2026-06-15
35
العدل بين الأولاد وعاطفة الأبناء تجاه الأب الجائر
أنا فتاة متدينة وأخاف الله، والحمد لله.
مشكلتي تكمن في عائلتي الَّتي لا أعتبرها عائلة كما ينبغي أن تكون العائلة، بل هي مجموعة من الأفراد المتفرقين، الَّذين يعيشون في منزل واحد، وليس بينهم رابطة حقيقيَّة، الأب لا يأتي بيتنا؛ لأنَّه متزوج من ثلاث نساء، الأولى هي أمي، الَّتي هجرها منذ أكثر من عشر سنوات، وما زالت على ذمته، والثانية لديها أولاد أيضًا كبار السن، أكبرهم في الجامعة، والثالثة هي الزوجة الجديدة وهي حامل الآن، وقد أسكنتها أمي عندنا في جناح من الفيلا الَّتي نحن فيها، حتَّى تقرِّب أبانا منَّا، وكنا سعداء؛ لأنَّنا أصبحنا في كنف أب، سوف يقيم معنا، ويهتم بنا، بدلًا من السنوات السابقة الَّتي ما كان يعرفنا فيها.
ولكن ما إن مرَّت بعض الأيام، حتَّى أصبح أبونا يتجاهلنا تمامًا، حتَّى في السلام، ويذهب إلى امرأته الجديدة، يدخل معها ويخرج معها في السيارة أمام أعيننا، حتَّى يستمتعا بوقتهما، ولا يدعونا مرَّة إلى أن نذهب معه، ونحن أبناؤه وبناته، والآن سوف يُخرج امرأته الجديدة إلى بيت جديد، وأمي منذ أن هجرها أصبحت منشغلة في أعمالها الخارجية بالمحلات وغير ذلك، ولم تتفرَّغ لنا، بل إنَّنا في الحقيقة ما نعرف معنى الحنان الَّذي نسمع عنه، ولم نحسَّه أبدًا في حياتنا.
وأنا الآن لم أعد أحبُّ أبي؛ لأنَّني أشعر أنَّه السبب في هذه المشاكل كلها، فهل عليَّ ذنب في شعوري هذا؟ مع أنَّ هذه العاطفة نحو أبي ليست باختياري، وإنَّما قهرًا عني، وبدأت أكره الزواج، مخافة الوقوع في هذه المشاكل مرَّة أخرى، مع العلم أنَّ أبي لا يهمه أخلاق من يتقدمون لنا للزواج، بل كل ما يهمه أموالهم، فهل كرهي لأبي هو ذنب أؤاخذ عليه؟ وما رأيك في آباء مثل هذا الأب؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فهذه ليست أبوة في الحقيقة، الأب الحقيقي هو الَّذي يعدل بين أولاده جميعًا، ولا يفضل أبناء امرأة على أخرى، فكلهم من صلبه، وكلهم أولاده، وفلذات كبده، كلهم لهم حقوق عليه.
يقول النعمان بن بشير: أعطاني أبي عطيةً، فقالت عَمْرة بنت رواحة (أم النعمان): لا أرضى حتَّى تُشهِد رسولَ الله ﷺ . فأتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: إنِّي أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيَّة، فأمرتني أن أُشهدك يا رسول الله. قال: «أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا؟». قال: لا. قال: «فاتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم»(1). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : «لا أشهد على جور»(2). وفي رواية ثالثة قال ﷺ : «أكُلَّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟». قال: لا. قال: «فأشهِد على هذا غيري». ثمَّ قال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟». قال: بلى. قال: «فلا إذن»(3).
وكان السلف يعدلون بين الأولاد في القُبلة، إذا كان عند أحدهم أولاد صغار، وقبَّل أحدَهم، سارع وقبَّل الآخرين، فالطفل يغار، لو حملت أخاه وقبَّلته ولم تحمله ولم تقبِّله يغار، رغم أنَّ عمره قد يكون سنة أو عدة أشهر، العدل مطلوب حتَّى في القُبلة.
ورُوي عن النبيِّ ﷺ : «رحم الله والدًا أعان ولده على برِّه»(4). فعلى الأب أن يعين أولاده أن يبَرُّوه، ولن يبروه إذا حابى بعضهم على حساب البعض، وميَّز بعضهم على بعض.
كما تريد أيها الأب أن يكون أولادك سواء في البرِّ بك، سوِّ بينهم في العطاء، هذا هو الَّذي جاء به الإسلام.
ونحن رأينا ما يحدث إذا فرَّق الأب بين الأولاد بعضهم وبعض، كما في قصَّة يوسف 0 : ، الَّتي قصَّها علينا القرآن الكريم؛ لما فيها من عبرة، كما في آخر سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ [يوسف: 111]. ومن هذه العبر أنَّ الأب إذا خصَّ بعض أولاده بمزيد من المحبَّة والعناية، وأظهر هذا؛ يسوء ذلك سائر أولاده، ولذلك قال إخوة يوسف لأبيه: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ❁ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 8 ـ 9].
إلى هذا الحد أدَّى التمييز بين الأولاد؛ إلى أن يفكروا في قتل أخيهم، مع أنَّ سيِّدنا يعقوب 0 : معذور إلى حدٍّ كبير في حبه ليوسف؛ لأنَّ يوسف كان أصغر الأولاد، ودائمًا الأصغر يكون محبوبًا أكثر. قيل لأحد الأعراب: أي أولادك أحب إليك؟ قال: صغيرهم حتَّى يكبر، وغائبهم حتَّى يحضر، ومريضهم حتَّى يشفى. هؤلاء يحتاجون إلى مزيد من إظهار الرعاية والعناية.
يوسف كان أصغر الأولاد، وكان يتيم الأم، فقد ماتت أمه وهو صغير، وكان يوسف قد آتاه الله من الجمال والمواهب من الصغر، فقد بدت عليه من الصغر علامات الذكاء والنبوغ، فسيدنا يعقوب معذور في ذلك.
شرط إباحة التعدد:
ونقول لهذه الابنة: الأب من غير شك أخطأ في التمييز بين زوجاته، وهذا لا يجوز، فالعدل بين الزوجات شرط في إباحة التعدد، وإلَّا جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل، كما جاء في الحديث عن النبيِّ ﷺ : «من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة أحد شِقَّيه مائل»(5)؛ لأنَّه لم يعدل بينهن، فهذا الأب لم يعدل بين زوجاته، ولم يعدل بين أولاده، وهذا أمر لا يجوز.
عاطفة الأبناء تجاه الآباء الجائرين:
بقي أن نقول لهذه الفتاة: على الرغم من أنَّ أباها سبَّب لها كل هذه المشكلات بجوره وعدم عدله، إلّا أنَّني أقول لها: حاولي أن تضغطي على عاطفتك لتحبِّي أباك، فهو أب مهما كان، الله أمرنا في شأن الوالدين المشرِكَيْن اللذين يجاهدان أولادهما على الشرك، بمصاحبتهما بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا﴾ [لقمان: 15].
إذا لم تستطع أن تحبَّ أباها، فلتصاحبه بالمعروف، تقابله بما يستحقُّ من توقير الأبوة، تدعو الله له بالهداية، والحبُّ هذا بيد الله 4 ، والنبي ﷺ قال عن حبِّ قلبه لعائشة أكثر من بقية أزواجه: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». قال أبو داود: يعني القلب(6). الرسول ﷺ كان يقول ذلك إذا قَسَم بين نسائه.
ويقول النبي ﷺ أيضًا: «إنَّ قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمٰن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»(7).
فالحب والكره بيد الله، فإذا كانت لا تملك قلبها وحبها وكرهها، فهي تملك المعاشرة بالمعروف:﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
لا تترددي في قبول الزواج من الرجل الصالح:
أمَّا رفض الزواج، فلا أنصحها به، بل أقول لها: إذا واتتها الفرصة وتقدم الرجل الصالح الكفء فلا ترده، لتخرج من هذه العائلة المفكَّكة، الَّتي لا يربط بين أطرافها أي رابط غير أنَّهم فقط في بيت واحد، حتَّى أمها مشغولة بأعمالها الخارجية، قال النبي ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوِّجوه، إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»(8).
إذا جاءها من يستحقها من أصحاب الدين والخلق ـ وهم موجودون والحمد لله ـ فلا ترفضه، وتدعو الله أن يجعل حياتها سعيدة، كما قال الله 8 في أوصاف عباد الرحمٰن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ﴾ [الفرقان: 74].
(1) رواه البخاري في الهبة (2587)، عن النعمان بن بشير.
(2) رواه مسلم في الهبات (1623) (14).
(3) رواه مسلم في الهبات (1623) (17).
(4) رواه ابن أبي شيبة في الأدب (25924)، عن الشعبي مرسلًا.
(5) سبق تخريجه صـ 489.
(6) سبق تخريجه صـ 451.
(7) رواه مسلم في القدر (2654)، وأحمد (6569)، عن عبد الله بن عمرو.
(8) سبق تخريجه صـ 255.