2026-06-13
37
غلاء المهر
أكتب إليكم مشكلتي ومشكلة كلِّ شابٍّ قطري، وهي أنَّني ذهبت لأخطب إحدى الفتيات فواجهت مشكلة غلاء المهر، حيث طلب والدها مبلغ عشرين ألف ريال مهرًا لابنته، سوى أثاث البيت، والآن، أنا أفكر في الزواج من خارج البلاد، فهل يبيح لي الشرع ذلك أم لا بدَّ من دفع مبلغ المهر المذكور؟
وإذا كنت لا أملك ذلك المبلغ فماذا أفعل؟ أرجو الإجابة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الواقع أنَّ هذه مشكلة، وعقدة، عقَّدها النَّاس على أنفسهم، وشدَّدوا فيما يسَّره الله تعالى عليهم، لقد قال النبي ﷺ في الزوجات: «أيسرهنَّ مهرًا أكثرُهن بركة»(1). والنبيُّ ﷺ حينما زوَّج بناته زوَّجهن بأيسر المهور، لم يشترط لهنَّ المئات ولا الآلاف، وإنَّما أخذ أيسر المهور، وكذلك السلف الصالحون، لم يكونوا يبحثون عن مال الرجل، وماذا يدفع، لأنَّ البنت ليست سلعة تُباع، إنَّما هي إنسان، فليبحث لها الأب أو الولي عن إنسان مثله، إنسان كريم: كريم الدين، كريم الخلق، كريم الطباع، ولهذا جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون دِينَه وخُلُقه فزوِّجوه، إلَّا تفعلوه تكنْ فتنة في الأرض وفساد عريض»(2).
فالمهم.. والَّذي يجب أن يطلبه الأب هو الدين والخلق قبل كل شيء، فماذا يغني الفتاة أن تتزوج، ويدفع لها مهر كبير، إذا تزوَّجت من لا خُلق له، ولا دين له؟ من هؤلاء الَّذين تأتي الأسئلة الكثيرة عنهم، تسأل الزوجات: ما حكم زوج يتعاطى الخمر في نهار رمضان؟ ما حكم زوج سمَّت امرأته ابنها «يوسف» فأبى إلّا أن يسمِّيه «فرعون»؟ ما حكم كذا؟ ما حكم كذا؟ هذه جاءت من أنَّ الأب كل همِّه أن يقبض عدة آلاف: عشرة آلاف، عشرون ألفًا، ثلاثين ألفًا، كما يقول السائل، ولا يهمُّه الدين، والخلق!
ولو فكَّرنا كما أراد لنا الدين، وكما شرع لنا الإسلام، لكان الدين والخلق هو أهم ما نبحث عنه، وأهم ما نسعى إليه، وأهم ما نحرص عليه، وما يجب أن يحرص عليه الآباء، ويحرص عليه أولياء البنات، ليس المهم كثرة الأموال الَّتي يقبضها الآباء صداقًا ومهرًا عن بناتهم، إنَّما المهم الزوج، الَّذي يسعد البنت.. الَّذي يتقي الله فيها. ولهذا قال السلف: إذا زوَّجت ابنتك فزوجها ذا دين، إن أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها(3). لأنَّ دينه يمنعه، وخلقه يردعه، حتَّى في حالة الكراهية، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾ [النساء: 19].
لقد أمر الإسلام بالمسارعة بتزويج البنات، وجاء في ذلك عن النبيِّ ﷺ : «ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاة إذا حضرت، والدَّين إذ حلَّ، والأيِّم إذا حضر كُفْؤها»(4).
إذا حضر الكفء فلا ينبغي للأب أن يعوق؛ من أجل أنَّه يريد أن يقبض شيئًا أكثر، كأنَّها سلعة يساوم عليها، هذا هو المفروض من الآباء المسلمين، ألَّا يعوقوا الزواج بهذه المهور، وبهذه المغالاة فيها، فإنَّ هذا هو أكبر عقبة في سبيل الزواج، وكلَّما عقَّدنا في سبيل الزواج، وأكثرنا من المعوقات والعقبات، يسَّرنا بذلك سبل الحرام، وكلَّما سهَّلنا انتشار الفساد، أغوينا الشباب بأن يسيروا مع الشيطان، وأن يتركوا طريق العفة وطريق الإحصان، وطريق الحلال. ما حيلة الشابِّ الَّذي يذهب ليتزوَّج فيجد هذه الطلبات المعوقة أمامه؟ ماذا يصنع؟ إنَّه سيُعرض عن الزواج ويبحث عن بيئة أخرى، ويترتب على ذلك كساد البنات، وفساد الرجال، هذه هي النتيجة الحتمية للمغالاة في المهور، وكم جاءت من رسائل! وكم سألني من سائلين! وكم شكا شباب لي ولغيري من هذا المعوق الَّذي وضعه النَّاس بأيديهم، وحفروه أمام بناتهم وأمام أنفسهم، لييسروا طريق الحرام ويعوقوا طريق الحلال!
يا جماعة المسلمين.. حرام علينا والله أن نعوق الزواج بهذه الصورة، وواجب علينا أن نيسِّر طريق الحلال، نيسِّر لشبابنا ولفتياتنا أن يقترنوا في الحلال، فهذا ما شرعه الإسلام، وهذا ما رضيه لأبنائه، أسأل الله أن يوفقنا لما يحبُّ ويرضى، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يبعدنا عن هذه العادات الجاهلية، الَّتي لا تأتي بخير، ولا تقرُّ بها إلّا عين الشيطان.
(1) سبق تخريجه صـ 278.
(2) سبق تخريجه صـ 255.
(3) رواه ابن أبي الدنيا في العيال (125)، من قول الحسن البصري.
(4) رواه أحمد (828)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. والترمذي في الجنائز (1075) وقال: غريب. والحاكم في النكاح (2/162) وقال: حديث غريب صحيح. ووافقه الذهبي، وضعَّف إسناده الحافظ ابن حجر في الدراية (2/63)، عن علي بن أبي طالب.