2026-06-14
33
الزواج العرفيِّ وزواج المرأة من غير وليٍّ
أريد أن أستفتيكم في أمر وآخذ رأيكم فيه، أنا أريد الزواج من أرملة، وهي كذلك تريد الزواج منِّي، دون أن يعلم أحد بذلك إلّا الشاهدان، علمًا بأنَّ المرأة لديها أولاد، وهي تحب أولادها جدًّا، فماذا نعمل حفاظًا على أولادها من أهل زوجها، خشية أن يأخذوا الأولاد منها؟ فهل يصح أن تهب نفسها لي دون أن نذهب إلى المأذون، ويقتصر الأمر على اثنين من الشهود؟ أرجو التوضيح والإفادة، أفادكم الله.
(م. م. ع)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الإمام أبو حنيفة يجيز أن تزوِّج المرأة نفسها بنفسها، بشرط أن يكون الزوج كفْئًا، فإذا كان هذا الرجل كفئًا يجوز هذا الزواج، إذا تحقَّقت بقية شروط الزواج، من وجود الشهود، والمهر، والإيجاب والقبول، فالمرأة تقول للرجل: زوجتُك نفسي على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى مهر قدره كذا. والرجل يقول لها: قبلتُ زواجكِ لنفسي على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى مهر قدره كذا.
والزواج إذا استكمل كل شروطه لكنَّه لم يوثَّق عند المأذون، فهو يُسمَّى زواجًا عرفيًّا، هو زواج شرعي، إلّا أنَّه غير موثَّق، ولا يسمَّى هبة، ليس في الإسلام أن تهب المرأة نفسها للرجل. ولا يشترط الأحناف وجود الولي، بل أجازوا للمرأة أن تزوِّج نفسها.
ولكن تبقى هناك مشكلة، وهي أنَّ النَّاس حينما يرون هذا الرجل داخلًا خارجًا من عندها، ماذا يقولون؟ هذا قد يلوِّث سمعتها.
أمَّا الأئمَّة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، فيشترطون في عقد الزواج وجود الولي؛ الأب، أو الأخ الأكبر، أو عمها، أو أحد أوليائها، حتَّى يكون الزواج صحيحًا، وهذا هو الأولى، حتَّى لا تلوك سمعتها الألسنة، ويتكلَّم النَّاس عنها بالسوء وهي متزوجة، ثمَّ بعد ذلك قد يحدث بينها وبين زوجها خلاف، فالأولى أن تأخذ الأمور وضعها الطبيعي.
على كلِّ حال، فالزواج بالصفة الَّتي وصفها السائل جائز، ولكن من الناحية الرسمية والقانونية، إن أنكر الرجل زواجه منها، ماذا تفعل المرأة في هذه الحالة؟ فالتوثيق الآن هو الأسلم، وهو أمر مطلوب، وواجب شرعًا؛ لأنَّه قد صدر القانون من ولي الأمر يوجب توثيق الزواج، فيجب أن يطاع في هذه الحالة؛ لأنَّ طاعة ولي الأمر في غير المعصية فريضة شرعية، الله تعالى يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾[النساء: 59]. والنبي ﷺ يقول: «السمعُ والطاعةُ على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»(1).
ووليُّ الأمر لم يأمر بمعصية، بل أمر بما فيه مصلحة الناس، حتَّى لا يتناكر النَّاس الحقوق، وحتَّى لا ينكر الرجل الزواج، أو تنكر المرأة الزواج لأيِّ سبب، فلا بدَّ من توثيق وتسجيل العقود الآن في عصرنا.
وأقول: إذا حصل الزواج بهذه الطريقة، فهو صحيح على مذهب الإمام أبي حنيفة، وتترتَّب عليه آثاره الشرعيَّة، وإن كان هناك عقبات من الناحية الرسمية، لذلك الأولى أن تأخذ الأمور وضعها الطبيعي.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأحكام (7144)، ومسلم في الإمارة (1839)، عن ابن عمر.