العلاقة الجنسيَّة بين الزوجين

❓ العلاقة الجنسيَّة بين الزوجين

📅 2026-06-16 👁 63 مشاهدة

نص السؤال:

لقد تعلَّمنا ممَّا سمعناه منكم غير مرة: أن لا حياء في الدين، وأنَّ على المسلم أن يسأل ويستفسر عمَّا يهمه في أمر دينه، وإن كان من شؤونه الخاصة.
وعلى هذا أستأذنكم في هذا السؤال، وهو يتصل بالناحية الجنسيَّة بين الرجل وامرأته. فهذه مثار نزاع بيننا باستمرار، فكثيرًا ما تشتد عندي الرغبة فأطلبها فتنفر هي منِّي وترفض، ربَّما لتعبها أو لعدم رغبتها. أو غير ذلك من الأسباب الَّتي تعتبرها هي مانعًا، ولا أعتبرها أنا كذلك.
فهل وضع الشرع لذلك حدودًا يقف عندها الزوجان في هذه الناحية الحساسة، بحيث يعرف كل واحد منهما ما له وما عليه؟ أم ترك ذلك لما يتفق عليه الطرفان؟ وما الحكم إذا اختلفا في ذلك. ولم يتفقا فيه، وهو من الأمور الداخلية الَّتي لا تعرض على النَّاس عند النزاع ليحكموا فيها، لما لها من طبيعة الخصوصية والسرية؟
ولهذا اتفقت أنا وزوجتي، أن نستفتيك في هذه القضية، لنسمع منك التوجيهات الشرعيَّة فيها، ونحن في انتظار جوابك وبيانك الَّذي لمسنا دائمًا أنَّه يكفي ويشفي.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا أنَّه لا حياء في الدين، فهذا لا ريب فيه، وقد أثنت أم المؤمنين عائشة على نساء الأنصار فقالت: لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين(1). وقد كانت إحداهن تسأل عن أمور الحيض والنفاس وما شابهها. كما تسأل عن أشياء تتعلق بالجنابة والإنزال والغسل ونحوها. وكانت هذه الأسئلة مشافهة، وهذه أصعب ـ بلا شك ـ من السؤال عن طريق رسالة مكتوبة، أو عن طريق الهاتف ونحو ذلك.
وفي المساجد دروس يحضرها الكبار والصغار، والأيامى والمتزوِّجون، وقد يحضرها النساء عجائز وشواب. وفي هذه الدروس تعلم أحكام الطهارة والوضوء والغسل، والحيض والنفاس وما شابهها، وفيها ـ في نواقض الوضوء مثلًا ـ ما خرج من السَّبِيلين (القُبُل والدُّبُر) ومس الذكر، ولمس النساء بشهوة أو بغير شهوة. وفي موجبات الغسل يُذكر الجماع والاحتلام مع الإنزال والاستمناء، وغير ذلك من الأحكام الَّتي تتصل بالنواحي الجنسيَّة.
ومثل ذلك يحدث في دروس التفسير والحديث؛ إذا جاءت آية أو حديث يتعلق بتلك النواحي، فلا يجد المفسر أو المحدث حرجًا في الحديث عن ذلك، وبيان حكم الله تعالى وهدي رسوله .
وما كان لتناول هذا الجانب بهذه الصورة أي أثر سلبي يُخشى منه، لأنَّه كان يُتناول في جوٍّ من الجدية والبساطة، والحرص على المعرفة، مع ما يحيط به من جلال الدين، وهيبة المسجد، ووقار العالم.
وهذا ما ينصح به المهتمون بالتربية الجنسيَّة في عصرنا: أن يزال الغموض والحجب الكثيفة عن موضوع الجنس، وأن ينال المتعلم قدرًا من المعرفة به؛ دون تزمت أو مغالاة.
وأمَّا موضوع الاستفتاء الَّذي يطلب الأخ فيه الحكم والبيان، الَّذي يعتقد أنَّه يكفي ويشفي، فأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنِّه، وأقول:
إنَّ العلاقة الجنسيَّة بين الزوجين أمر له خطره وأثره في الحياة الزوجيَّة. وقد يؤدي عدم الاهتمام بها، أو وضعها في غير موضعها إلى تكدير هذه الحياة، وإصابتها بالاضطراب والتعاسة. وقد يفضي تراكم الأخطاء فيها إلى تدمير الحياة الزوجيَّة، والإتيان عليها من القواعد.
وربما ظنَّ بعض النَّاس أنَّ الدين أهمل هذه الناحية برغم أهميتها، وربَّما توهَّم آخرون أنَّ الدين أسمى وأطهر من أن يتدخل في هذه الناحية بالتربية والتوجيه، أو بالتشريع والتنظيم، بناءً على نظرة بعض الأديان إلى الجنس على أنَّه قذارة وهبوط حيواني!
والواقع أنَّ الإسلام لم يغفل هذا الجانب الحساس من حياة الإنسان، وحياة الأسرة، وكان له في ذلك أوامره ونواهيه، سواء منها ما كان له طبيعة الوصايا الأخلاقية، أم كان له طبيعة القوانين الإلزامية.
1 ـ وأول ما قرره الإسلام في هذا الجانب هو الاعتراف بفطرية الدافع الجنسي وأصالته، وإدانة الاتجاهات المتطرفة الَّتي تميل إلى مصادرته، أو اعتباره قذرًا وتلوثًا. ولهذا منع الَّذين أرادوا قطع الشهوة الجنسيَّة نهائيًّا بالاختصاء من أصحابه(2)، وقال لآخرين أرادوا اعتزال النساء وترك الزواج: «أنا أعلَمُكم بالله وأخشاكم له، ولكنِّي أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي»(3).
2 ـ كما قرَّر بعد الزواج حق كل من الزوجين في الاستجابة لهذا الدافع، ورغَّب في العمل الجنسي إلى حدِّ اعتباره عبادة وقربة إلى الله تعالى، حيث جاء في الحديث الصحيح: «وفي بُضع أحدكم (أي فرجه) صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(4).
ولكن الإسلام راعى أنَّ الزوج بمقتضى الفطرة والعادة هو الطالب لهذه الناحية والمرأة هي المطلوبة. وأنَّه أشد شوقًا إليها، وأقل صبرًا عنها، على خلاف ما يشيع بعض النَّاس أن شهوة المرأة أقوى من الرجل، فقد أثبت الواقع خلاف ذلك.. وهو عين ما أثبته الشرع.
(أ) ولهذا أوجب على الزوجة أن تستجيب للزوج إذا دعاها إلى فراشه، ولا تتخلف عنه كما في الحديث: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته، فلتَأْتِه وإن كانت على التنُّور»(5).
(ب) وحذَّرها أن ترفض طلبه بغير عذر، فيبيت وهو ساخط عليها، وقد يكون مفرطًا في شهوته وشبقه، فتدفعه دفعًا إلى سلوك منحرف أو التفكير فيه، أو القلق والتوتر على الأقل: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتَّى تصبح»(6).
وهذا كله ما لم يكن لديها عذر معتبر؛ من مرض أو إرهاق، أو مانع شرعي، أو غير ذلك.
وعلى الزوج أن يراعي ذلك، فإنَّ الله سبحانه ـ وهو خالق العباد ورازقهم وهاديهم ـ أسقط حقوقه عليهم إلى بدل أو إلى غير بدل، عند العذر، فعلى عباده أن يقتدوا به في ذلك.
(جـ) وتتمة لذلك نهاها أن تتطوع بالصيام وهو حاضر إلّا بإذنه، لأنَّ حقه أولى بالرعاية من ثواب صيام النافلة، وفي الحديث المتفق عليه: «لا تصوم المرأة وزوجها شاهد إلّا بإذنه»(7). والمراد صوم التطوع بالاتفاق؛ كما جاء في ذلك حديث آخر.
3 ـ والإسلام حين راعى قوة الشهوة عند الرجل، لم ينسَ جانب المرأة، وحقها الفطري في الإشباع بوصفها أنثى. ولهذا قال لمن كان يصوم النهار ويقوم الليل من أصحابه مثل عبد الله بن عمرو: «إنَّ لبدنكَ عليك حقًّا، وإنَّ لأهلك ـ أي امرأتك ـ عليك حقًّا»(8). قال الإمام الغزالي: «ينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرَّة، فهو أعدل، إذ عدد النساء أربع (أي الحد الأقصى الجائز) فجاز التأخير إلى هذا الحد. نعم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين؛ فإنَّ تحصينها واجب عليه»(9).
4 ـ وممَّا لفت الإسلام إليه النظر ألَّا يكون كل هم الرجل قضاء وطره هو دون أي اهتمام بأحاسيس امرأته ورغبتها.
ولهذا روي في الحديث الترغيب في التمهيد للاتصال الجنسي؛ بما يشوق إليه من المداعبة والقبلات ونحوها، حتَّى لا يكون مجرد لقاء حيواني محض.
ولم يجد أئمة الإسلام وفقهاؤه العظام بأسًا أو تأثمًا في التنبيه على هذه الناحية الَّتي قد يغفل عنها بعض الأزواج.
فهذا حجَّة الإسلام، إمام الفقه والتصوف، أبو حامد الغزالي يذكر في إحيائه(10) ـ الَّذي كتبه ليرسم فيه الطريق لأهل الورع والتقوى، والسالكين طريق الجنَّة ـ بعض آداب الجماع فيقول:
يُستحب أن يبدأ باسم الله تعالى. قال ! : «لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهمَّ جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن كان بينهما ولد، لم يضره الشيطان»(11).
وليغطِّ نفسه وأهله بثوب، وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل. قال  : «لا يقعَنَّ أحدكم على امرأته، كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول». قيل: وما الرسول يا رسول الله؟ قال: «القبلة والكلام»(12). وقال: «ثلاث من العجز في الرجل». وذكر منها أن يقارب الرجل زوجته فيصيبها ـ أي يجامعها ـ قبل أن يحدثها ويؤانسها ويضاجعها؛ فيقضي حاجته منها، قبل أن تقضي حاجتها منه(13).
قال الغزالي: ثمَّ إذا قضى وطره فليتمهَّل على أهله حتَّى تقضي هي أيضًا نهمتها، فإنَّ إنزالها ربَّما يتأخر، فيهيِّج شهوتها، ثمَّ القعود عنها إيذاءٌ لها. والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقًا إلى الإنزال، والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ولا يشتغل الرجل بنفسه عنها فإنَّها ربَّما تستحي.
وبعد الغزالي، نجد الإمام السلفي الورع التقي أبا عبد الله ابن القيِّم يذكر في كتابه «زاد المعاد في هدي خير العباد» هديه في الجماع، ولا يجد في ذكر ذلك حرجًا دينيًّا، ولا عيبًا أخلاقيًّا، ولا نقصًا اجتماعيًّا، كما قد يفهم بعض النَّاس في عصرنا، ومن عباراته:
«أمَّا الجماع والباءة فكان هديه فيه أكمل هدي، يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده الَّتي وضع لأجلها. فإنَّ الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية:
أحدها: حفظ النسل ودوام النوع، إلى أن تتكامل العدة الَّتي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.
الثاني: إخراج الماء الَّذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
والثالث: قضاء الوطر ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. وهذه وحدها هي الفائدة الَّتي في الجنَّة.
قال: ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع المرأة. ولذلك كان يتعاهده ويحبه ويقول: «حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطِّيب»(14).
وحث أمته على التزويج فقال: «تزوَّجوا فإنِّي مكاثر بكم الأمم»(15)، وقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنَّه أغض للبصر، وأحصن للفرج»(16)، ولمَّا تزوَّج جابر ثيِّبًا قال له: «هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك»(17)».
ثم قال الإمام ابن القيِّم:
«وممَّا ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبةُ المرأة وتقبيلُها ومصُّ لسانها. وكان رسول الله يلاعب أهله، ويقبِّلها. وروى أبو داود: أنَّه كان يُقبِّل عائشة ويمصُّ لسانها(18)»(19).
وهذا كلُّه يدلُّنا على أنَّ فقهاء الإسلام لم يكونوا «رجعيِّين» ولا «متزمِّتين» في معالجة هذه القضايا، بل كانوا بتعبير عصرنا «تقدميين» واقعيين.
وخلاصة القول: إنَّ الإسلام عُنِيَ بتنظيم الناحية الجنسيَّة بين الزوجين، ولم يهملها؛ حتَّى إنَّ القرآن الكريم ذكرها في موضعين من سورة البقرة، الَّتي عنيت بشؤون الأسرة:
أحدها: في أثناء آيات الصيام وما يتعلق به حيث يقول تعالى:﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا[البقرة: 187].
وليس هناك أجمل ولا أبلغ ولا أصدق من التعبير عن الصلة بين الزوجين من قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ[البقرة: 187]. بكل ما توجبه عبارة «اللباس» من معاني الستر والوقاية، والدفء والملاصقة، والزينة والجمال.
الثاني قوله تعالى:﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ[البقرة: 222، 223].
وقد جاءت الأحاديث النبويَّة تفسِّر الاعتزال في الآية الأولى؛ بأنَّه اجتناب الجماع فقط، دون ما عداه من القبلة والمعانقة والمباشرة، ونحوها من ألوان الاستمتاع، كما تفسِّر معنى: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ. بأنَّ المراد: على أي وضع أو أي كيفية اخترتموها ما دام في موضع الحرث، وهو القُبُل كما أشارت الآية الكريمة.
وليس هناك عناية بهذا الأمر أكثر من أن يذكر قصدًا في دستور الإسلام، وهو القرآن الكريم.
والله الموفق.
← العودة لقسم 1- الزواج