2026-06-13
47
التسبيح على المِسْبحة
أنا رجل لا أجيد العدَّ على الأصابع، وحاولت أن أتعلَّم العدَّ على أصابعي ولكنِّي لم أستطع، وأنا مواظب على ختام الصلوات، وعلى ورد معيَّن من الأذكار في الصباح والمساء، والسبحة تساعدني في ذلك، لكن عندما يراني بعض الإخوة من المصلِّين يقولون لي: إنَّ المسبحة حرام وبدعة، ولا يجوز التسبيح إلّا على اليد اليمنى؛ لأنَّ اليد تشهد لك يوم القيامة، وأي شيء سوى ذلك لا يشهد.
فأرجو من فضيلتكم بيان حكم الشرع في هذا الأمر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المسبحة أو السبحة لم يستعملها النبي ﷺ ولا أصحابه، والأولى أن يستعمل الإنسان أصابعه، فالعدُّ على أصابع اليد اليمنى هو السُّنَّة الواردة عن النبيِّ ﷺ ، فعن عبد الله بن عمرو قال: رأيت النبيَّ ﷺ يعقد التسبيح.
وفي رواية: يعقد التسبيح بيمينه(1). وكذا صحابته @ ، فقد كانوا يعُدُّون على أيمانهم، خصوصًا في ختام الصلوات، وهذا هو الأَوْلى.
ولكن مع أنَّ عقد التسبيح على الأصابع سُنَّة، فليس غيره حرامًا، فأنا لا أرى أنَّ السبحة أو المسبحة بدعة منكرة؛ لأنَّ استخدام السبحة ابتداع في الوسيلة، تستخدم لضبط أعداد التسبيح؛ لأنَّ بعض التسبيحات ثلاثة وثلاثين مرَّة، وبعضها مائة مرَّة، وبعض النَّاس لا يحسن استخدام أصابعه، ويغلط في العد، ويشكُّ كم مرَّة سبَّح، فلكي يضبط العدد يستخدم المسبحة، فلا أرى مانعًا منها.
وقد يحتاج الإنسان للمسبحة في الأذكار والأوراد الَّتي تكرر مائة مرَّة، يريد أن يقول مثلًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إلٰه إلّا الله، والله أكبر، مائة مرة. وقد يصعُب عليه ضبط العدد، فبعض النَّاس يأتي بالحصى ليضبط العدَّ عليه، وبعضهم يضبط العدد بالمسبحة، وهي أسهل من الحصى، فلا مانع من الضبط بالمسبحة، ولا أراها بدعة منكرة، وإن كنتُ أرى أن تركها أولى.
ثم أنا أتوقف في تبديع من يسبِّح على المسبحة بصورة مطلقة، وبخاصَّة أنَّ هناك حديثًا ربَّما يكون حجَّة لمن يستخدم المسبحة، عن سعد بن أبي وقاص: أنَّه دخل مع النبيِّ ﷺ على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح، فقال ﷺ : «أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولي: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق. الله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إلٰه إلّا الله مثل ذلك»(2).
وأنا لم أستعمل المسبحة في حياتي، أسبِّح على أصابع يدي اليمنى، وأرى العدَّ بالأصابع سهلًا جدًّا، وإن كان الأخ يستصعبه فلا مانع من الاستعانة بالمسبحة.
المهم ألَّا يكون الأخ يذكر أورادًا غير مأثورة، فأنا لا أحبُّ للمسلم أن يستعمل إلّا الأذكار والأدعية المأثورة، أمَّا الأوراد والأذكار المخترعة فلا، عليك بالأوراد المأثورة، فليس هناك أفضل ممَّا أُثِر عن النبيِّ ﷺ .
معنى:﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ﴾:
فبعض النَّاس يذكر الله باسم مفرد من أسمائه تعالى، كقول بعضهم: يا لطيف، يا لطيف. أو: لطيف، لطيف. ونحو ذلك، ويظل يكرِّر ذلك عشرات المرات، وربَّما مئات المرات، هذا لا يجوز، لم يرد عن النبيِّ ﷺ ، ولا عن الصحابة، وإنَّما يكون الذكر بالجُمَل المفيدة، وليس بالأسماء المفردة.
قد يقول البعض: ربنا قال: ﴿وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]! أقول: ليس معنى أن تذكر «اسم ربك» أن تقول: الله، الله. لا، إنَّما المعنى أن تقول جملة مفيدة، الله تعالى أمرنا أن نذكر اسم الله عند الذبيحة:﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: 36]. فنذكر اسم الله على الذبيحة ونقول: باسم الله، الله أكبر. ويقول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74]. فنقول: سبحان ربِّي العظيم. ويقول سبحانه: ﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]. فنقول: سبحان ربِّي الأعلى. وهكذا نقول جملة مفيدة.
فأرجو أن يذكر الأخ في أوراده الأذكار والأدعية المأثورة، ولعلَّ استعمال المسبحة يكون معينًا له على العد، ولا حرج فيه، وإن كانت بدعة فهي بدعة خفيفة، وليست بدعة ثقيلة، بدعة تتعلق بالوسائل، بدل أن يستعمل اليد ويخطئ يستعمل المسبحة، فليس فيها كبير مخالفة، فالأمر هيِّن، ولستُ مع الإخوة الَّذين يشدِّدون في هذا الأمر ويعتبرونه بدعة من البدع الغليظة، فالأمر أبسط من هذا وأيسر من ذلك.
(1) رواه أبو داود في الصلاة (1502)، والترمذي في الدعوات (3411)، وقال: حسن غريب. والنَّسائي في السهو (1355)، وحسَّن إسناده النووي في الأذكار (28)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (4989).
(2) رواه أبو داود في الوتر (1500)، والترمذي في الدعوات (3568) وقال: حسن غريب. وابن حبان في الرقائق (837)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. والحاكم في الدعاء (1/547) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.