2026-09-18
235
زواج المحلِّل
س
سيدة متزوجة وعندها أربعة أولاد: تحب زوجها، ولكنَّه ـ لأمر ما ـ اختلف معها، فوقع الطلاق الثالث والأخير. وأراد الزوجان المطلقان أن يعودا إلى الحياة الزوجيَّة معًا، فذهبت السيدة (ف) إلى الأستاذ (س) ليعقد عليها زواج المحلِّل لمدة أسبوع، ليتسنى لها أن تعود إلى زوجها وأولادها بزواج جديد.
والسؤال: ما قيمة هذا الزواج؟ وهل هو مقبول شرعًا؟
ج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إنَّ الإسلام الحنيف ربط عقدة الزواج على أوثق الأواصر، وأقام الحياة الزوجيَّة على أثبت دعائم الاستقرار وأوفر أسباب الكرامة، وجعل للدخول فيه مقدِّمات وأركانًا وشروطًا؛ توحي بما له عند الله تعالى من أصالة وشأن خطير، وجعل للخروج منه كذلك مقدمات ومراحل وشروطًا، أحاطها بما يجنِّب حياة الزوجين عوارض الحمق والغضب، ونزوات من لا يقدِّرون مسؤوليات الحياة، ولذا قال 0 : : «أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق»(1). ويقول 0 : : «لا تطلقوا النساء إلّا من ريبة»(2). والريبة هنا معناها سوء الخلق، الَّذي بلغ من الشذوذ حدًّا لا علاج له ولا طاقة بالصبر عليه.
ولا نطيل بما ورد من التنفير من الطلاق، والترغيب في أن يمسك الزوج زوجته، ولو على كره: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا﴾[النساء: 19]. ونمضي لنذكر حديث رسول الله ﷺ الَّذي أخذ منه المحقِّقون أنَّ طلاق الغضبان لا يقع وهو قوله 0 : : «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»(3)، والإغلاق: كل حالة تستغلق فيها على المرء مقاصده فيأتي من الأعمال ما لا يقصده، وابن عبَّاس حبر الأمة وترجمان القرآن قال: «إنَّما الطلاق عن وَطَر»(4). والوَطَر كل مأرب تتعلق به همة المرء، فيسعى إليه ويحتال لتحقيقه؛ بكل ما وسعته الحيلة.
وفي ضوء هذه المعاني النبويَّة الجليلة، تتبين أنَّه لا قيمة لأي طلاق يوقعه صاحبه، عند بادرة غضب أو عبارة خلاف، ما دامت همته لم تتعلق به من قبل، ولم تكن له فيه نيَّة مبيَّتة، ووطر يرتِّب له الأمور في أناة، وتوضع المقدمات لإدراكه.
ونقول للسيد (س) في هذا المقام: إنَّه إذا كان ما وقع بين الزوجين هو غضب أدَّى إلى الطلاق، فالطلاق لم يقع، والزوجة حل لزوجها، ولا معنى للتفكير في الوسائل المحرَّمة احتيالًا لاستئناف الحياة الزوجيَّة، لأنَّ الحياة الزوجيَّة لم تنقطع ولم تتوقف حتَّى تحتاج إلى استئناف.. وكذلك كل طلاق وقع بين الزوجين من قبل من هذا القبيل.
فإذا كانت المرَّتان السابقتان على هذه المرَّة من هذا القبيل، فلا اعتداد بهما، ولا طلاق بين الزوجين.
أمَّا إذا كان ما وقع بين الزوجين هو من قبيل: إن كلمت فلانًا، أو إن دخلت بيت فلانة، أو إن خرجت من المنزل، أو إن فعلت كذا فأنت طالق ثمَّ كلمته، أو دخلت بيتها، أو خرجت من المنزل أو فعلت ما نهاها عنه، فإنَّ الطلاق لا يقع!
وإذا حلف بالطلاق فيمينه غير منعقدة، لا يقع بها طلاق ما.
ومن المؤسف أنَّ أكثر ما يقع بين الزوجين من الطلاق هو من هذا القبيل الَّذي لا يؤثر في عقد الزواج بأي فساد، ومع أنَّنا لا نعرف الظروف الَّتي وقع فيها الطلاق المزعوم؛ نميل إلى أنَّه طلاق من هذا الَّذي نرى شرعًا أنَّه لا يقع.
ومع ذلك نسأل الزوج أو الزوجين: هل وقع الطلاق وهي حائض؟ أو هل وقع في طهر جامعها فيه. فإذا كان الزوج أوقع طلاقه وهي حائض فهو طلاق بدعة، وإذا كان وقع في طهر جامعها فيه، فهو كذلك طلاق بدعة، وطلاق البدعة لم يشرعه الإسلام وكثير من الأئمَّة لا يوقعونه ولا يعتدُّون به.
ونوصي الزوجين أن ينظرا في طلاقهما المزعوم هذه المرَّة والمرَّتين السابقتين: هل وقع عن وطر في كل مرة؟ أي عن رغبة ودراسة، ومحاولات للإصلاح انتهت بالفشل ووجوب الفراق؟ وهل وقع الطلاق بعد تقريره ودراسته طلاق بدعة أو طلاق سنة؟ لننظر إلى طلاقها على ضوء ذلك كله.
فإن كان طلاق سنة، وعن وطر، وفي كل مرة: فالزوجة بائنة بينونة كبرى، لا تحل لزوجها حتَّى تنكح زوجًا غيره.
أمَّا المحلِّل المنشود فهو حرام، وهو زنى، وقد لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له(5)، والرجل الَّذي يقبل أن يمثل دور الزوج الوهمي في مهزلة المحلِّل سمَّاه رسول الله ﷺ التيس المستعار(6). فلا يحل للسيد (س) ولا لغيره أن يقدم على ذلك الإثم الحقير.
أمَّا إذا كانا ما يزعمانه من طلاق قد وقع بعضه بدعيًّا وبعضه سنيًّا، فإنَّ السني وحده هو الَّذي وقع، ولا اعتبار لسواه.
ومع ذلك كله فإنَّ في السؤال غموضًا كثيفًا يجعلنا في حيرة من الفتوى إلّا ما هو مختص منها بحرمة المحلِّل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ﴾ [البقرة: 230]. ولم يقل: حتَّى تنكح رجلًا غيره. فسمَّاه زوجًا تسمية صريحة، والرجل لا يكون زوجًا إلّا إذا كان له نيَّة الزواج الشرعي المنعقدة على الاستمرار، وتحقيق ما امتن به سبحانه بقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]. ومن ذلك تفكيره في المهر واجتهاده في إعداد بيت الزوجيَّة، إلى آخر ما هو معلوم عن كل زواج حقيقي تعلق به القصد والهمة.
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ السيد (س) لا يفكر لعملية المحلِّل المطلوبة في أي شيء ممَّا ذكر، لأنَّه لا يفكر إلّا أنَّ ذلك وسيلة لتحليل المرأة لزوجها الأول، وقد تبيَّن ما فيه من مجافاة لأحكام الحلال في دين الله.
(1) رواه أبو داود (2178)، وابن ماجه (2018)، كلاهما في الطلاق، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (2040)، عن ابن عمر.
(2) رواه البزار (3066)، والطبراني في الأوسط (7848)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7761): رواه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط، وأحد أسانيد البزار فيه عمران القطان وثقه أحمد وابن حبان، وضعفه يحيى بن سعيد وغيره، عن أبي موسي الأشعري.
(3) رواه أحمد (26360)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود (2193)، وابن ماجه (2046)، والحاكم (2/198)، ثلاثتهم في الطلاق، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (1665)، عن عائشة. قلت: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصحَّحه على شرط مسلم. وقد أخرجه الحاكم من طريقين عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم. ورده الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه: محمد بن عبيد بن أبي صالح لم يحتجَّ به مسلم، وضعفه أبو حاتم: ومن الأخرى نُعَيْم بن حمَّاد، صاحب مناكير. قلت: أمَّا محمد بن عبيد فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما في التهذيب، فليس مجمعًا على تضعيفه، وبخاصة أن أبا حاتم لم يبين سبب ضعفه. وأمَّا نعيم بن حماد الخزاعي فقد أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو من الرجال الذين انتُقِدوا على البخاري. وقال الحافظ في مقدمة الفتح عنه: «مشهور من الحفاظ الكبار، لقيه البخاري، ولكنَّه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلق له أشياء أخر. وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا، وأصحاب السنن إلَّا النَّسائي. وكان أحمد يوثقه، وقال ابن معين: كان من أهل الصدق، إلَّا أنَّه يتوهم الشيء فيخطئ فيه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ضعيف ونسبه أبو بشر الدولابي إلى الوضع. وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنَّه كان شديدًا على أهل الرأي، وهذا هو الصواب، والله أعلم» انتهى من مقدمة فتح الباري (1/447). وأخرجه البيهقي في السنن (7/357) من طريق ثالثة عن عائشة، على خلاف ما ذكر ابن حجر في التلخيص. وبهذا يظهر أنَّ الحديث بطرقه لا ينزل عن درجة الصحة التي ادعاها الحاكم، وأقره عليها ابن القيم وغيره، فإن نزل عنها فليس إلى أقل من درجة الحسن المحتج به، وقد سكت عليه أبو داود، واحتج به البيهقي لمذهب الشافعي: أن طلاق المكره لا يقع على أساس تفسير الإغلاق بالإكراه وهو لا ينافي تفسيره بالغضب. ورواية أبي داود: «في إغلاق». قال: أظنه الغضب.
(4) ذكره البخاري في صحيحه معلَّقًا بصيغة الجزم، في الطلاق، قبل الحديث (5269).
(5) رواه أحمد (4308)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره. والترمذي في النكاح (1120)، وقال: حسن صحيح. عن ابن مسعود.
(6) رواه ابن ماجه في النكاح (1936)، والحاكم في الطلاق (2/198)، وصحَّح إسناده، ووافقه الذهبي، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع (2596)، عن عقبة بن عامر.