2026-06-17
83
تأخر الإنجاب بحكمة الله
أنا امرأة مؤمنة بالله، أصلِّي وأصوم وأقرأ القرآن، وأحاول أن أقوم بما أمرني الله تعالى به، وأن أنتهي عمَّا نهاني عنه، وأبر والديّ ـ والحمد لله ـ وأصل رحمي، وأنا متزوجة منذ ست سنوات، ولم يرزقني الله تعالى بالذرية، مع أنِّي أدعو الله ألَّا يحرمني من نعمة الأمومة؛ لأنِّي أحبُّ الأطفال جدًّا، لكنِّي راضية بقضاء الله 8 وعطائه،﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216].
لم أيئس من رَوْح الله؛ لأنِّي أعلم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير، وأنَّه يرزق من يشاء بغير حساب، فإيماني قويٌّ جدًّا بالله والحمد لله، وأدعوه دائمًا أن يعينَني على ذكره وشكره وحسن عبادته، لكنَّ المشكلة أنَّ هناك أناسًا يعيِّرونني بهذا الأمر، ويعتبرون أنَّ تأخر الإنجاب غضب من الله عليَّ، فهل صحيح أنَّ عدم الذرية دليل على أنَّ الله غير راضٍ عني؟
(م. ص. ن)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ليس هذا صحيحًا، فالله 4 يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما قالت الأخت، الله 8 يقول في كتابه: ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ﴾[الشورى: 49 ـ 50]. هناك أناس يعطيهم الله الإناث: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًۭا﴾. وآخرون يعطيهم الذكور: ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾. وصنف ثالث يعطيهم الصنفين: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَٰثًۭا﴾. وآخرون لا يعطيهم لا هذا ولا ذاك:﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾.
وبعض الأنبياء لم تأته الذرية إلّا على كبر، فهذا سيِّدنا إبراهيم ظلَّ مدة طويلة لم ينجب من زوجته سارة، ثمَّ أنجب سيِّدنا إسماعيل من جاريته هاجر، ثمَّ بعد ذلك كافأه الله على صبره وعلى بذله وتضحيته بأن أعطاه إسحاق من سارة، وكلاهما أُعطِيَه على كبر، كما قال ربنا 4 على لسانه: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾[إبراهيم: 39]. جاءته الملائكة فبشَّرته بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وقالت امرأته لمَّا بشَّرتها الملائكة:﴿يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ ٧٢ قَالُوٓاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ﴾[هود: 72 ـ 73].
وكذلك سيِّدنا زكريا تأخَّر في الإنجاب، فدعا ربَّه قائلًا: ﴿رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ٤ وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا ٥ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا ٦ يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا﴾ [مريم: 4 ـ 7]. امرأة زكريا كانت عاقرًا لا تلد، فربنا 4 وهب له يحيى، كما قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ ٨٩ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ﴾ [الأنبياء: 89 ـ 90].
وعائشة وحفصة وغيرهما من أزواج النبي ﷺ عدا خديجة كلهن لم ينجبن منه ﷺ ، عاشت عائشة مع النبيِّ ﷺ تسع سنين ولم تنجب، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، فهل هذا لذنب من أمهات المؤمنين أم من النبي ﷺ ؟ حاشاه وحاشاهن.
الله 4 له حكمة يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها، وليس إعطاء الأولاد دليلًا على الرضا، ولا عدم إعطائهم دليلًا على السخط من الله 8 ، فالله يعطي للمسلم والكافر، والبر والفاجر، الله تعالى يقول عن الكفار: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍۢ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾[المؤمنون: 55 ـ 56]. فأقول للأخت السائلة: لا تحزني ولا تيئسي من رحمة الله.
أمَّا هؤلاء الَّذين يعيِّرونها فهذا دليل على جهلهم بدين الله، وجهلهم بسنن الله 8 ، والمسلم لا يجوز له أن يعيِّر أخاه بابتلاء الله له، وربَّما يعيِّر إنسان أخاه بشيء فيبتليه الله به، ومن أعطاه الله نعمةً من النعم قد حُرِم منها غيره فعليه أن يحمد الله على نعمائه، لا أن يعيِّر غيره. وعلى الأخت أن تدعو وتصبر، وأن تعرض نفسها على طبيب مختص، فربَّما يتعلَّق الأمر بأمور طبية، وبالله التوفيق.