2026-06-13
997
توضيح حول فتوى ذبح الأضاحي خارج البلد
رسالة إلى الأخ الكريم د. مصطفى تسيريتش، رئيس العلماء والمفتي العام بدولة البوسنة والهرسك، حول فتوى ذبح الأضاحي خارج البلد.
سعادة الأخ الكريم د. مصطفى تسيريتش حفظه الله
رئيس العلماء والمفتي العام بدولة البوسنة والهرسك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
(وبعد)
فقد وصلتني رسالتكم الكريمة الَّتي تبدون فيها دهشتكم لفتوى نسبت إليّ، تجيز لجمعية (مرحمت) ذبح الأضاحي في أستراليا لحساب مسلمي البوسنة والهرسك، وجمعية (مرحمت) جمعية بوسنية قديمة، والَّذي استفتاني عالم بوسني درس الفقه والأصول في كلية الشريعة بجامعة الأزهر، وحصل على الدكتوراه منها، وأنا أعرفه جيِّدًا، والَّذي أدهشني هو اعتراضكم بشدَّة على الفتوى، حتَّى إنَّكم طلبتم منِّي سحب هذه الفتوى! وهذا في منتهى الغرابة!
وممَّا عجبت له: أنَّ مجلس الفتوى الَّذي تأسس عندكم منذ سنة تقريبًا، تبيَّن له: أنَّ ما تقوم به جمعية (مرحمت) من ذبح الأضاحي في أستراليا، لا يتفق مع أحكام الأضاحي لسببين:
1 ـ عدم وجود إشراف مباشر ومناسب من البوسنة.
2 ـ هذا العمل ليس سوى عملية شراء اللحم الرخيص، وهذا ما لا يتفق مع الأضحية.
وأي فقيه ينظر لهذين السببين لا يجد في أحدهما شيئًا يعارض أحكام الأضحية.
1 ـ فأما عدم وجود إشراف مباشر ومناسب من البوسنة، فهذا ليس شرطًا من غير شك، إذ المطلوب الإشراف من قبل المضحِّي أو من يوكِّله، ولعلَّكم لا يخفى عليكم أنَّ المسلمين في بلدان كثيرة يوكلون الجمعيات الخيريَّة لتضحِّي عنهم في أقطار مختلفة، بعد أن يحددوا لها نوع الأضحية وثمنها، وربَّما البلد الَّذي يضحَّى فيه، وهذا ما تفعله جمعية قطر الخيريَّة، ومنظمة الدعوة الإسلاميَّة، وهيئة الإغاثة الإسلاميَّة، وجمعية (مرحمت) وغيرها، ولا سيَّما بعد الحرب الأفغانية والبوسنية والمجاعات في أفريقيا وغيرها. وهؤلاء جميعًا يوكِّلون من يقوم عنهم بذبح الأضاحي من مسلمي البلد الَّذين يثقون بهم، ولا يطلب منهم شيء غير ذلك.
وكثير ممَّن يوكلون هذه الجمعيات في التضحية عنهم، يضحُّون في بلدانهم مع أسرهم، ويتطوعون بهذه الأضاحي لإخوانهم المسلمين الأشد حاجة. ومنهم من يعجز عن الأضحية في بلده لغلاء ثمنها، ويوكل من يضحِّي عنه في بلد آخر، تكون فيه الأضحية أرخص.. ولا حرج في ذلك على المسلم.
ومنهم من يكتفي بشراء اللحم، ويتبرع بأضحيته لإخوانه في بلد مسلم أحوج، وكل هذا مشروع.
2 ـ وأمَّا أنَّ هذا العمل ليس سوى شراء اللحم الرخيص، فهذا لا يتعارض مع أحكام الأضحية، كما قلتم. المهم ألَّا تكون الأضحية معيبة بسبب يؤثر في لحمها، كما هو معروف في كتب الفقه(1). ولا مانع أن يبحث الإنسان عن البلاد الَّتي يكون لحم الأنعام فيها أرخص، حتَّى إنَّ المضحي يستطيع أن يشتري بقرة بثمن شاة أو شاتين في بلده.
كل ما أرجو يا أخي الدكتور مصطفى: ألَّا يتسرَّع مجلسكم (مجلس الإفتاء) في الحكم على الأمور، وأن يتأنّى مجلس الإفتاء عندكم ـ وهو حديث العهد ـ فلا يحكم بخطأ عالم آخر، ويهاجمه، إلّا بعد تحرٍّ وتدقيق.
ومن حقِّ كل مسلم أن يستفتي من يثق به من أهل العلم والورع، ومن واجبه أن يفتيهم، ووجود مفتٍ عام للدولة لا يمنع العلماء الآخرين من الفتوى؛ إذ من حقِّ كلِّ عالم أن يفتي بما يرى أنَّه أقرب إلى الحق والسداد، ولكل مجتهد أجره، أصاب أم أخطأ.
مع خالص تحياتي ودعائي لكم بالتوفيق في مهمتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1) الموسوعة الكويتية (5/100).