفيه في غير المنكرات، لا نُحضر واحدة ترقص، أو واحدة متبرجة تغني.. كلا!
وقد سمح النبي ﷺ لجاريتين تغنيان في بيت عائشة # يوم العيد، حينما انتهرهما أبو بكر وقال: أمزمار الشيطان في بيت النبي ﷺ ؟! فقال ﷺ : «دعْهما يا أبا بكر، فإنَّها أيامُ عيد(5)، إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا؛ وهذا عيدُنا، لتعلمَ اليهودُ أنَّ في دِينِنا فُسْحة، وأنِّي بُعِثْتُ بحنيفيَّة سَمْحة»(6).
نحن لا نمنع الغناء إن كان بشروطه المعروفة: أن يكون بألفاظ غير خارجة على الشريعة والعقيدة والآداب الإسلاميَّة، وألَّا يكون فيه تكسُّر وميوعة، وألَّا يقترن بحرام مثل خمر أو تبرج أو خلاعة، وأن يكون بقدر معقول، فهذا هو الَّذي نفتي بحلِّه، وخصوصًا في المناسبات، مناسبات الأعراس والأعياد والمناسبات السارَّة، يشرع فيها الإسلام الترويح عن النفس بمثل هذه الأمور، ولم يضيِّق على عباد الله.
(1) رواه الطبراني في الأوسط (4373)، والصغير (599)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (1658): فيه نكارة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3200): فيه عمر بن راشد؛ ضعفه أحمد وابن معين والنَّسائي. وقال العجلي: لا بأس به. عن أبي هريرة.
(2) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الأذان (853)، ومسلم في المساجد (561)، عن ابن عمر.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الصلاة (351)، ومسلم في صلاة العيدين (890)، عن أم عطية.
(4) رواه أحمد (27508)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في الأدب (4919)، والترمذي في صفة القيامة (2509)، وقال: حسن صحيح. عن أبي الدرداء.
(5) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (987)، ومسلم (892)، كلاهما في العيدين، عن عائشة.
(6) رواه أحمد (24855)، وقال مخرِّجوه: حديث قوي. وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (2/43)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (1829)، عن عائشة.