2026-06-13
35
الرضاع المحرِّم ولبن الفحل
تحريم الزواج بسبب الرضاع ممَّا اختصَّت به الشريعة الإسلاميَّة، فيما أعلم. ولا غرو أن عني فقهاء المسلمين بأحكام الرضاع، وعقدوا له بابًا أو كتابًا خاصًّا، فصَّلوا فيه القول في مسائله وصوره. كما عرض له المفسرون في شرح آية المحرَّمات من سورة النساء، والمحدِّثون عقدوا له أبوابًا في مصنفاتهم.
وجماهير المسلمين في كل مكان لا تفتأ تسأل عن أمور تتعلق بالرضاع وأحكامه، وأهل الفتوى يجيبونهم وفق مذاهبهم إن كانوا مقلدين، أو وفق اجتهاداتهم الخاصة إن تحرَّروا من المذهبية، وهؤلاء وأولئك يختلفون كثيرًا إلى حدٍّ قد يحدث البلبلة في أنفس السائلين ويدعهم حيارى لا يدرون ما يصنعون.
وأذكر في هذا واقعةً حدثت لأحد الإخوة الفضلاء في البحرين الشقيقة: اختلف عليه فيها المفتون؛ حتَّى بات لا يدري برأي من يأخذ.. ولجأ إليَّ في خاتمة المطاف لأفتيه في أمره، فكان ذلك دافعًا لكتابة هذا البحث.
ولا بأس أن أشرك القارئ معي، حتَّى يأخذ فكرة عن هذه الواقعة، وما قيل فيها. فقد أرسل الأخ الأستاذ (م. ص. ع) إلى لجنة الفتوى بالأزهر هذه الرسالة عن طريق الملحق الثقافي بسفارة البحرين بالقاهرة:
حضرات أصحاب الفضيلة أعضاء هيئة الإفتاء بالجامع الأزهر الشريف المحترمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(وبعد)
أتوجه إليكم بهذه المسألة راجيًا التفضل مأجورين ومشكورين بالإجابة عنها:
امرأة تدعى «عائشة» لها ثلاثة إخوة يصغرونها سنًّا، أكبرهم ويدعى يعقوب، وأوسطهم ويدعى سمير، وأصغرهم ويدعى حسن. المرأة مع الإخوة الثلاثة.. أبوهم واحد ويدعى خليل. إلَّا أنَّ أمهاتهم مختلفات، فأمُّ عائشة هي أسماء، وأمُّ يعقوب تدعى أمينة، وأمَّا الأخوان الآخران سمير وحسن، فأمُّهما واحدة، وتدعى كلثم.
أنجب الجميع ذريَّة بنين وبنات، فمن بين من أنجبته المرأة عائشة ولد اسمه أحمد كانت أمُّه مريضة بعد الولادة فرضع مع خاله حسن من ثدي أمِّه كلثم لمدة عشرين يومًا تقريبًا.
كما أنجب الأخ الأكبر وهو يعقوب ذريَّة من بينها بنت اسمها سعاد.
بعد مرور فترة من الزمن تزوَّج الولد أحمد ابن عائشة من سعاد ابنة خاله الأكبر وهو يعقوب. ومضى على هذا الزواج قرابة ست عشرة سنة أنجبا خلالها بنين وبنات، ولم يخطر على بال أيٍّ من الجميع أنَّ هناك شبهة في هذا الزواج من ناحية موضوع الرضاع، وأن كل من سُئل من العلماء في البحرين أفتى بجوازه؛ وأنَّه ليست هناك شبهة إطلاقًا.
س: ما حكم الشرع في هذا الزواج؟ وهل يجوز أن يتزوج أخ لأحمد من أخت زوجته سعاد؟ وللعلم فإنَّ الجميع على مذهب الإمام الشافعي 5 .
جزاكم الله خير الجزاء، ونفع بكم الإسلام والمسلمين.
(م. ص. ع)
البحرين في 20 مايو 1979م
وكان جواب لجنة الفتوى كما يلي:
الأزهر لجنة الفتوى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد، فنفيد: بأنَّه ما دام الرجل لم يرضع من أمِّ زوجته وكذلك زوجته لم ترضع من أمِّه، فزواجهما صحيح شرعًا ولا حرمة فيه، حيث إنَّهما أيضًا لم يجتمعا على ثديٍ واحدٍ، كما يجوز لأخيه أن يتزوَّج من أخت زوجته. والله تعالى أعلم.
رئيس لجنة الفتوى بالأزهر
1 رجب 1399هـ/ 27 مايو 1979م
ولكن بعض العلماء في البحرين اعترض على جواب لجنة الفتوى بالأزهر بأنَّه مخالف للمذاهب الأربعة، ومنافٍ لما نصَّت عليه كتبها. وهذا ما جعل صاحب المشكلة يرسل إلى كليَّة الشريعة في قطر يسألها الرأي في المسألة، وكنت غائبًا، فردَّ عليه الإخوة الأساتذة، بأنَّ ما أفتت به لجنة الأزهر له وجه من الفقه، وقد قال به بعض الصحابة والتابعين، وإن كان الرأي الآخر ـ رأي المذاهب الأربعة ـ أحوط.
وأرسل الأستاذ الدكتور مدير الجامعة بالردِّ إلى صاحب السؤال. ولكنَّه ظلَّ قلقًا لما يسمعه من اعتراضات المعترضين، فأرسل إليَّ الخطاب التالي يقول فيه بعد المقدمة:
«ورغم اقتناعي وتقديري لرأي أصحاب الفضيلة أعضاء لجنة الفتوى بالأزهر الشريف وبرأي أصحاب الفضيلة الأساتذة في كلية الشريعة بالجامعة القطرية وبعض رجال الدين الَّذين سئلوا في البحرين، إلّا أنَّني وددت أن أقتل الشكَّ باليقين وأن أقضي على ما علق بي من الوساوس والشكوك على أثر ما ذهب إليه بعض رجال الدين عندنا من عدم صحَّة هذا الزواج، مستندًا أحدهم إلى ما جاء في كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة: قسم الأحوال الشخصية» لمؤلفه عبد الرحمٰن الجزيري والمرفقة صورة لبعض صفحاته حيث ينص الكتاب أنَّ اللبن هو لبن الأب، ويذهبون إلى أنَّ «خليل» علاوة على كونه جدَّ «أحمد» نسبًا، إلّا أنَّه أصبح أبًا له من الرضاع، وأنَّ أبناء خليل وهم: يعقوب، وسمير، وحسن، أخوال أحمد نسبًا أصبحوا إخوانًا لأحمد رضاعة، وفي هذه الحالة فهم لا يجيزون زواج أحمد بسعاد ابنة يعقوب.
ذهب أحدهم إلى أنَّه ربَّما لم تكن المسألة واضحة لدى لجنة الفتوى بالأزهر الشريف؛ علمًا بأن المسألة حوَّلتها إليهم سفارة البحرين بالقاهرة بطريقة رسمية، عن طريق الملحق الثقافي، وتأخرت المسألة في الأزهر أكثر من أسبوع؛ حيث تمَّ اجتماع لأعضاء اللجنة، ومن ثَمَّ أرسلت ردَّ الفتوى إلى السفارة.
والذي أرجوه من فضيلتكم بالنظر لأهمية الموضوع القصوى رأيكم النهائي فيه وكذلك تعليقكم على:
1 ـ لجنة الفتوى بالأزهر الشريف.
2 ـ حديث السيدة عائشة # عندما أراد أفلح أخو أبي القعيس أن يستأذنها بالدخول فلم تأذن له … إلى آخر الحديث.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ومن هنا رأيت أن أكتب هذه الصحائف في فقه الرضاع، عسى أن يكون بها نفع وتبصرة.
أدلة التحريم بالرضاع:
والتحريم بالرضاع ثابت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أمَّا الكتاب: فقد قال الله تعالى في بيان المحرمات في النكاح:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ﴾[النساء: 23].
فذكرت الآية الكريمة المحرَّمات بالنسب وهن سبعة أصناف، وعقَّبت عليها بالمحرَّمات بسبب الرضاع، وذكرت منها صنفين: الأمهات والأخوات.
وأمَّا السُّنَّة: فقد جاء في الحديث الصحيح المشهور: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»(1).
ومعنى هذا أنَّ الرضاع يحرم به الأصناف السبعة المحرمة والمذكورة من قبل في الآية؛ فيحرم على هذا بالرضاع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت من الرضاع.
وأمَّا الإجماع: فقد اتفق المسلمون من كل المذاهب، على التحريم بالرضاع في الجملة، وإن اختلفوا في التفصيلات.
وأود أن أبيِّن هنا أنَّ موضوع الرضاع ـ مثل موضوع الطلاق ـ من الموضوعات الَّتي اختلف فيها الفقهاء اختلافًا كثيرًا.
اختلفوا في المقدار المحرِّم من الرضاع، وفي مدة الرضاع، وفي طريقته، وفي مدى انتشار الحرمة بالنسبة لقرابات المرأة المرضعة ولزوجها، إلخ.
اختلاف الفقهاء في التحريم بالرضاع ما بين مُضيِّق وموسِّع:
ولقد لاحظت هنا أنَّ الفقهاء في أمر الرضاع ـ كما هم في أمر الطلاق ـ يختلفون ما بين موسعين ومضيقين.
ووجهة الموسعين في الرضاع والتحريم به أشبه بوجهة الموسعين في الطلاق أيضًا، وهي فكرة الاحتياط في التحريم، أي أنَّ قطرةً واحدةً أو مصَّة: كافية عندهم كل الكفاية لتحرِّم امرأةً على رجل أبد الدهر، وإن ثبت ذلك بعد الزواج يجب أن يفسخ زواجهما ويفترقا، ووجدنا من يقول بأن الرضاع في أيِّ سنٍّ كان ولو بعد الأربعين من العمر، يترتب عليه التحريم.
ووجدنا من لا يشترط الرضاع بالفم ومن الثدي، كما هو مدلول الكلمة لغة، بل يقول: لو شرب اللبن من «فنجان» أو صُبَّ في حلقه أو أنفِه صبًّا، أو تجبَّن فأكله، أو خلط بشاي أو بقهوة مثلًا فشربه، أو غير ذلك من الكيفيَّات، فله حكم الرضاع المحرم.
ومنهم من قال: لو رضع من ميتة تصبح له أمًّا وأولادها إخوة.. وهكذا، بل ذكروا أن بعضهم سُئل عن طفلين شربا من لبن شاة واحدة؛ فأجاب بأنَّهما أخوان من الرضاع. ممَّا اضطر بعض الفقهاء أن يردُّوا عليه بأن الأخوة فرع الأمومة، ولا أمومة بين الإنسان المكرم، والحيوان الأعجم، الَّذي هو مأكول الإنسان ومركوبه(2).
ترجيح الاتجاه إلى التضييق في التحريم بالرضاع:
والذي أحبُّ أن أؤكده بادئ ذي بدء، أنَّ مذهبي في الرضاع ـ كمذهبي في الطلاق ـ يقوم على أساس التضييق في التحريم بالرضاع.
ولست أقول هذا تقليدًا بغير حجَّة، ولا اتباعًا لشهوة، ولكن إذعانًا للدليل وتحقيقًا لمقاصد الشرع، الَّتي ما جاءت الشريعة إلَّا برعايتها.
مجالات التضييق في التحريم بالرضاع:
والتضييق الَّذي أذهب إليه هنا يشمل عدة مجالات:
1 ـ صفة الرضاع.
2 ـ مقدار الرضاع.
3 ـ مدة الرضاع.
4 ـ ما يحرم بالرضاع.
5 ـ ما يثبت به الرضاع.
1 ـ التضييق في صفة الرضاع المحرم:
أمَّا صفة الرضاع المحرم فأرجح فيه ما ذهب إليه الإمام الليث بن سعد، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو مذهب ابن حزم، وهو «ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفيه فقط. فأما من سقي لبن امرأة فشربه من إناء، أو حلب في فيه فبلعه، أو أطعمه بخبز، أو في طعام، أو صبَّ في فمه أو في أنفه أو في أذنه أو حقن به، فكل ذلك لا يحرم شيئًا، ولو كان ذلك غذاء دهره كله»(3).
قال ابن حزم: برهان ذلك قول الله 8 : ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ﴾. قال رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فلم يحرِّم الله تعالى ولا رسوله ﷺ في هذا المعنى نكاحًا إلّا بالإرضاع والرضاعة والرضاع فقط، ولا يسمَّى إرضاعًا إلَّا ما وضعته المرضعة من ثديها في فم الرضيع. يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا. ولا يسمَّى رضاعة ورضاعًا إلّا إذا أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إيَّاه، نقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة.
وأمَّا كل ما عدا ذلك ممَّا ذكرنا: فلا يسمى شيء منه إرضاعًا ولا رضاعة ولا رضاعًا، إنَّما هو حلب وطعام، وسقاء وشرب، وأكل وبلع، وحقنة سعوط وتقطير.. ولم يحرِّم الله 8 بهذا شيئًا(4).
فابن حزم يستدل هنا بالمدلولات اللغوية للألفاظ الَّتي تعلقت بها الأحكام. وهذا هو الأصل، فلا يجوز إخراج الألفاظ عن حقيقة مدلولاتها في اللغة؛ إلّا بسبب صارف عن ذلك، ولم يوجد هنا.
يؤكد ذلك من ناحية المعنى: أنَّ حقيقة الرضاع ليست مجرد تغذية، بل هي معنى عاطفي بجوار المعنى المادي، وهذا المعنى العاطفي يتكون بالاحتضان والالتصاق، والامتصاص مع الغذاء.
وعلى هذا الرأي يمكننا إنشاء «بنوك للحليب»(5)، دون أي حرج شرعي، وهي ما ينادي به بعض الأطباء ورجال الصحة لإرضاع بعض الأطفال الَّذين يولدون ناقصين، أو تموت أمهاتهم أثناء الولادة.
2 ـ التضييق بالنسبة لمقدار الرضاع المحرم:
والتضييق الثاني هنا: يتمثل في مقدار الرضاع الَّذي يترتب عليه التحريم، فلا تحرِّم المصَّة ولا المصَّتان، ولا الرضعة ولا الرضعتان. ولا الإملاجة ولا الإملاجتان، كما صحَّت بذلك الأحاديث عن النبيِّ ﷺ ، على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم: أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى رواياته، وابن المسيب في أحد قوليه، والحسن والزهري، وقتادة والحكم وحماد، والأوزاعي والثوري، ويروى عن علي وابن عمر؛ حتَّى ادعى الإمام الليث بن سعد في ذلك الإجماع: أنَّ التحريم يثبت بما قلَّ أو كثر من الرضاع، ولو بقطرة.
قال ابن القيِّم: زعم الليث بن سعد: أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ قليل الرضاع وكثيره يحرِّم في المهد ما يفطر به الصائم(6).
وهذا وهم.. فالخلاف ثابت بيقين، منذ عهد الصحابة فمن بعدهم، وادعاء الإجماع فيما فيه الخلاف أمر يكثر.
فقد روى عروة بن الزبير عن خالته عائشة وأخيه عبد الله: قالا جميعًا: لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان(7)، وفي رواية: ليس بالمصة والمصتين بأس، إنَّما الرضاع ما فتق الأمعاء(8). وكذا جاء عن ابن عبَّاس في أحد قوليه(9).
وأتي عمر بن الخطاب بغلام وجارية أرادوا أن ينكحوا بينهما، قد علموا أنَّ امرأة أرضعت أحدهما فقال لها عمر: كيف أرضعت الآخر؟ قالت: مررت به وهو يبكي، فأرضعته. أو قالت: فأمصصته. فقال عمر: ناكحوا بينهما، فإنَّما الرضاعة الخصابة(10). يعني 3 : أنَّ الرضاعة المؤثرة هي الَّتي تخصب الجسم وتنمِّيه، كما يخصب السماد الأرض.
وعن أبي هريرة: لا يحرِّم إلَّا ما فتق الأمعاء(11).
وعن ابن مسعود: لا يحرِّم من الرضاع إلَّا ما أنبت اللحم، وأنشز العظم(12)، ووافقه على قوله أبو موسى الأشعري.
وكذلك جاء عن سعيد بن المسيّب في أحد قوليه: لا رضاع إلّا ما أنبت اللحم والدم(13). ومن الفقهاء من وقف عند مفهوم أحاديث: لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان، ولا الرضعة أو الرضعتان إلخ، وهي ـ كما قال ابن حزم ـ آثار صحاح.. رواها أم المؤمنين وأم الفضل، والزبير وأبو هريرة وابن الزبير، كلهم عن رسول الله ﷺ ، فجاءت مجيء التواتر فيما يرى ابن حزم؛ فهي مستثناة من عموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾[النساء: 23]. فذهب هؤلاء الفقهاء: داود وأبو عبيد، وابن المنذر وأبو ثور، ويروى عن زيد بن علي وعن أحمد: إلى أنَّ ثلاث رَضَعات فأكثر يثبت بها التحريم(14).
ولو لم يرد غير هذه الأحاديث لكان القول ما قالوا، ولكن قد صح عن عائشة: أنَّ التحريم إنَّما هو بخمس رَضَعات معلومات(15)، بل روى مسلم أنَّ ذلك كان قرآنًا نسخت تلاوته وبقي حكمه، وأنَّ رسول الله ﷺ تُوُفِّيَ والأمر على ذلك(16). ذكر ذلك ابن حزم في «محلَّاه»، ثمَّ ذكر خبرًا آخر من طريق عبد الرزاق عن عائشة في قصَّة سالم مولى أبي حُذَيْفة ومولاته سهلة بنت سُهَيل ـ وستأتي بعد ذلك بتفصيل ـ وقول الرسول لها: أرضعيه خمس رضعات(17) ـ أي تحرمي عليه ـ فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة.
قال أبو محمد بن حزم: وهذان خبران في غاية الصحة وجلالة الرواة وثقتهم، ولا يسع أحدًا الخروج عنهما(18).
وهذا هو مذهب الشافعي، وظاهر مذهب أحمد، وهو قول ابن حزم مخالفًا داود في هذه المسألة، وهو قول ابن مسعود وابن الزُّبَير(19) من الصحابة، وعطاء وطاوس من التابعين، وإحدى الروايات الثلاث عن عائشة، فقد روي عنها أيضًا التحريم بالعشر وبالسبع(20).
وهذا المذهب هو أقوى المذاهب وأرجحها دليلًا، لصريح الأحاديث الواردة في التحريم بالخمس، ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسائل، وبعضها تأسيس حكم ابتداءً.
وتعليق التحريم بالخمس ليس فيه مخالفة للنصوص، وللأحاديث العامة أو المطلقة في الموضوع، وإنَّما كل ما فيه تقييد مطلقها بالخمس. وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص.
وأمَّا من علَّق التحريم بالقليل والكثير، فإنَّه يخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين. وأمَّا صاحب الثلاث، فإنَّه وإن لم يخالفها فهو مخالف لأحاديث الخمس. اهـ.
وما قاله بعض العلماء من أنَّ حديث الخمس: إنَّما هو بيان للحكم في بعض ما دلّ عليه عموم المفهوم في حديث الرضعة والرضعتين؛ قد أجيب عنه بأنَّه قد تعارض عموم المفهومين، وهما: تحريم ما زاد على الاثنين، وتحليل ما نقص عن الخمس. «إلَّا أنَّ حديث الخمس نصَّ على المقصود من حيث كونه لبيان أول مراتب التحريم. فلو لم تكن أول مراتب التحريم، وفرض أنَّ التحريم حاصل بدونها، كان فيه تلبيس على السامع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، بخلاف حديث المصة والمصتين. فإنَّه يدل على أنَّ هذا القدر لا يحرم، وإن كان الثلاث والأربع كذلك، والاقتصار على هذا القدر لا يوقع في الخطأ»(21) اهـ.
وممَّا يؤيد هذا المذهب أنَّ القرآن ناط التحريم في الرضاع بالأمومة والأخوة حيث قال في بيان المحرمات: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾[النساء: 23]. وألحق الحديث بهما الأصناف الخمسة الأخرى كما تقدم في أول البحث.
والسرُّ في إلحاق أمومة الرضاع بأمومة النسب في الحكم هنا، إنَّما يتضح إذا تذكَّرنا ما كان معروفًا متعالمًا لدى العرب قبل الإسلام. وخصوصًا عند أشرافهم وذوي الشأن منهم، حيث كانوا يسترضعون أولادهم من نساء غير أمهاتهم، ولا سيَّما من نساء أهل البادية، لينشأ الطفل في جو الفصاحة والحرية والانطلاق، ويبقى عند المرأة المرضعة حولين أو أكثر، يتغذى من ثديها، وينام في حضنها، ويحظى برعايتها، ورعاية أهلها، ويلعب مع أولادها، ويعتبر نفسه واحدًا منهم، كما يعتبرونه كذلك. وبهذه العشرة الَّتي يجتمع فيها الغذاء العقلي بتلقيه اللغة، والغذاء الاجتماعي بتكوين الألفة والصحبة، تتكون أمومة لها قيمتها بين الرضيع ومرضعته، وتتكوَّن أخوة مؤثرة بينه وبين أولادها.
وهذه الصورة هي الأصل في تحريم زواج الأم المرضعة، والأخت الرضيعة، والمتأمل في عبارة القرآن الكريم يجده لم يعلِّق التحريم بمجرد الإرضاع، بل علَّقه بأمرين مجتمعين: الأمومة والإرضاع معًا. وكذلك الأخوة والرضاع معًا.
وهذا القيد ـ الأمومة ـ يقوِّي اتجاه الَّذين اشترطوا العدد في الرضعات، وخصوصًا من اشترطوا عددًا أكبر من الرضعات وقد اختلف مشترطو العدد من ثلاث إلى خمس، إلى سبع إلى عشر إلى خمس عشرة رضعة)(22).
وأوسط المذاهب في ذلك وأقواها دليلًا من ناحية السُّنَّة هو مذهب الشافعي، الَّذي لا يرى التحريم إلّا بخمس رَضَعات مشبعات، وهو ظاهر مذهب أحمد، كما ذكرنا من قبل.
وما تمسَّك به بعض الحنفية والمالكيَّة من إطلاق آية: ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وأنَّها لم تذكر عددًا قد ردَّ عليه الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم» بقوله: واعترض أصحاب الشافعي على المالكيَّة فقالوا: إنَّما كانت تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية: (واللاتي أرضعنكم أمهاتكم)(23).
يعني أنَّ وصف «الأمومة» في الآية ينبغي أن يكون له تأثير واعتبار في الحكم. فالقطرة والمصة ـ كما ذهب المالكيَّة والحنفية ـ لا تكوِّن أمومةً من الناحية العاطفية، ولا تنبت لحمًا أو تنشز عظمًا من الناحية المادية. فلا بدَّ من قدر تتحقق به هذه الأمومة.. حدَّد الشارع أعلاه بحولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة؛ وأمَّا حده الأدنى فهو خمس رَضَعات متفرقات، مشبعات معلومات.
وقد جرت عادة الشارع أن يضع لكثير من الأشياء نصابًا يمثل الحد الأدنى للغنى الموجب للزكاة؛ مثل خمس من الإبل، وأربعين من الغنم، إلخ. والنصاب الَّذي يوجب القطع في حدِّ السرقة، ولا قطع فيما دونه، وذلك حتَّى لا تقطع الأيدي في التافه من المال، كما لا يجب الزكاة في التافه منه. والتقييد «بالخمس» له أصول كثيرة في الشرع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن الإسلام بُني على خمس، والصلوات المفروضة خمس، وليس فيما دون خمسٍ صدقة، إلخ(24).
وحد الرضعة: أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه، ثمَّ يستمر على ذلك حتَّى يتركه باختياره لغير عارض؛ كما في الروضة الندية، وصاغها ابن حزم بعبارة أخرى فقال: أن يستنفد الرضيع ما في الثديين متَّصلًا(25).
وهذا هو المفهوم في عرف الناس، يقولون: يرضع الطفل في اليوم أربع مرَّات أو خمسًا مثلًا، ورضعة في الليل، ونحو ذلك.. يريدون بالرضعة: ما يشبع. وهذا هو الَّذي يتصوَّر أن يخصب الجسم، وينبت اللحم، وينشز العظم، كما جاءت بذلك الآثار.
فتوى للشيخ شلتوت:
وقد عرض شيخنا العلامة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق 5 في كتابه «الفتاوى» لمذاهب العلماء في قدر الرضاع الَّذي يحرِّم الزواج بين الرضيعين، وكثرة اختلافهم في ذلك، تبعًا لاختلاف النظر في الآية مع الأحاديث الواردة في الموضوع، والمتعارضة في ظواهرها، وتحكيم كل فريق ما صح عنده منها. ثمَّ قال: «ولكن لم نرَ منهم من عرج نحو دلالة كلمة ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ على قدر الرضاع المحرم، ولا شك أنَّ عنوان «الأمهات» يعطي أنَّ مدة الرضاعة امتدَّت، حتَّى شعرت معه المرضعة بمعنى الأمومة للرضيع، ولا شك أنَّ هذا الوقت الَّذي يتحقق به معنى العطف والحُنُوِّ والشوق من المرضعة للرضيع، ليس هو وقت «القطرة» ولا هو وقت «الثلاث رضعات» ولا هو وقت الخمس رضعات. وخاصَّة إذا قدَّرنا أنَّ الرضاع المحرم هو ما يكون في حولين أو أكثر، كما يذهب إليه بعض العلماء.
فالخمس رَضَعات أو الرضعات المعدودات، لا يمكن أن تحدث معنى الأمومة عند المرضعة، متى لوحظ تفرقها على الحولين، أو أكثر منهما. وهذه ناحية أعرضها للبحث الَّذي يستعان فيه برأي الأطباء الواقفين على المدار الَّذي ينبت فيه اللحم وينشز العظم.
ونرجو أن يصل العلماء إلى ما يرفع اختلاف المفتين في هذه المسألة، الَّتي كثيرًا ما رأيتُ بنفسي ما تُحدِث عُقدًا نفسية بين الزوجين؛ حين يجدان بأنَّ فلانة أرضعتهما. وإذا كان جمهور العلماء يفتون برأي الشافعية ـ نظرًا إلى أنَّه المتوسط بين الآراء ـ فإنَّ كثيرًا من المفتين يزعجون الأسر الهادئة بأنَّ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم. والواقع أنَّ مسألة التحريم بالرضاع على الوجه المذكور به في كتب الفقه في حاجة إلى التمحيص، لاختيار الأوفق والأيسر، والأبعد عمَّا يثير في نفوس الأسر الزعزعة والاضطراب»(26).
وقفات عند فتوى الشيخ:
وهنا لا بدَّ لنا أن نقف وقفات أمام فتوى شيخنا رحمه الله تعالي:
أولًا: لا يزال ما أنكره الشيخ منذ عدد غير قليل من السنين قائمًا، وهو اختلاف المفتين الَّذين يسألون في هذه القضية، اختلافًا يدع السائلين من جماهير المسلمين في حيرة، لا يدرون معها أي مذهب يختارون، ولم تبذل محاولة من الهيئات العلميَّة المرموقة: أن ترجح في ذلك رأيًا يريح النَّاس من البلبلة والشك والاضطراب.
ثانيًا: لا يزال الكثيرون يتبنون أشد الآراء في هذه المسألة، ويفتون بأنَّ المصة الواحدة تثبت التحريم إلى الأبد، مدَّعين بأنَّ هذا رأي جمهور الأئمة، وأنَّ ثلاثة من الأئمَّة الأربعة يقولون به، يعنون: أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، هذا.. مع أنَّ ظاهر مذهب أحمد عدم التحريم إلّا بالخمس كما هو مذهب الشافعي، وكما نصَّت على ذلك كتب الحنابلة.
ثالثًا: ذكر الشيخ أنَّه لم يرَ من السابقين من عرَّج على دلالة كلمة «وأمَّهاتكم» على قدر الرضاع المحرم، وقد ذكرنا نقل النووي عن الشافعية اعتراضهم على مخالفيهم بدلالة ذكر «الأمومة» في الآية.
وقد عرض العلامة الآلوسي في تفسيره الشهير «روح المعاني» لذِكْر كلمة «أمَّهاتكم» في الآية، ونقل عن الحافظ السيوطي أنَّ عنده في سرِّ ذكرها كلامًا كثيرًا، لو شاء لكتب عليه عدة مؤلفات! وأشار ضمن كلامه إلى أنَّه لو قيل: «واللاتي أرضعنكم» يكفي في التحريم رضعة واحدة، ولكنَّه قال:﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾. ليرتِّب عليها خمس رَضَعات واردة.
وذكر الآلوسي خمس ملحوظات من باب الإشارة ممَّا يقوِّي الاستئناس بالآية، على مذهب التحريم بالخمس. ثمَّ نقل عن الإمام النووي ما سبق أنَّ ذكرناه، وعقَّب عليه بقوله: لم يُصرِّح 5 بأنَّ الآية الَّتي استدل بها المالكيَّة مشعرة بالخمس، بل اقتصر على أنَّ الدلالة على الواحدة لا تحصل بها، وأراد أنَّ ما أشرنا إليه من الإشعار القوي إلى التعدد، يأبى حمل الماهية على أقل ما تتحقق فيه(27).
على أنَّ الَّذين تكلَّموا من قريب أو بعيد حول دلالة كلمة ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ لم ينتهوا بقيد «الأمومة» هنا إلى ما انتهى إليه الشيخ، الَّذي يفيد كلامه: أنَّه لا بدَّ من وقت طويل حتَّى تتكون. وقد يرد على هذا بأنَّ التشريع لا بدَّ أن يضع حدًّا أدنى، كما وضع حدًّا أعلى (الحولين على الصحيح) فكانت الرضعات الخمس هي الحد الأدنى الَّذي يتحقق به معنى الأمومة في أقل درجاته. وهذا ما يمكن أن نُسمِّيه «نصاب الرضاع»، كما في نظائره «نصاب الزكاة» و«نصاب السرقة»، ونحوها.
رابعًا: ما طرحه الشيخ رحمه الله تعاليللبحث الَّذي يشترك فيه علماء الشرع مع علماء الطب، كلٌّ فيما يخصُّه، لبيان قدر الرضاع الَّذي ينبت اللحم وينشز العظم، كما جاء في بعض الأحاديث.
أقول: هذه الدعوة لم تجد صدًى، لا عند الفقهاء، ولا عند الأطباء، لا بالقبول والتأييد، ولا بالردِّ والتفنيد، وذهبت صيحة في واد، ونفخة في رماد، كما يقولون.
غير أنَّ في ثبوت هذا الحديث نفسه كلامًا، من حيث صحَّة سنده، وإنَّما يستدل به مع مجموعة الأحاديث والآثار الأخرى الدالة على اعتبار الصغر في التحريم بالرضاع. كما سنوضحه بعد.
3 ـ التضييق في مدة التحريم بالرضاع:
إذا كان قيد الأمومة في الآية: ﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾. قد أيَّد مذهب من اشترطوا العدد في الرضاع، فإنَّ هذا القيد يقوِّي أيضًا مذهب من يرى أنَّ الرضاع المحرِّم ما كان في الصغر قبل الحولين، وكان قبل الفطام والاستغناء عن اللبن بالطعام؛ فإنَّ الأمومة تتكوَّن حقيقة في هذه السن المبكرة الَّتي يعتمد الطفل فيها اعتمادًا كلِّيًّا على مرضعته ماديًّا وعاطفيًّا.
وقد قال تعالى: ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾[البقرة: 233]. فجعل تمامها في الحولين، فدل على أنَّه لا حكم للرضاع بعدهما، كما قال ابن قدامة(28). وروى الترمذي، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلَّا ما فتق الأمعاءَ في الثدي، وكان قبل الفطام»(29). ومعنى «في الثدي»: أي في زمن الثدي، وهو تعبير معروف عند العرب. ومعنى «فتق الأمعاء»: وسَّعَها لاغتذاء الصبي به وقت احتياجه إليه.
وفي سنن الدارقطني، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين»(30).
وروى البيهقي بسنده: أنَّ رجلًا كان معه امرأته، وهو في سفر، فولدت، فجعل الصبي لا يمص، فأخذ زوجها يمص لبنها ويمجه حتَّى وجد طعم لبنها في حلقه، فأتى أبا موسى (الأشعري) فذكر ذلك له، فقال: حرمت عليك امرأتك، فأتى ابن مسعود فقال (أي لأبي موسى): أنت الَّذي تفتي هذا بكذا وكذا؟! وقد قال رسول الله ﷺ : «لا رضاع إلَّا ما شدَّ العظمَ وأنبتَ اللَّحم»(31).
وفي رواية: إنَّ ابن مسعود قال لأبي موسى: أرضيع هذا؟! وأنَّ أبا موسى قال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْر فيكم(32).
وعن جابر مرفوعًا: «لا رضاعَ بعد فِصالٍ»(33). وقد قال القرآن:﴿وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ﴾[لقمان: 14].
وعن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي رجل فقال: من هذا؟ قلت: أخي في الرضاعة. قال: «يا عائشة، انظُرْنَ مَنْ إخوانكنَّ، فإنَّما الرضاعة من المجاعة»(34).
وفي قوله: «انظُرْنَ مَنْ إخوانُكُنَّ» أمر بالتأمل فيما وقع من الرضاع؛ هل هو رضاع صحيح مستجمع للشروط المعتبرة أم لا، وقوله: «فإنَّما الرضاعة من المجاعة» تعليل للباعث على إمعان النظر والتفكر، بأنَّ الرضاعة الَّتي تثبت بها الحرمة: هي حيث يكون الرضيع طفلًا، يسد اللبن جوعته. وأمَّا من كان يأكل ويشرب فرضاعه لا من مجاعة؛ لأنَّ في الطعام والشراب ما يسد جوعته.
ومثل هذا حديث: «لا رضاع إلّا ما شدَّ العظم، وأنبت اللحم» فإنَّ هذا إنَّما يكون لمن كان غذاؤه اللبن.
وعن ابن عمر: أنَّ امرأة من الأنصار عمدت إلى جارية لزوجها، فأرضعتها (أي بدافع الغَيْرة) فلمَّا جاء زوجها قالت: إنَّ جاريتك هذه قد صارت ابنتك! فانطلق الرجل إلى عمر، فذكر ذلك له، فقال له عمر: عزمت عليك لما رجعت فأصبت جاريتك، وأوجعت ظهر امرأتك؛ فإنَّما الرضاعة رضاعة الصغير(35).
وهذا هو قول ابنه عبد الله بن عمر: لا يحرم من الرضاع إلّا ما كان في الصِّغر(36). فهو إذن قول عمر وابنه وابن مسعود وأبي موسى وابن عباس.
قال البيهقي: وروينا هذا التحديد بالحولين من التابعين عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي(37).
وهو قول جمهور الفقهاء(38): إنَّ الرضاع المحرِّم ما كان في الصغر. وهذا هو المعروف من شأن الرضاعة والرضيع، ولم يستطع المخالفون أن يردوا هذه الدلائل إلّا بالتعسف في التأويل.
وعمدة المخالفين القائلين بأنَّ الرضاعة تحرِّم ولو في الكبر: حديث عائشة وأم سلمة المشهور؛ في قصَّة سهلة بنت سهيل: امرأة أبي حُذَيْفة بن عتبة، ومولاهما سالم، والَّذي أخرجه الشيخان وأصحاب السنن والمصنفات والمسانيد.
ففي صحيح مسلم، عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سُهَيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنِّي أرى في وجه أبي حُذَيْفة من دخول سالم ـ وهو حليفه ـ فقال النبي ﷺ : «أرضعيه». قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟! فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: «قد علمتُ أنَّه رجل كبير»(39).
وفي رواية أخرى لمسلم عن عائشة أيضًا: أنَّ سالمًا مولى أبي حذيفة، كان مع أبي حُذَيْفة وأهله في بيتهم، فأتت (تعني ابنة سهيل) النبي ﷺ ، فقالت: إنَّ سالمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنَّه يدخل علينا، وإنِّي أظنُّ أنَّ في نفس أبي حُذَيْفة من ذلك شيئًا. فقال لها النبي ﷺ : «أرضعيه، تحرمي عليه، ويذهب الَّذي في نفس أبي حُذَيْفة» فرجعت، فقالت: إنِّي قد أرضعته. فذهب الَّذي في نفْس أبي حُذَيْفة(40).
ولم يكن سالم بالنسبة لأبي حُذَيْفة وأهله مجرَّد شخص أو حليف يعيش معهم في بيتهم، بل كان يعدُّ واحدًا منهم، وابنًا لهم، إذ كان أبو حُذَيْفة قد تبنَّاه في الجاهلية، واعتبره ابنًا له سنين عددًا، حتَّى أبطل الإسلام التبني، وقد بينت ذلك أم المؤمنين عائشة # ، في رواية لها عند البخاري والبُرْقاني وأبي داود والبيهقي وغيرهم.
فروى البخاري عن عائشة # : أنَّ أبا حُذَيْفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ـ وكان ممَّن شهد بدرًا مع النبيِّ ﷺ ـ تبنَّى سالمًا، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى النبي ﷺ زيدًا، وكان من تبنَّى رجلًا في الجاهلية دعاه النَّاس إليه، وورث من ميراثه، حتَّى أنزل الله: ﴿ادْعُوهُمْ لِءَابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ﴾[الأحزاب: 5]، فرُدُّوا إلى آبائهم فمن لم يُعلم له أبٌ؛ كان مولًى وأخًا في الدين، فجاءت سهلة بنت سُهَيل بن عمرو القرشي ثمَّ العامري ـ وهي امرأة أبي حُذَيْفة بن عتبة ـ النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وقد أنزل الله فيه ما قد علمت... فذكر الحديث(41).
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: ساق بقيته البُرْقَاني وأبو داود: فكيف ترى؟ فقال رسول الله ﷺ : «أرضعيه». فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنـزلة ولدها من الرضاعة. فبذلك كانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبَّت عائشة أن يراها ويدخل عليها ـ وإن كان كبيرًا ـ خمس رضعات، ثمَّ يدخل عليها، وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي ﷺ ، أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من النَّاس حتَّى يرضع في المهد(42).
وفي صحيح مسلم عن زينب بنت أم سلمة: أنَّ أم سلمة قالت لعائشة: إنَّه يدخل عليك الغلام الأيفع (أي الَّذي قارب البلوغ) الَّذي ما أحبُّ أن يدخل عليَّ. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة؟! وذكرت قصَّة امرأة أبي حذيفة(43).
وفي مسلم أيضًا عن زينب: أنَّ أمها أم سلمة ـ زوج النبي ﷺ ـ كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلَّا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة، ولا رائينا(44).
وهذا ـ أي حمل الحديث على الخصوصية لسالم ـ هو أحد المخارج من هذا الحديث، الَّذي جاء مخالفًا لما دلت عليه الدلائل الَّتي سقناها من قبل: أنَّ الرضاعة المؤثرة ما كانت في وقت الصغر، وتكوين اللحم والعظم.
وحكى الإمام الخطابي عن عامَّة أهل العلم: أنَّهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين: إمَّا على الخصوص، وإمَّا على النسخ(45)، ونحوه عن ابن المنذر(46).
وقد تعقبت دعوى النسخ بأنَّه متوقف على معرفة التاريخ.. على أنَّ قولها للنبيِّ ﷺ : كيف أرضعه وهو رجل كبير؟! دالّ على تأخره عما دلّ على اعتبار الصغر؛ فلم يبق إلّا أنَّها واقعة عين، توقف على محلها.
ودافع بعض العلماء عن عائشة بأنَّ الأصل عدم الخصوصية، والتخصيص يفتقر إلى دليل وأين هو؟!
وأجيب: إنَّ الدليل هو الآية، والأحاديث والآثار الَّتي قيدت الرضاعة بما كان في الحولين وفي الثدي: أي وقت حاجة الرضيع إليه، واستغنائه به.
وهذا التأويل هو ما فهمته أم سلمة وسائر أمهات المؤمنين. يؤيد ذلك أنَّ مباشرة الرجل الأجنبية ممنوعة قطعًا بالإجماع. وهو حكم عام مستمر، فهذا أقوى من الحديث المذكور؛ فيتعيَّن صحَّة اجتهاد أم سلمة ومن معها، وخطأ اجتهاد عائشة.. رضي الله عنهن جميعًا.
وقد تعرَّض القاضي عياض لدفع ما ذكر من المباشرة؛ بأن سهلة لعلَّها حلبته ثمَّ شربه من غير أن يمسَّ ثديها.
قال النووي: وهذا حسن، ويحتمل أنَّه عفي عن مسِّه للحاجة، كما خصَّ بالرضاعة مع الكبر(47) اهـ.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنَّ الرضاع يعتبر فيه الصغر، إلّا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الَّذي لا يُستغنَى عن دخوله إلى المرأة، ويشق احتجابها عنه؛ كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فيكون في مثله مؤثِّرًا، وأمَّا من عداه فلا بدَّ من الصغر. وفي هذا جمع للأحاديث الواردة، والعمل بها مهما أمكن هو الواجب(48).
وأيَّد الإمام ابن القيِّم هذا المسلك لشيخه، وقال: والأحاديث النافية للرضاع في الكبر، إمَّا مطلقة فتقيد بحديث سهلة، أو عامَّة في الأحوال، فتخصص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من دعوى النسخ، ودعوى التخصيص لشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين وقواعد الشرع تشهد له(49).
قال العلامة الشوكاني في «نيل الأوطار»: وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، بأن تجعل قصَّة سالم المذكورة مخصصة لعموم: «إنَّما الرضاعة من المجاعة»(50)، و«لا رضاع إلَّا في الحَوْلين»(51)، إلخ. وهذه طريق متوسطة بين طريقة من استدل بهذه الأحاديث على أن لا حكم لرضاع الكبير مطلقًا، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقًا، كما لا يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسُّف(52).
ولقد تناولت بعض الأقلام في بعض الصحف المصرية هذا الحديث، وما فيه من إرضاع سهلة لسالم، منكرين له، متهجِّمين على كل من رواه أو نشره، أو استشهد به في كتاب، وتطاولوا على فضيلة الشيخ سيد سابق لذكره هذا الحديث في كتابه «فقه السنة» سالكين هذا الحديث ضمن الموضوع المكذوب على رسول الله ﷺ ، إذ لا يعقل في نظرهم أن يرضع رجل كبير من امرأة، وكيف يأذن له النبي ﷺ ولها في ذلك؟ وإذ لم يعقل ذلك، فالحديث مكذوب وإن ورد في البخاري ومسلم!
ولا ريب أنَّ الاجتراء على ردِّ الأحاديث الثابتة بهذه السهولة، والتطاول على الأئمَّة الأعلام بمثل هذه الجرأة، بل الوقاحة، لا يتأتى من إنسان شمَّ رائحة العلم، وعايش أهله أحياءً في حلقاتهم، أو أمواتًا في كتبهم. إنَّما هو شأن «الأدعياء» المتطفِّلين على موائد العلم وأهله، أو «الخطَّافين» المتسرِّعين المغرورين، الَّذين فقدوا فضيلة التواضع فلم يسألوا، وفقدوا خُلق الأناة فلم يتثبَّتوا، وفقدوا أصالة العلم، فلم يتبيَّنوا.
إنَّ هذا الحديث لم يذكره كتاب ولا اثنان ولا ثلاثة، ولم يروه صحابي أو اثنان فحسب، ولا تابعي أو اثنان، إنَّه كما قال الإمام ابن حزم: منقول نقل الكافة عن الكافة، ثمَّ إنَّه حديث شغل الصحابة وأمهات المؤمنين منذ العصر الأول، وشغل التابعين وأتباع التابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم، وقسمهم شطرين، شطر يؤيده ويأخذ بظاهره، ويرى الرضاع محرِّمًا في الصغر والكبر.
وشطر يتخذ منه موقفًا آخر يتمثل في القول بالخصوصية لسالم، أو القول بأنَّه منسوخ، أو القول بأنَّه رخصة للحاجة.
قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار:
«هذا حديث قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي ﷺ ، ورواه من التابعين: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وحميد بن نافع، ورواه عن هؤلاء الزهري، ثمَّ رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة وشعبة، ومالك وابن جريح، وشعيب ويونس، وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم. وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع إليهم في أعصارهم، ثمَّ رواه عنهم الجم الغفير والعدد الكثير، وقد قال بعض أهل العلم: إنَّ هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر. وقد استدلَّ بذلك من قال: إنَّ إرضاع الكبير يثبت به التحريم»(53) اهـ.
وأعتقد أنَّ حديثًا بهذه الدرجة من الصحة والقوة والشهرة، الَّتي جعلت بعض العلماء يبلغ به إلى مرتبة التواتر اليقيني، لا يجوز في منطق العلم وعرف العلماء: أنْ يتهوَّر متهوِّر، فيرميه بأنَّه حديث باطل أو مكذوب! دون أن يكلِّف نفسه الرجوع إلى مصادر الحديث، ورأي علماء الأمة فيه، وكأنَّه نصب نفسه وحده حكمًا على الأمة كلها؛ منذ عهد الصحابة إلى اليوم، فما قبله فهو المقبول، وما رفضه فهو المرفوض!
إنَّ الاستهانة بالعلم وبالعقول إلى هذا الحد، أمر لا يقبل بحال.
حكم الرضاع من جهة زوج المرضعة، أو ما يُسمَّى «لبن الفحل»:
أجمعت الأمة على ثبوت حُرمة الرضاع بين الرضيع ـ ذكرًا كان أو أنثى ـ وبين مرضعته؛ إذا تحقق الرضاع بأوصافه وشروطه في مدته الموقوتة.. فهي تصير له أمًّا، ويصير ابنها، وبهذه البنوة الرضاعيَّة يحرم عليه زواجها حرمة مؤبدة، ويحل له النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة بها، ولكن لا تترتب على هذه البنوَّة الرضاعية أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يتحمَّل الدية عنها، ولا يسقط عنها القصاص لو قتلته، إلخ فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام(54).
وأجمعت الأمة كذلك على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنَّه من ذلك كولدها من النسب(55).
وأمَّا زوج المرأة المرضعة ـ الَّذي كان اللبن بسبب حملها وولادتها منه ـ ففي شأنه خلاف كبير وقديم منذ عهد الصحابة والتابعين @ ومن بعدهم، وهي المسألة الَّتي يعبرون عنها في الفقه بعنوان «لبن الفحل» أي لبن الرجل الَّذي منه كان الحمل والولادة، وبالتالي الإرضاع: هل تثبت الحرمة من جهته، وتنتشر كما ثبتت وانتشرت من جهة المرأة أم لا؟
في هذه القضية أربعة مذاهب، ترويها الآثار والفقه المقارن:
1 ـ مذهب من يحرم بلبن الفحل:
مذهب الأئمَّة الأربعة، بل المذاهب الثمانية المعروفة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والظاهري(56) والزيدي والجعفري والإباضي) أنَّ حرمة الرضاع تثبت بين زوج المرضِعة وبين الرضيع ـ ذكرًا أو أنثى ـ ويصير ولدًا له، ويصير أولاد الرجل إخوة وأخوات للرضيع، ويكون إخوة الرجل أعمامًا للرضيع، وأخواته عماته، ويكون أولاد الرضيع أولاد ولد الرجل... وهكذا(57).
ودليل هؤلاء، ما رواه الشيخان ـ واللفظ لمسلم ـ عن عائشة أم المؤمنين أنَّها أخبرت عروة بن الزبير ـ ابن أختها أسماء ـ أنَّه جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها، بعدما نزل الحجاب، وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة. قالت عائشة: والله لا آذن لأفلح حتَّى أستأذن رسول الله ﷺ ؛ فإنَّ أبا القُعَيْس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته! قالت عائشة: فلمَّا دخل رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، إنَّ أفلح أخا أبي القُعَيْس جاءني يستأذن عليَّ، فكرهتُ أن آذن له حتَّى أستأذنك. فقال النبيُّ ﷺ : «ائذني له». قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرِّموا من الرضاعة ما تحرِّمون من النسب(58).
وفي رواية أخرى لمسلم، قال: استأذن عليّ أفلح بن قعيس؛ فأبيت أن آذن له. فأرسل: إنِّي عمك، أرضعتك امرأة أخي. فأبيت أن آذن له، فجاء رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له؛ فقال: «ليدخل عليكِ؛ فإنَّه عمُّكِ»(59).
وفي رواية: «فإنَّه عمُّك، تربت يمينك»(60).
وفي أخرى: فقال لها: «لا تحتجبي منه؛ فإنَّه يحرم من الرَّضَاع ما يحرم من النسب»(61).
والحديث برواياته كلِّها صريح في المطلوب؛ لأنَّه أثبت العمومة من طريق الرجل زوج المرضِعة، وهي فرع عن ثبوت أبوَّته للرضيع، وبنوَّة الرضيع له.
يؤيِّد هذا الحديث عموم حديثه: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
2 ـ مذهب من قال: لبنُ الفحل لا يحرم:
والمذهب الثاني في هذه المسألة، على عكس المذهب الأول، فهو لا يرى بلبن الفحل بأسًا، ولا يرى التحريم به بحال، وهو مذهب عدد كبير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وسنعرض بعد ذكر المذهبين الآخرين للقائلين بهذا المذهب وأدلَّتهم بتفصيل.
3 ـ مذهب من يرى كراهية لبن الفحل:
وهناك من الفقهاء من وقف موقفًا وسطًا بين من لم يرَ بلبن الفحل أي بأس، وبين من رآه محرِّمًا. فلم يقل بالإباحة المطلقة، ولا بالتحريم المطلق، بل قال بالكراهة فحسب.
ذكر ابن حزم في «المحلَّى» بالسند إلى مجاهد: أنَّه كره لبن الفحل. وذكر أيضًا من طريق سعيد بن منصور وأبي عُبَيْد بسندهما إلى عبد الله بن سَبْرة الهمداني أنَّه سمع الشَّعْبِيَّ يَكْرَه لبن الفحل(62).
4 ـ مذهب المتوقِّفين في المسألة:
وهناك مذهب رابع لبعض الفقهاء، أنَّهم توقفوا في المسألة، ولم يفتوا فيها برأي، حيث تعارضت عندهم الأدلة، ولم يوجد أمامهم مرجح.
فقد روى سعيد بن منصور بسنده إلى عبَّاد بن منصور، قال: سألت مجاهدًا عن جارية من عرض النَّاس أرضعتها امرأة أبي، أترى لي أن أتزوَّجها؟ فقال: اختلف فيها الفقهاء، فلست أقول شيئًا (وهذه رواية أخرى غير الرواية الَّتي نسبت إليه القول بالكراهة).
قال: وسألت ابن سِيرِينَ، فقال مثل قول مجاهد(63).
وهذا هو موقف الفقيه المتثبت حين تتعارض في نظره الدلائل، ولا يجد أمامه سبيلًا للتوفيق، أو الترجيح بينها. فهنا لا يسعه إلّا التوقف، وقول: «لا أدري». ومن قال: لا أدري. فقد أجاب.
والآن نعود لتفصيل القول في المذهب الثاني.
تفصيل مذهب من قال: لا بأس بلبن الفحل:
فقد ذهب جم غفير من الصحابة وأمهات المؤمنين والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى أنَّ لبن الفحل لا يحرِّم.
فمن الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة، بل عائشة نفسها راوية حديث أفلح أخي أبي القعيس، وغيرهم من الصحابة.
ومن التابعين: القاسم بن محمد بن أبي بكر: ابن أخي عائشة، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمٰن بن عوف، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة، وإبراهيم النخعي، وأبو قلابة، ومكحول، والشعبي، وإياس بن معاوية، وربيعة بن عبد الرحمٰن (ربيعة الرأي شيخ مالك) وإبراهيم بن عُلَيَّة، وابن بنت الشافعي، وداود وأتباعه، والشافعي في قولٍ قديم له(64).
وحجتهم في ذلك أولًا: مفهوم قوله تعالى في بيان المحرمات في النِّكاح بعد ذكر المحرمات من جهة النسب: الأمهات، والبنات، والأخوات، إلخ: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ﴾[النساء: 23]، ولم يذكر العمة ولا البنت وغيرها كما ذكر في النسب. فدل تخصيصهم بالذكر على أنَّ من عداهن ـ ممَّن يدلي بجهة غير جهة الأم ـ بخلافهن.
وأكد ذلك قوله تعالى بعد ذكر المحرمات:﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ﴾[النساء: 24]، بهذا اللفظ العام.
وحجتهم ثانيًا: ما رواه الإمام الشافعي وأبو عبيد في كتاب النكاح، وذكره ابن حزم في المحلى بالسند إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود: أنَّ أمه زينب بنت أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ أرضعتها أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير.
قالت زينب: فأرسل إليَّ عبد الله بن الزبير يخطب ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير، وكان حمزة ابن الكلبية. فقلت لرسوله: وهل تحل له؟ إنَّما هي بنت أخته! فأرسل إليَّ ابن الزبير: إنَّما تريدين المنع! أنا وما ولدت أسماء إخوتك. وما كان من ولد الزبير من غير أسماء فليسوا لك بإخوة. فأرسلي فاسألي عن هذا.
فأرسلت، فسألت والصحابة متوافرون وأمَّهات المؤمنين، فقالوا: إنَّ الرضاعة من قِبَل الرجال لا تُحَرِّم شيئًا، فأنكحتها إيَّاه. فلم تزل عنده حتَّى هلكت(65).
ولو ادُّعِيَ الإجماعُ السكوتيُّ في مثل هذا لكان له وجه؛ إذ لم يُنَقَلْ أنَّ أحدًا منهم اعترض على هذا الزواج رغم وقوعه واستمراره.
ولا ريب أنَّ زينب كانت مخالفة لابن الزبير في رأيه، فكانت حريصة على معرفة رأي من يوافقها، ولكنَّها رغم حرصها وسؤالها وطلب ابن الزبير نفسه منها أن تسأل، لم تجد من ينكر هذا الزواج.
وليس أدل على الجواز في هذا العهد المبكر، الحافل بالصحابة وأمهات المؤمنين وتلاميذهم: من الوقوع بالفعل دون نكير من أحد، رغم استمرار الزواج إلى الموت وليست هذه هي الواقعة الوحيدة في ذلك العهد المبكر.
فقد قال يحيى بن سعيد الأنصاري: كانت امرأة سالم بن عبد الله بن عمر، قد أرضعت حمزة بن عبد الله بن عمر، فولد لسالم بن عبد الله من امرأة أخرى غلام اسمه عمر، فتـزوج بنت حمزة بن عبد الله بن عمر. أي أنَّ سالمًا زوج ابنه أختًا له من أبيه من الرضاعة.
وكيف لا؟ وقد قال عبد الله بن عمر ـ وهو معروف بورعه وشدة اتباعه ـ لا بأس بلبن الفحل(66).
والعجب أنَّ أم المؤمنين عائشة ذاتها راوية حديث أفلح أخي أبي القُعَيْس قد ثبت عنها من عملها ما يخالف روايتها. فقد روى عنها ابن أخيها القاسم بن محمد: أنَّها كانت تأذن في الدخول عليها لمن أرضعته أخواتها وبنات أخيها، ولا تأذن لمن أرضعته نساء إخوتها وبني إخوتها.
قال ابن حزم بعد أن ذكر أنَّ الَّذين أذنت لهم رأتهم ذوي محرم منها، وأنَّ الَّذين لم تأذن لهم لم ترهم ذوي محرم منها؟
قال: وقال بعضهم: للمرأة أن تحتجب ممَّن شاءت من ذوي محارمها، فقلنا: إنَّ ذلك لها؛ إلّا أنَّ تخصيصها # بالاحتجاب عمَّن أرضعته نساء أبيها ونساء إخوتها: لا يمكن إلّا للوجه الَّذي ذكرنا؛ لا سيَّما مع تصريح ابن الزبير ـ وهو أخص النَّاس بها ـ بأنَّ لبن الفحل لا يحرم، وأفتى القاسم بذلك(67).
وقد ألزم ابن حزم هنا الحنفية والمالكيَّة بأنَّ قواعدهم تقتضي ترك الحديث الَّذي يعمل راويه بخلافه؛ لأنَّ هذا يدل على أنَّه منسوخ عنده أو مؤول، وأنَّه لم يخالفه إلّا لفضل علم عنده عرف به ذلك(68).
وهنا صحَّ عن عائشة خلاف ما روت كما ذكرنا، فكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتبعوا عمل عائشة، ويعرضوا عن روايتها. ولو كان هذا الحكم روي عن غير عائشة لكان لهم معذرة، لكنَّه لم يروه غيرها، وهو إلزام قوي كما قال الحافظ في «الفتح»(69).
وممَّا استدلُّوا به من جهة النظر: أنَّ التحريم إنَّما هو لشبهة البعضيَّة الَّتي بها ينبُت اللحم، وينشز العظم، واللبن بعض المرأة المُرْضِعة لا بعض الرجل، لأنَّه ينفصل منها لا منه. بدليلِ أنَّه لو درَّ من الرجل لبنٌ بالفعل، فرضعه الطفل حتَّى شبع، لم يصر ابنًا له بالرضاع، ولم تترتَّب عليه آثار التحريم(70).
وقال المخالفون: إنَّ سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا، فوجب أن يكون الرضاع منهما. وإلى هذا أشار ابن عبَّاس بقوله في هذه المسألة: اللقاح واحد.
لكن قال الشافعي: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس، فإنَّ اللبن ليس ينفصل منه، وإنَّما ينفصل منها، والْمُتَّبَعُ الحديثُ(71) اهـ.
قال في «الروض النضير»: وإذا كان خارجًا عن القياس، فالحديث إنَّما ورد في العمِّ من الرضاع لا غير، وحقَّه أن يقتصر منه على ما ورد، ولا يتعدَّى حكمه إلى غيره من القرابات. إلَّا أنَّ قوله: «إنَّه عمُّك» تصريح بأنَّ العلَّة العمومة، فيلحق بها ما عداها ممَّا هو أولى منها كالأبوة... أو مساوٍ كالأخوة لأب من غير المرضعة، وكذا الخؤولة ونحوها، وهو الَّذي يشير إليه قول عائشة بعد رواية الحديث: «حرِّموا من الرضاع ما يحرم من النسب»(72). وليس من القياس على ما خالف القياس، لمَّا تقرر في الأصول: أنَّ ذلك ليس على إطلاقه.
وقال الإمام القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، استدل به من نفى لبن الفحل؛ وهو سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبد الرحمٰن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرِّم شيئًا من قبل الرجل. وقال الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]. يدل على أنَّ الفحل أب؛ لأنَّ اللبن منسوب إليه، فإنَّه درٌّ بسبب ولده(73).
قال القرطبي: وهذا ضعيف، فإنَّ الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعًا، واللبن من المرأة ولم يخرج مـن الرجل، وما كان من الرجل إلَّا وطء هو سبب لنـزول الماء منه. وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافًا إلى الرجل بوجهٍ ما. ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنَّما اللبن لها، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء(74).
قال: وقول رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه، والرضاع منها.
نعم الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة. وذكر قصَّة «أفلح» أخي أبي القعيس. قال: وهذا أيضًا خبر واحد. ويحتمل أن يكون «أفلح» مع أبي بكر رضيعي لبان. فلذلك قال: «ليلجْ عليك؛ فإنَّه عمك». وبالجملة: فالقول فيه مشكل، والعلم عند الله... ولكن العمل عليه، والاحتياط في التحريم أولى، مع أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 24]. يقوي قول المخالف(75)»(76).
والواقع أنَّ تأويل القرطبي لمعنى العمومة في الحديث بعيد، فقد بينت الروايات: أنَّ «أفلح» أخو أبي القُعَيْس وليس أخا أبي بكر. وأنَّ عائشة نفسها قالت: إنَّما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل، إلخ.
هل لحديث عائشة من تأويل؟
على أنَّ الَّذي لا ينقضي منه العجب هو: كيف يخالف جمّ غفير من الصحابة وأمهات المؤمنين وسادات التابعين، وأعلام الفقهاء حديث عائشة في قصَّة «أفلح»؟ أم هل خفي عليهم ولم يبلغهم؟ فلماذا لم يحتج به عليهم مخالفوهم؟ بل كيف خالفت عائشة روايته؟ وكيف خالفه أقرب النَّاس إليها مثل ابن أختها عبد الله بن الزبير ـ أحد العبادلة الأربعة ـ وابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر أحد الفقهاء السبعة؟!
بل كيف لم يقل به فقهاء المدينة بصفة عامَّة وهم أتبع النَّاس للحديث، وأعلم النَّاس به؟! ما خالفهم في ذلك إلّا الزهري(77)؟!
لقد فكَّرت في هذه المسألة طويلًا، وطالعت فيها عددًا غير قليل من الكتب، ولكنِّي لم أجد فيها ما ينقع الغلة، ويجيبني عن السؤال الَّذي حيَّرني.. وهو: كيف لم يقل مثل ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من الصحابة وأمهات المؤمنين، وسادات التابعين من فقهاء المدينة وغيرهم بمقتضى حديث عائشة في أخي أبي القعيس؟
فإما أنَّهم لم يبلغهم الحديث.. وهذا بعيد مع قرب العهد والمعاصرة من بعضهم، ومع إثارة المشكلة من ابن الزبير وبنت أم سلمة في عهد الصحابة، ثمَّ خلاف بعضهم لبعض بعد ذلك واستناد بعضهم إلى الحديث.
وإما أنَّهم بلغهم الحديث وتعمَّدوا مخالفته، وهذا أشدُّ بعدًا، فقد كانوا أتبع النَّاس للسنة إذا عرفوها، ولا يسع أحدًا منهم مخالفتها.
وإما أنَّهم بلغهم الحديث؛ وكان لهم فيه تأويل سائغ، صرفهم عن الأخذ به.
وهذا في رأيي هو أقرب الاتجاهات في ذلك، وأليقها بهؤلاء الأعلام من صحابة وتابعين وأتباع.
ولكن ممَّا يؤسف له أنَّ شيئًا من تأويلهم لم يصل إلينا.
فعلينا نحن أن نجد تأويلًا مقبولًا للحديث يمكن الاعتماد عليه.
والذي يبدو لي أحد تأويلين:
الأول: أنَّ حديث عائشة واقعة حال معينة، حكم فيها الرسول ﷺ في حادث خاصٍّ؛ بلفظ خاصٍّ، فلعله راعى ظرف هذا الرجل وسنه، ونظرته إلى عائشة أنَّها ابنة أخيه، وغير ذلك من الاعتبارات، الَّتي يمكن أن يكون لها تأثير في الفتوى في هذه الواقعة الشخصية، مع ثبوت الحاجة، وانتفاء الشبهة، وأمن الفتنة. وقد جاءت الفتوى بلفظ خاص خوطبت به عائشة # . والحكم في مثل هذه الواقعات المعينة الخاصة لا يجب تعدِّيه إلى غيرها. ولعلَّ هذا كان هو ملحظ عائشة حين خالفت هذا الحديث؛ فلا يظن بها أن تتعمَّد مخالفة النبي ﷺ في أمرٍ علمته من شرعه.
التأويل الثاني: أن يُقال: إنَّ الحديث قد جاء في الإذن بالدخول، فيجب الاقتصار عليه، ولا يعدَّى الحكم إلى تحريم الزواج، إذ ليس في الحديث تصريح بذلك؛ وبخاصَّة أنَّه جاء على خلاف القياس، كما نقل عن الشافعي 3 . وقد يتسامح في الرؤية والدخول إذا اقتضت الحاجة، وأمنت الفتنة.
أمَّا تحريم الحلال، فهو قرين الشرك، وهو ممَّا شدد فيه القرآن النكير على من اقترفه في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى:﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌۭ وَهَٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾[النحل: 116].
ملاحظات حول قضيَّة الاحتياط في الدين:
وهنا نجد وجهتين من قضيَّة «الاحتياط» في الدِّين عند العلماء:
الأولى: وجهة الَّذين يحتاطون بالتوسع في دائرة التحريم، فكل ما يخشى منه الوقوع في محرم أو شائبته يفتون بمنعه أو تحريمه احتياطًا. وهذه هي الوجهة الشائعة.
والثانية: وجهة من يرون «التحريم» نفسه ـ بغير قاطع ـ أمرًا محظورًا محذورًا، يخشى خطره، ويتوقَّى شرره؛ فلهذا يفرون منه، ويرون الاحتياط هنا أن يبقوا الأشياء والأمور على الإباحة الأصلية، أو يقولوا بمجرَّد الكراهة بمثل: أكره، أو لا أستحبُّ، أو لا أدري ونحوها، وقد يتوقَّفون عن الحكم نهائيًّا إذا تعارضت أمامهم الأدلَّة، ولم ينقدح في أنفسهم مرجِّح معتبَر يستندون إليه.
ولا بدَّ أن أنبِّه هنا على أمرين في قضيَّة الاحتياط أيضًا:
أولهما: أنَّ المبالغة في الاحتياط عن طريق المنع والتضييق؛ ينتهي إلى نوع من التنطع، أو الغلو الَّذي ذمَّه الرسول ﷺ أبلغ الذم: «هلك المتنطِّعون ـ قالها ثلاثًا(78) ـ إيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين»(79).
وقد ذكرت في مقدمة كتابي «فتاوى معاصرة» أنَّ استمرار الأخذ بالأحوط في كلِّ شيءٍ يجعل الدِّين في النهاية مجموعة «أحوطيَّات» تنتهي بالناس إلى الحرج؛ وهو منفيٌّ في شرع الله. ولهذا أرى الاعتدال في الاحتياط مطلوبًا أيضًا، حتَّى لا نُشدِّد على عباد الله، وندخلهم في دائرة العُسْر، والله يريد بهم اليسر.
والثاني: أنَّ الاحتياط والخروج من الخلاف والبعد عمَّا فيه أدنى شبهة، مطلوب من الإنسان الورع قبل الوقوع في الأمر، أمَّا إذا وقع الأمر وكان هناك وجه معتبر لتصحيحه؛ فالفقه هنا هو تصحيح ما وقع، حفظًا لمصالح النَّاس الَّتي ما جاءت الشريعة إلّا لترعاها.
ومن ثمَّ كان كثير من الفقهاء المعتبرين يفتون بالتخفيف وبالرخص على المُبتلَى بالواقعة فعلًا، بخلاف غير المُبتلَى.
فمن حلف بالطلاق على شيء ولم يحنث فيه بعد، وأمكنه أن يبقى ـ بلا حرج ـ مع امرأته على جميع المذاهب؛ فلا داعي لإفتائه بالمذاهب المخففة في أمر الطلاق، وأمَّا من وقع بالفعل فهنا نطلب له الرخصة، ويدفع عنه الحرج.
سأل رجل ابن عباس: هل للقاتل من توبة؟ فقال: لا. فلمَّا راجعه أصحابه في ذلك، وأنَّه كان يفتي قبل ذلك بأنَّ للقاتل توبة(80). أخبرهم بأنَّه رأى في عينيه نيَّة القتل، فأراد أن يسدَّ عليه الطريق حتَّى لا يتورَّط في المعصية.
ومعنى هذا أنَّه لو كان قاتلًا بالفعل لكان له منه موقف آخر.
وعلى هذا الأساس أقول: في مسائل الرضاع الَّتي وقع فيها الاختلاف بين العلماء، ولم يترجَّح فيها رأي واضح حاسم، ينبغي أن تكون الفتوى فيها ـ قبل الوقوع ـ بتجنبها ابتداءً، أخذًا بالاحتياط، وخروجًا من الخلاف، وبعدًا عن أي ارتياب.
وأمَّا بعد الوقوع فالفتوى يجب أن تقوم على أساس تصحيح ما وقع، حتَّى لا نهدم الأبنية المستقرة، ونشتِّت الشمل المجتمع، بغير نصٍّ قاطع، ولا إجماعٍ متيقَّن.
وهذا ما أخذت به نفسي من سنين عديدة في مسألة «لبن الفحل» أو الأب من الرضاع.
فمن استفتاني فيها قبل الزواج أفتيته ألَّا يفعل اتباعًا للمذاهب المعروفة، ومن استفتاني بعد الزواج والاستقرار أفتيته بالبقاء على حاله، أخذًا بمذاهب من ذكرنا من الصحابة والتابعين.
هذا وقد قال الفقهاء في القضايا الخلافية: إنَّ قضاء القاضي فيها يرفع الخلاف، ويحسم النـزاع.. بأي الرأيين قضى. ولا يجوز لأحد أن ينكر عليه، إذ من المقرر أنَّه لا إنكار في المسائل الاجتهادية.
وفي مسألتنا عَقْدٌ عُقِدَ، وسُجِّل في محكمة، وشهد به شهود، وأفتى بصحته مُفْتون، وقامت عليه حياة زوجيَّة صحيحة، ونشأت في ظله ذرية، واستمرت هذه الحياة بضعة عشر عامًا. وهذا ولا شك أقوى من مجرد قضاء قاض. فهو أيضًا رافع للخلاف.
وإفتاء المفتي أيضًا مثل قضاء القاضي، من شأنه أن يرفع الخلاف، ولا سيَّما إذا كانت الفتوى موثقة بالدليل، موافقة لمذهب فقيه معتبر. فكيف ونحن في موضوعنا نوافق جمهورًا غير قليل من أعلام الفقهاء؛ منذ عهد الصحابة ومن تبعهم بإحسان؟!
وإذا كان أكثر النَّاس يكفيه أن يكون في قضيَّة من القضايا موافقًا لمذهب واحد من المذاهب المتبوعة ولو خالف أكثرها، فكيف لا يكفيه من هم أعلم وأفضل وأكثر عددًا مـن أئمة المذاهب جميعًا؟!
إنَّني أفتي هنا ـ بكل اطمئنانٍ ويقين ـ الأخ السائل أنَّ زواجه صحيح، ولا داعي للوسوسة والبلبلة، ويكفي أن يكون في صفه من الصحابة: ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة وغيرهم @ .
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمٰن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وربيعة، ومكحول، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وغيرهم من جبال العلم، وأركان الفقه، وأساتذة الأجيال، وهم كفلاء بالدفاع عنه يوم القيامة.
وبالله التوفيق.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الشهادات (2645)، ومسلم في الرضاع (1447)، عن ابن عبَّاس.
(2) انظر: الهداية وشرح فتح القدير لابن الهمام (3/454 ـ 455)، والمغني لابن قدامة (8/175) وما بعدها، والمحلى لابن حزم (10/188) وما بعدها، نشر دار الفكر، بيروت.
(3) انظر: المحلى بالآثار (10/185).
(4) المصدر السابق (10/185 ـ 186).
(5) قدمت بحثًا مفصلًا حول «بنوك الحليب»، وجوازها من الناحية الفقهية، لمنظمة الطب الإسلامي في الكويت في الندوة التي عقدتها في العام 1403هـ ـ 1982م، عن الإسلام والإنجاب.
(6) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (5/507 ـ 508)، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 27، 1415هـ ـ 1994م.
(7) رواه أحمد (26099)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في النكاح (2063)، والترمذي في الرضاع (1150)، وقال: حسن صحيح.
(8) رواه النَّسائي في الكبرى في النكاح (5436).
(9) رواه الدارقطني (4364) مرفوعًا، وقال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ. والبيهقي (7/462)، وقال: الصحيح أنَّه موقوف. كلاهما في الرضاع. بلفظ: «لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين».
(10) انظر: المحلى (10/191 ـ 192).
(11) رواه عبد الرزاق في الطلاق (13910)، والنَّسائي في الكبرى في النكاح (5442).
(12) رواه أحمد (4114)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح بشواهده. وأبو داود في النكاح (2059)، والدارقطني في الرضاع (4358).
(13) رواه مالك في الرضاعة (2243) تحقيق الأعظمي.
(14) المحلى (10/191).
(15) رواه عبد الرزاق في الطلاق (13912)، والدارقطني في الرضاع (4393)، وصحح إسناد عبد الرزاق، ابن حجر في فتح الباري (9/147).
(16) سبق تخريجه صـ 289.
(17) رواه أحمد (25650)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(18) المحلى (10/198).
(19) روى البيهقي في الرضاع (7/458): أن ابن الزبير وابن عبَّاس كانا يقولان: لا تحرم المصة ولا المصتان ولا تحرم دون عشر رضعات فصاعدًا.
(20) المصدر السابق.
(21) زاد المعاد (5/509).
(22) التحديد بخمس عشرة رضعة: هو رأي المذهب الجعفري من الشيعة الإمامية.
(23) قال النووي: اعترض أصحاب الشافعي على المالكية فقالوا: إنَّما كانت تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية (واللاتي أرضعنكم أمهاتكم). واعترض أصحاب مالك على الشافعية بأن حديث عائشة لا يحتج به عندكم؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد. انظر: شرح النووي على مسلم (10/29 ـ 30)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1392هـ.
(24) فتاوى شيخ الإسلام (34/44).
(25) المحلى (10/201)، والروضة الندية (2/85).
(26) الفتاوى للشيخ محمود شلتوت صـ 284، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 8، 1395هـ ـ 1975م.
(27) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للآلوسي (2/464 ـ 465)، تحقيق علي عبد الباري عطية، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415هـ.
(28) الكافي (2/965).
(29) رواه الترمذي في الرضاع (1152) وقال: حسن صحيح، والنَّسائي في الكبرى في النكاح (5441)، وابن حبان (4224)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. ورواه الحاكم أيضا وصحَّحه. كما في نيل الأوطار وأعل بالانقطاع، لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا لصغر سنها إذ ذاك. (وسيأتي رد ابن القيم على ذلك) قال الشوكاني: ولا يخفى أن تصحيح الترمذي والحاكم لهذا الحديث يدفع علة الانقطاع، فإنهما لا يصححان ما كان منقطعًا إلَّا وقد صح لهما اتصاله، لما تقرر في علم الاصطلاح: أنَّ المنقطع من قسم الضعيف. انظر: نيل الأوطار (6/375).
(30) رواه الدارقطني في الرضاع (4364)، وقال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. وقد أعل هذا الحديث بالانقطاع، لأنَّه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير، عن أم سلمة. قالوا: ولم تسمع منها شيئًا، لأنَّها ولدت في سنة 48هـ. وماتت أم سلمة سنة 59هـ. وفاطمة صغيرة، لم تبلغ، فكيف تحفظ عنها؟ ولم تسمع من خالة أبيها ـ عائشة ـ شيئًا وهي في حجرها، كما حصل سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر. ورد ابن القيم التعليل بالانقطاع؛ بأن فاطمة إذا كانت لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جدًّا أشياء ويحفظها. قال: وقد قلتم: إن فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة، وهذه سن جيدة، لا سيما للمرأة، فإنها تصلح فيه للزواج، فمن هي في حد الزواج كيف يقال: إنَّها لا تعقل ما تسمع، ولا تدري ما تحدث به؟ هذا هو الباطل الذي لا ترد به السنن، مع أن أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء، وكانت دارهما واحدة، فنشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء، مع خالة أبيها عائشة، وأم سلمة. انظر: زاد المعاد (5/524 ـ 525). وذكر البيهقي في الرضاع (7/462) أنَّ الصحيح أنَّه موقوف.
(31) رواه البيهقي في الرضاع (7/460).
(32) رواه البيهقي في الرضاع (7/460) وهو من رواية ابن لعبد الله بن مسعود: أن رجلاً.. إلخ. وفي رواية أخرى: عن عبد الله بن مسعود. وبعض أبناء ابن مسعود لم يسمع منه. ولكن الحديث له طرق عن ابن مسعود؛ يشد بعضها بعضًا. كما في المنتقى. وقد روي عن علي أيضًا مرفوعًا وموقوفًا. ورجَّح البيهقي الموقوف (7/461) وفيه من طريق عبد الرزاق: أن سفيان قال لمَعْنٍ: إنَّ جويبرًا حدثنا بهذا الحديث ولم يرفعه. قال معمر: وحدثنا مرارًا ورفعه البيهقي (7/461). قال في الروض النضير (4/313): وترك الرفع في حالة لا يقدح في المرفوع، فقد يكون لعدم نشاط أو نحوه، لا سيما مع تكرار الرفع من ثقة حافظ.
(33) رواه الطيالسي (1876).
(34) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الشهادات (2647)، ومسلم في الرضاع (1455).
(35) رواه البيهقي في الرضاع (7/461).
(36) رواه البيهقي في الرضاع (7/461).
(37) المصدر السابق (7/462).
(38) نسبه في الروض النضير (4/313) عدا من ذكر إلى أبي هريرة، وابن شبرمة وسفيان الثوري، وإسحاق وأبي عبيد وابن حزم، وابن المنذر وداود وجمهور أصحابه، وهو مذهب العترة، والشافعي وأحمد، وأبي يوسف ومحمد، وهو الصحيح عن علي اهـ. وذكر ابن حزم هنا وهم أو تحريف، فإن مذهبه التحريم برضاع الكبير؛ ولو أنَّه شيخ. انظر: المحلى (10/202) وما بعدها.
(39) رواه مسلم في الرضاع (1453) (26).
(40) رواه مسلم في الرضاع (1453) (27).
(41) رواه البخاري في النكاح (5088).
(42) انظر: فتح الباري (9/133).
(43) رواه مسلم في الرضاع (1453) (29).
(44) رواه مسلم في الرضاع (1454)، وأحمد (26660).
(45) معالم السنن (3/187)، نشر المطبعة العلمية، حلب، ط 1، 1351هـ ـ 1932م.
(46) الإشراف على مذاهب العلماء (5/119)، تحقيق صغير أحمد الأنصاري أبو حماد، نشر مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، ط 1، 1425هـ ـ 2004م.
(47) شرح النووي على مسلم (10/31)، والروض النضير (4/315).
(48) الروض النضير (4/315).
(49) زاد المعاد (5/527).
(50) سبق تخريجه صـ 311.
(51) سبق تخريجه صـ 300.
(52) نيل الأوطار (6/375).
(53) نيل الأوطار (6/371 ـ 372).
(54) شرح النووي على مسلم (10/19).
(55) المصدر السابق.
(56) ما ذكره ابن حزم في المحلى من مذهبه هو ومذهب أبي سليمان يعني داود الظاهري وأتباعه، هو مثل المذاهب الأربعة في هذه المسألة، ولكن النووي في شرح مسلم وابن حجر في الفتح والقاضي عياض قبلهم، ذكروا أن مذهب داود عكس هذا، ولا أدري أي النقلين أصح، وقد يقال إن ابن حزم أدرى بمذهب أصحابه، ويحتمل أن يكون له قولان في المسألة.
(57) شرح النووي على مسلم (10/19).
(58) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التفسير (4796)، ومسلم في الرضاع (1445) (5).
(59) رواه مسلم في الرضاع (1445) (10).
(60) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6156)، ومسلم في الرضاع (1445) (6).
(61) رواه مسلم في الرضاع (1445) (9).
(62) المحلى (10/181).
(63) المحلى (10/181).
(64) انظر: المحلى (10/179 ـ 186)، وفتح الباري (9/141)، والهداية وشرح فتح القدير (3/448). قال في نيل الأوطار: وقد روي ما يدل على أنَّه قول جمهور الصحابة. انظر: نيل الأوطار (6/377). مستدلًّا بقصة ابن الزبير وزينب بنت أم سلمة، التي سنذكرها بعد.
(65) المحلى (10/179)، ونيل الأوطار (6/377).
(66) المحلى (10/179).
(67) المحلى (10/183).
(68) المصدر السابق (10/183).
(69) فتح الباري (9/152).
(70) والمخالفون يقولون: إنَّ الرجل هو سبب نزول اللبن منها ليضاف إليه في موضع الحرمة احتياطًا، وقالوا أيضًا: إنَّه قياس في مقابل النص فلا يلتفت إليه. انظر: شرح فتح القدير (3/450 ـ 452).
(71) الروض النضير (4/301).
(72) سبق تخريجه صـ 320.
(73) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/111)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، نشر دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2، 1384هـ ـ 1964م.
(74) المصدر السابق.
(75) ولهذا ألزم الشافعي المالكية في المسألة برد أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة، ولو خالف الحديث الصحيح إذا كان من الآحاد، لما رواه عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة؛ من أن لبن الفحل لا يحرم. قال عبد العزيز بن محمد: وهذا رأي فقهائنا إلَّا الزهري. فقال الشافعي: لا نعلم شيئًا من علم الخاصة أولى بأن يكون عامًّا ظاهرًا من هذا. وقد تركوه للخبر الوارد، أو يردوا ما خالف الخبر، وعلى كل حال هو المطلوب. فتح الباري (9/152).
(76) المصدر السابق (5/111 ـ 112).
(77) تفسير القرطبي (5/111).
(78) رواه مسلم في العلم (2670)، وأحمد (3655)، عن ابن مسعود.
(79) رواه أحمد (1851)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم. والنَّسائي (3057)، وابن ماجه (3029)، وابن خزيمة (2867)، ثلاثتهم في الحج، والحاكم في الصوم (1/466)، وصحَّحه على شرطهما، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (2455)، عن ابن عبَّاس.
(80) رواه ابن أبي شيبة في الديات (28326)، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (4/343): رجاله ثقات.