2026-06-13
29
تمنِّي المسلم الوسيلة لنفسه
أمرنا النبي ﷺ إذا سمعنا المؤذن: أن نقول مثل ما يقول، ثمَّ في نهاية الأذان نصلِّي على النبيِّ ﷺ ، ثمَّ نسأل الله له الوسيلة، وأخبرنا ﷺ : أنَّ هذه الوسيلة ستكون لعبد واحد، «وأرجو أن أكون ذلك العبد». وسؤالي: أنا أيضًا أتمنَّى أن تكون لي الوسيلة، فهل يجوز أن أسأل الوسيلة لنفسي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
روى الإمام مسلم وغيره، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا سمعتم المؤذنُ فقولوا مثلَ ما يقول، ثمَّ صلُّوا عليَّ؛ فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثمَّ سلُوا اللهَ ليَ الوسيلةَ؛ فإنَّها منزلة في الجنَّة، لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة»(1).
المسلم يردِّدُ الأذان وراء المؤذن، يقول مثل ما يقول، ثمَّ يصلِّي على النبيِّ ﷺ مرَّة واحدة، وليس عشرًا، ثمَّ يقول: «وأنا أشهد أن لا إلٰه إلّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمَّدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا»(2). أو يقول دعاء الوسيلة: «اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمَّدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الَّذي وعدته»(3). لأنَّ الله تعالى قال لرسوله ﷺ في القرآن: ﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا﴾[الإسراء: 79]. وهو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، حيث يعتذر الأنبياء والمرسلون، والنبي ﷺ يقول: «أنا لها»(4). ويسأل الله الشفاعة والفصل بين الخلائق، فيشفِّعه الله في ذلك اليوم المشهود العظيم.
وللمسلم أن يجمع بين الصيغتين.
أمَّا الوسيلة، فنحن مأمورون أن نسألها للنبيِّ ﷺ ، لا نسألها لأنفسنا، نقول: آتِ محمدًا الوسيلة. وليس آتِنا الوسيلة.
يقول رسول الله ﷺ : «من قال حينَ يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامَّة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الَّذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة»(5).
فنحن نتَّبع ما أمرنا به النبيُّ ﷺ ، وما دعانا إليه، وما حثَّنا عليه، أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة.
فدلَّ الحديث بنصِّه أنَّ هذه المنزلة ليست إلَّا لعبد واحد، يرجو رسول الله صلى الله عليه أن يكون هو هذا العبد، وإذا كان لا ينالها أحد غير الرسول ﷺ ؛ فإنَّ سؤال شخص لها يعتبر من طلب المحال، وهو داخل في جملة الاعتداء في الدعاء.
ولذلك لم يُرْوَ عن أحدٍ من صحابة النبي ﷺ ، ولا من التابعين، ولا علماء السلف: أنَّه سأل لنفسه أو لأحد سوى النبي ﷺ هذه المنزلة؛ لأنَّها ليست إلّا لرسول الله ﷺ .
سلي الله مرافقة النبيِّ ﷺ في الجنَّة:
وأقول للأخت: أتريدين أن تكوني أَوْلى بالوسيلة من آدم الَّذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، أو من نوح شيخ المرسلين، أو من إبراهيم خليل الرحمٰن، أو من موسى كليم الله، أو من عيسى روح الله وكلمته، أو من محمد حبيب الله وصفوته من خلقه، وخاتم رسله؟! هل ترى الأخت نفسها أفضل من هؤلاء؟! ليس هذا معقولًا، الإنسان يطمح في الدرجات العُلَى، لكن لكلِّ إنسان مقامه،﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌۭ مَّعْلُومٌۭ﴾[الصافات: 164].
تسأل الأخت هذه المنزلة الرفيعة للنبيِّ ﷺ ، كما أُمرنا بذلك، وتدعو الله أن ترافق النبي ﷺ ، مثل ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيتُ مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل». فقلت: أسألك مرافقتك في الجنَّة. قال: «أوَغير ذلك؟». قلتُ: هو ذاك. قال: «فأعنِّي على نَفْسِكَ بكثرة السجود»(6).
وجاء آخر إلى رسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنَّك لأحبُّ إليَّ من نفسي، وإنك لأحبُّ إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ من ولدي، وإنِّي لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتَّى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنَّك إذا دخلت الجنَّة رُفِعْتَ مع النبيِّين، وأنِّي إذا دخلت الجنَّة خشيتُ ألَّا أراك. فلم يردَّ إليه رسول الله ﷺ شيئًا، حتَّى نزل جبريل 0 : بهذه الآية:﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا﴾[النساء: 69](7).
فأقول للأخت: اسألي الله أن يجعلك رفيقةً لهؤلاء الَّذين أنعم الله عليهم.
(1) رواه مسلم في الصلاة (384)، وأحمد (6568)، عن عبد الله بن عمرو.
(2) رواه مسلم في الصلاة (386)، وأحمد (1565)، عن سعد بن أبي وقاص.
(3) رواه البخاري في الأذان (614)، عن جابر بن عبد الله.
(4) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التوحيد (7510)، ومسلم في الإيمان (193)، عن أنس.
(5) رواه البخاري في التفسير (4719)، عن جابر بن عبد الله.
(6) رواه مسلم (489)، وأبو داود (1320)، كلاهما في الصلاة، عن ربيعة بن كعب.
(7) رواه الطبراني في الأوسط (477)، وفي الصغير (52)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10937): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة. عن عائشة.