2026-06-15
45
نسبة ولد الزِّنَى
فيما يتعلق بالمولود من علاقة غير شرعية، ثمَّ اعترف الأب بنسبه، ولم يتزوج من أمه، هل يصبح الطفل وريثًا شرعيًّا للأب؟
وإذا كان الولد من علاقة غير شرعية بامرأة متزوجة، وأقر الزاني بأنَّه ولده، هل ينسب إليه، ويكون وريثًا شرعيًّا له؟
خالد كمال
المدير العام للمؤسسة القطرية لرعاية الأيتام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فمن المعلوم أنَّ النسب من أقوى الروابط الإنسانية الَّتي أقرها الإسلام، وجعل لها من الضوابط ما يحفظها، فقد كان النسب في الجاهلية يلحق بالفراش والولادة، أو الادعاء، أو التبنِّي، حتَّى جاء الإسلام وصحَّح المسار، وعدَّ إنكار النسب الصحيح، أو إلحاق النسب الباطل كبيرة من الكبائر.
والمسألة الَّتي معنا على وجهين:
أولها: أن تكون المرأة متزوجة، وادعى رجل بنسبة ولدها إليه؟ فقد رأى أهل العلم عدم جواز إلحاق الولد بغير أبيه الشرعي، وأقروا بأنَّ المزني بها إذا كانت ذات زوج، فإنَّ ما تحمله لا ينسب لغير زوجها، إذا كانت الزوجيَّة قائمة، فإنَّ من يولد على فراش الزوجيَّة فهو ابن الزوج، ولا يجوز لأحد أن يقول: هذا ابني من الزنى، أنا زنيت بالمرأة، فزناه هذا غير معتبر، فهو مهدر شرعًا من ناحية النسب، وإن ترتب عليه من العقوبة ما يترتب، لما رواه البخاري عن عائشة # أنَّها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعةَ في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إليَّ أنَّه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زَمْعة: هذا أخي يا رسول الله، وُلِد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة» فلم تره سودة قط(1).
وهو نصٌّ واضح وصريح، وعليه، فلا يُعتدُّ بقول الرجل الَّذي ادعاه، ولا يرث منه.
وفي العلاقة بالآخرين يؤخذ بالأحوط، ولذلك أمر النبي ﷺ سودة بنت زمعة أم المؤمنين أخت عبد بن زمعة أن تحتجب من الغلام، لما فيه من الشبه.
وأمَّا المسألة الثانية: أن تكون امرأة غير متزوِّجة، وجاءت بولد من الزنى، وأقر والده بنسبته إليه؟ فقد اختلف فيها أهل العلم على قولين:
القول الأول: أنَّه لا يجوز للرجل أن يستلحق ولده من الزنى، وهو قول الأئمَّة الأربعة، ومذهب الظاهريَّة. وأبرز ما استدلُّوا به حديث عائشة السابق.
القول الثاني: جواز نسبة ولد الزِّنَى إلى أبيه، وهذا القول مرويٌّ عن عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وابن سيرين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيِّم رحمهم الله. فقد نقل ابن القيِّم عن إسحاق بن راهويه أنَّه كان يذهب إلى أنَّ المولود من الزِّنَى ينسب إلى أبيه، إذا لم يكن مولودًا على فراش شرعي، وقد استدلوا على ذلك بعدة أدلة منها:
أولًا: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة 3 ، في قصَّة جريج، وفيه قال: مَن أبوك يا غلام؟ قال: الرَّاعي. فحكى النبي ﷺ عن جريج أنَّه نسب الولد للراعي الزاني، وصدَّق الله هذه النسبة بما أجراه من خلاف العادة في نطق الصبي(2).
ثانيًا: ما ثبت عند البخاري من قصَّة ملاعنة هلال بن أمية 3 مع امرأته، وفيه: «أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العيْنَين، سابغ الأليتين، خدَلَّج الساقين، فهو لشَرِيك بن سَحْمَاء»(3).
ووجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ نسب الولد لأبيه من الزنى، والَّذي خُلق من مائه.
ثالثًا: ما ذكره مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: أنَّ عمر بن الخطاب كان يليط (يلحق) أولاد الجاهلية بمن ادَّعاهم في الإسلام(4).
رابعًا: أنَّ الحكمة من عدم استلحاق الولد بأبيه من الزِّنَى حماية المرء من أن ينسب إليه غير ولده، وهذا أصبح منتفيًا هنا لإقرار الزاني وعدم وجود فراش شرعي للزوجة، وإذا انتفت العلَّة رجع الأمر إلى الجواز.
خامسًا: أنَّ الأب أحد الزانيين، وإذا كان الولد يلحق بأمه ويُنسَب إليها وتَرِثه ويَرِثها مع كونها زَنَتْ به، وقد وُجِد الولد من ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتَّفَقا على أنَّه ابنهما، فما المانع مِن لُحوقه بالأب إذا لم يَدَّعِه غيره؟
وهذا القول يحقِّق مقاصد الشرع الحريص على ثبوت النسب، وتشوفه له، وحفظ الولد من الضياع، وبخاصَّة أنَّ الولد لم يرتكب ذنبًا، ولا اقترف جريرة، ومعلوم قطعًا أنَّ نسبته إلى أبيه أحفظ له من نسبته إلى أمه، لما يصاحب ذلك من فضيحة تفسد عليه دنياه، ومن عار يلازمه أينما حلَّ وارتحل، ولا يتوقَّف عنده، بل ينتقل إلى أولاده من بعده، فيعيَّر بما لم يفعل، ويحرم من مال أبيه من دون جرم ولا سبب، كما أنَّه ليس مع الجمهور أكثر من «الولد للفراش» وقد أجاب المجيزون بأنَّ الحديث خاصٌّ فيما إذا كان هناك صاحب فراش ينازع في الولد، أمَّا إذا لم يكن صاحب فراش فإنَّ الحديث لا يدل عليه، إذ لا نزاع أصلًا، وعليه فلا مانع من استلحاق أبيه له، وهذا الَّذي ترجَّح لديَّ.
وإذا ثبت النسب، فإنَّه يترتَّب عليه كل الحقوق والآثار من الميراث والعصبة والعاقلة والدية والنفقة، وغير ذلك.
وعليه فيجوز نسبة الولد إلى أبيه، وأرى أنَّ النسب ما دام قد ثبت بموافقة الأب، وإقرار الأم، فلا مانع شرعًا من اعتبار المولود بهذه الكيفية وريثًا شرعيًّا لهما. وبالله التوفيق.
وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في البيوع (2218)، ومسلم في الرضاع (1457).
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المظالم والغصب (2482)، ومسلم في البر والصلة (2550)، عن أبي هريرة.
(3) رواه البخاري في التفسير (4747)، عن ابن عبَّاس.
(4) رواه مالك في الأقضية (2738) تحقيق الأعظمي.