2026-06-17
77
حبُّ المرأةِ غيرَ زوجها
هل يجوز للمرأة المتزوجة أن تحبَّ غير زوجها وإذا لم يكن لها ذلك فما ذنبها وقلب الإنسان ليس ملك يديه؟ حتَّى إنَّ الرسول ﷺ كان يقسم بين زوجاته ويقول: «اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملكُ ولا أملك»(1). يعني أمر القلب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
يحسن بي أن أذكر هنا ما قاله أحد علماء العصر ودعاته يومًا وقد سُئل: هل الحبُّ حلال أم حرام؟ فكان جوابه اللبق: الحبُّ الحلال حلال، والحبُّ الحرام حرام. وهذا الجواب ليس نكتة ولا لغزًا؛ ولكنَّه بيان للواقع المعروف. فالحلال بيِّن والحرام بيِّن؛ وإن كان بينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهنَّ كثير من النَّاس.
فمن الحلال البيِّن أن يحبَّ الرجل زوجته، وتحبَّ المرأة زوجها، أو أن يحبَّ الخاطب مخطوبته، وتحبَّ المخطوبة خاطبها.
ومن الحرام البيِّن أن يحبَّ الرجلُ امرأةً متزوِّجة برجل آخر، فيشغل قلبها وفكرها. ويفسد عليها حياتها مع زوجها، وقد ينتهي بها الأمر إلى الخيانة الزوجيَّة؛ فإن لم ينتهِ إلى ذلك، انتهى إلى اضطراب الحياة، وانشغال الفكر، وبلبلة الخاطر، وهرب السكينة من الحياة الزوجيَّة. وهذا الإفساد من الجرائم الَّتي برئ النبي ﷺ من فاعلها فقال: «ليس منَّا من خبَّب ـ أي أفسد ـ امرأة على زوجها»(2).
ومثل ذلك، أن تحب المرأة رجلًا غير زوجها، تفكِّر فيه، وتنشغل به، وتعرض عن زوجها وشريك حياتها؛ وقد يدفعها ذلك إلى ما لا يحل شرعًا من النظر والخلوة، واللمس، وقد يؤدي ذلك كله إلى ما هو أكبر وأخطر، وهو الفاحشة، أو نيتها، فإن لم يؤدِّ إلى شيء من ذلك: أدَّى إلى تشويش الخاطر، وقلق النفس، وتوتر الأعصاب، وتكدير الحياة الزوجيَّة، بلا ضرورة ولا حاجة، إلَّا الميل مع الهوى، والهوى شرُّ إلٰه عُبِدَ في الأرض.
ولقد قصَّ علينا القرآن الكريم قصَّة امرأة متزوِّجة أحبَّت فتًى غير زوجها، فدفعها هذا الحبُّ إلى أمور كثيرة، لا يرضى عنها خُلُق ولا دِين، وأعني بها امرأة العزيز، وفتاها يوسف الصديق!
حاولت أن تغري الشاب بكل الوسائل، وراودته عن نفسه صراحة، ولم تتورع عن خيانة زوجها لو استطاعت، ولما لم يستجب الشاب النقي لرغبتها العاتية، عملت على سجنه وإذلاله ليكون من الصاغرين، كما صرَّحت بذلك لأترابها من نساء المدينة المترفات:﴿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾[يوسف: 32].
هذا مع أنَّ هذه المرأة كانت معذورةً بعض العذر، فهي لم تسعَ إلى هذا الشابِّ، بل زوجها الَّذي اشتراه وجاء به إلى بيتها، فبات يُصابحها ويُماسيها، وتراه أمامها في كلِّ حينٍ، إذ هو ـ بحكم العرف والقانون هناك ـ عبدها وخادمها، وقد آتاه الله من الحُسن والجمال ما آتاه، ممَّا أصبح مضرب الأمثال.
ومع هذا فالزِّنى من كبائر الإثم وفواحش الذنوب، وخاصَّة بالنسبة للمتزوِّج والمتزوِّجة، ولهذا كانت عقوبتهما في الشرع أشدَّ من عقوبة العزب.
بقي ما جاء في السؤال فأقول: إنَّ الحبَّ له مبادئ ومقدِّمات، وله نتائج ونهايات، فالمبادئ والمقدِّمات يملكها المكلَّف ويقدر على التحكُّم فيها. فالنظر والمحادثة والسلام، والتزاور والتراسل واللقاء: كلُّها أمور في مُكنة الإنسان أن يفعلها وأن يدعها.. وهذه بدايات عاطفة الحب ومقدماتها.
فإذا استرسل في هذا الجانب ولم يفطم نفسه عن هواها، ولم يلجمها بلجام التقوى. ازدادت توغُّلًا في غيِّها، واستغراقًا في أمرها، وقديمًا قال البوصيري في بردته:
والنَّفْسُ كالطِّفْلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى
حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
فاصْرِفْ هَواها وَحاذِرْ أنْ تُوَلِّيَهُ
إنَّ الهَوَى ما تَوَلَّى يُصْمِ أَوْ يَصِمِ(3)
وحينما تصل النفس إلى هذه المرحلة من التعلُّق بصورة حسيَّة ونحوها؛ فقدت حريتها، وصعب فطامها، وأصبحت أسيرة ما هي فيه. ولكنَّها هي المسؤولة عن الوصول إلى هذه النتيجة!
فإذا كان المحبُّ أو العاشق قد انتهى إلى نتيجة لا يملك نفسه إزاءها، فإنَّه هو الَّذي ورَّط نفسه هذه الورطة، وأدخلها هذا المضيق باختياره. والَّذي يرمي بنفسه في النار لا يملك أن يمنع النار من إحراقه، ولا أن يقول لها: كوني بردًا وسلامًا عليّ كما كنت على إبراهيم. فإذا أحرقته النار وهو يصرخ ويطلب الإنقاذ دون جدوى، كان هو الَّذي أحرق نفسه؛ لأنَّه الَّذي عرَّضها للنار بإرادته.
وهذا هو شأن عاشق الصور الحسية، بل شأن كل عاصٍ استغرق في الشهوات وأدمنها، حتَّى أصبح عاجزًا عن الإفلات منها، وهو ما يعبر عنه القرآن بالختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، كما يقول في قوم: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾[هود: 20]. وهذا تصوير للنهاية الَّتي وصلوا إليها، بمقدمات وتصرفات كانوا مختارين فيها كل الاختيار.
وفي مثل هذا يقول بعض الشعراء(4):
تَوَلَّعَ بِالْعِشْقِ حَتَّى عَشِقْ
فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ
رَأَى لُجَّةً ظَنَّهَا مَوْجَةً
فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا غَرِقْ
وقال الآخر:
يا عاذلي والأمرُ في يَدِهِ
هلَّا عذلتَ وفي يدي الأمر(5)!
والخلاصة أنَّ المرأة المتزوجة يجب أن تكتفي بزوجها، وترضى به، وتحرص على ذلك كل الحرص. فلا تمتد عينها إلى رجل غيره، وعليها أن تسدَّ على نفسها كل باب يمكن أن تهب منه رياح الفتنة، وخصوصًا إذا لمعت بوادر شيء من ذلك، فعليها أن تبادر بإطفاء الشرارة؛ قبل أن تستحيل إلى حريق مدمر.
أعني أنَّها إذا أحسَّت دبيب عاطفة نحو إنسان آخر. فعليها أن تقاومها، بأن تمتنع عن رؤيته، وعن مكالمته، وعن كلِّ ما يؤجج مشاعرها نحوه.
ولقد قيل: إنَّ البعيد عن العين بعيد عن القلب.
وينبغي لها أن تشغل نفسها ببعض الهوايات، أو الأعمال الَّتي لا تدع لها فراغًا، فإنَّ الفراغ أحد الأسباب المهمَّة في إشعال العواطف، كما رأينا في قصَّة امرأة العزيز. وعليها بعد ذلك كله أن تلجأ إلى الله أن يفرغ قلبها لزوجها، وأن يجنبها عواصف العواطف، وإذا صدقت نيتها في الإخلاص لزوجها، فإنَّ الله تعالى ـ بحسب سنته ـ لا يتخلَّى عنها.
وإذا عجزت عن مقاومة العاطفة، فلتكتمها في نفسها، ولتصبر على ما ابتليت به، ولن تحرم ـ إن شاء الله ـ من أجر الصابرين على البلاء.
ومثلها في ذلك الرجل يحبُّ المرأة لا يمكنه الزواج منها، كأن تكون متزوجة، أو مَحرمًا له؛ بنسب أو مصاهرة أو رضاع، فعليه أن يجاهد هواه في ذات الله تعالى، وفي الحديث: «المهاجرُ من هجر ما نهى الله عنه»(6)، «والمجاهدُ من جاهد هواه»(7).
(1) رواه أحمد (25111)، وقال مُخَرِّجوه: هذا إسناد رجاله ثقات. وأبو داود (2134)، والترمذي (1140)، وقال: روي مرسلًا وهو أصح. والنَّسائي في عشرة النَّسائي (3943)، وصحَّحه ابن الملقن في البدر المنير (8/38)، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (3/295): أعله النَّسائي والترمذي والدارقطني بالإرسال. وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله. وضعَّفه الألباني في غاية المرام (230)، ثم قال في مشكاة المصابيح (3235): جيد. عن عائشة.
(2) رواه أحمد (9157)، وقال مُخَرِّجوه: حديث صحيح، وأبو داود (2175)، والحاكم (2/196) وصحَّحه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، كلاهما في الطلاق، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (324)، عن أبي هريرة.
(3) انظر: شرح ابن مقلاش الوهراني على البردة (الشرح المتوسط) (1/126 ـ 135)، تحقيق محمد مرزاق، نشر دار ابن حزم، ط 1، 2009م.
(4) هو محمد بن المظفَّر بن نحرير، كما في تاريخ الإسلام للذهبي (10/65)، تحقيق د. بشار عوَّاد معروف، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 2003م.
(5) ذكره ابن القيم من غير نسبة في شفاء العليل (1/40)، نشر دار المعرفة، بيروت، 1398هـ ـ 1978م.
(6) رواه البخاري في الإيمان (10)، عن عبد الله بن عمرو.
(7) رواه أحمد (23965)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح. والترمذي في فضائل الجهاد (1621)، وقال: حسن صحيح. بلفظ: «المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله». عن فضالة بن عبيد الله.