2026-06-13
15
رؤية الخاطب للمخطوبة
هل يجوز للفتى أن يرى الفتاة قبل الخطبة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا سؤال مهمٌّ أيضًا. والناس في ذلك جد متناقضين. ففريق من النَّاس لا يبيح للفتى مجرد رؤية الفتاة المخطوبة فحسب، بل يبيح له أن يتأبط ذراعها، وأن يذهب بها إلى هنا أو هناك، وأن يدخل بها الأحفال والسينمات، ليعرفها ويختبر أخلاقها، إلى آخر ما يقال في هذا المجال. وبعد ذلك تكون مآسٍ وتكون فضائح فقد يترك الفتى الفتاة بعد أن دخل عليها وخرج بها أمام الناس. دخل بيتها، وخرج معها، وسافر معها، وتنزَّه معها. هنالك يصبح عرض الفتاة مضغةً للأفواه. هذا صنف من الناس، من عبيد الحضارة الغربية.
وفي مقابل هؤلاء صنف آخر: أولئك الَّذين يحرِّمون على الخاطب أن يرى الفتاة مجرد رؤية عابرة، يمنعون الفتاة من خاطبها حتَّى يدخل وحتَّى يبني بها ويتزوج. وهؤلاء هم عبيد تقاليد عتيقة أيضًا، كما أنَّ أولئك عبيد تقاليد محدثة مبتدعة وكلا الطرفين مذموم.
والأفضل من ذلك بل الطريق الصحيح بين هؤلاء وهؤلاء، هو ما جاء به الشرع وما أمر به النبي ﷺ أن يرى الخاطب مخطوبته، فقد جاءه أحد المسلمين يقول: إنِّي خطبت امرأة من الأنصار فقال: أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: «انظر إليها؛ فإنَّ في أعيُن الأنصار شيئًا»(1).
وجاء المغيرة بن شُعْبة يستأذن النبي ﷺ أو يخبره بأنَّه خطب امرأة فقال: أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: «انظرْ إليها، فإنَّه أحرى أن يؤدَم بينكما»(2). أي يحصل بينكما الإدام والائتلاف والوفاق. فالعين بريد القلب ورسول العاطفة!
لا بدَّ أن تحدث رؤية قبل الزواج، وهذا أمر من النبي ﷺ ، والأمر في أصله وفي ظاهره للوجوب، وقال النبيُّ ﷺ : «إِذا خطبَ أحدُكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعلْ»(3)، فمن هنا كان للخاطب، بل ينبغي له أن يرى مخطوبته وينبغي لأهل الفتاة أن ييسِّروا له ذلك، حتَّى يراها وحتَّى تراه هي أيضًا، فمن حقِّها أن ترفض، ومن حقها أن تأبى. لا بدَّ أن يرى أحدهما الآخر قبل الزواج، حتَّى تبنى الحياة الزوجيَّة على أسس وطيدة، وعلى أركان سليمة متينة، لا بدَّ من هذا وذاك.
وليس علم الفتاة ولا علم أهلها شرطًا في ذلك، إذا كان الخاطب يريد مخطوبته، فيستطيع أن يراها دون أن يُعلمها حتَّى لا يجرح شعورها، وحتَّى لا يؤذي إحساسها، فبعض النَّاس يستهترون بذلك؛ حتَّى سمعت من بعضهم أنَّه رأى أكثر من عشرين فتاة، ولم تعجبه واحدة منهن حتَّى تزوج!
معنى ذلك أنَّه جرح إحساس أكثر من عشرين فتاة من فتيات المسلمين، فالأولى أن يراها وهي خارجة، أو في بيت قريب لها دون أن تعلم: مَن هذا، ولا ما هذا. ولقد جاء عن جابر بن عبد الله 3 أنَّه قال في امرأته بعد أن تزوَّجها: «لقد كنتُ أتخبَّأ لها تحت شجرة، حتَّى رأيتُ منها ما دعاني إلى زواجها»(4). كان يتخبَّأ لها تحت شجرة، دون أن تعلم، ودون أن ترى.
ويستطيع الأب أن يساعد في ذلك حفاظًا على شعور ابنته. هذا هو الطريق السليم بين المُفْرِطين والمُفَرِّطين وشرع الإسلام دائمًا هو الوسط، وأمة الإسلام أمة وسط، ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾[البقرة: 143]. وأمر الأسرة المسلمة بصفة عامة، وأمر المرأة المسلمة بصفة خاصَّة ضائع بين المفرطين والمفرطين، بين المتشددين المتزمتين الَّذين يحرصون على تقاليد عتيقة يظنونها من الإسلام وليست من الإسلام، وبين العصريين المتحررين المتجددين، الَّذي تعبدوا للغرب ولحضارة الغرب، وظنُّوا أنفسهم تقدميين ـ وما هم بالتقدميين ـ وإنَّما هم عبيد وأسارى لغيرهم.
أمَّا الطريق الوسط والطريق السديد فهو طريق الإسلام، وطريق الشريعة الإسلاميَّة، وهي بين هؤلاء وهؤلاء.
نسأل الله أن يوفِّق المسلمين لاختيار الطريق القويم.
(1) رواه مسلم في النكاح (1424)، وأحمد (7842)، والنَّسائي في النكاح (3246)، عن أبي هريرة.
(2) سبق تخريجه صـ 340.
(3) رواه أحمد (14586)، وقال مُخَرِّجوه: حديث حسن. وأبو داود (2082)، والحاكم (2/165)، كلاهما في النكاح، وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (9/181): سنده حسن. وحسَّنه الألباني في غاية المرام (213)، عن جابر بن عبد الله.
(4) الحديث السابق.