2026-06-15
35
موقف الأولاد من والدهم الَّذي يتناول المشروبات المحرمة
نحن أسرة متدينة، ولكن مشكلتنا أنَّ أبانا ـ الَّذي هو رب الأسرة ويبلغ من العمر خمسًا وخمسين سنة، وهو موظف من كبار الموظفين، وحالته المادية جيدة من جميع النواحي ـ بعد الثامنة مساء من كل يوم يتناول المشروبات المحرَّمة، ممَّا يجعل البيت جحيمًا، وبعد أن يلعب الخمر برأسه يقول لنا ولأمنا كلامًا لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون.
إضافة إلى ذلك فوالدي لا يتكلم مع الوالدة منذ ثلاث سنوات، رغم أنَّ والدتي تحاول إرضاءه بشتى الطرق، وهو دائم الشك في والدتي وأخواتي، رغم أنَّ أمي وأخواتي متدينات ملتزمات بحمد الله، ولكن هذه المحرمات الَّتي يشربها هي السبب فيما يقوم به، وفيما وصلنا إليه الآن، ولقد حاولت إقناعه بأن ينتهي عن تناولها، ولكن لا فائدة، وحيث إنَّه والدي، وأنا ملتزم بقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا﴾[الإسراء: 23]، لا أدري ماذا أفعل معه، فأريد من فضيلتكم إرشادي لما أفعله مع والدي، رغم محاولاتي لإقناعه عن التخلِّي عما يقوم به من أفعال، ولكم جزيل الشكر.
(س. م. ع)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا شيء مؤسف، فالمفروض في الأب أن يكون قدوة لأولاده، يكون أسوة حسنة؛ فأبناؤه وبناته يتشبَّهون به، وكما يقول الشاعر(1):
إذا كان ربُّ البيتِ بالدُّفِّ ضاربًا
فشيمةُ أهلِ البيتِ كلِّهم الرقصُ
فإذا كان هذا الأب الكبير المسؤول عن الأسرة يشرب المحرمات، ويتناول المسكرات، ولعله أيضًا يتناول المخدرات ـ والعياذ بالله ـ فماذا يصنع الأولاد؟! قد أفسدت الخمر عقله وحياته، فأصبح لا يقوم بحق زوجته، ولا يقوم بحق أولاده، بل يشك في امرأته، ويسبُّ أولاده، ويسبُّ بناته، وهذا أمر لا يجوز؛ لأنَّ الرجل يسيء بهذا إلى أسرته، ويلوِّث سمعته، ولكنَّه لم يعد له عقل، فلو كان له عقل ما أصاب هذه المحرمات وداوم عليها، وعاش يرتكب هذه المنكرات، فالخمر أم الخبائث ـ والعياذ بالله ـ وهي رجس من عمل الشيطان، أفسدت عقل الرجل، وأفسدت حياته، وهو يدمِّر أسرته بهذا السلوك.
نصيحتي إلى هذا الابن البار الوفي أن يستمر على ما هو عليه، وأن يجعل شعاره قول الله:﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًۭا كَرِيمًۭا﴾[الإسراء: 23].
استمر على هذا الشعار، وعلى هذا الالتزام؛ لأنَّ الله تعالى لم يشرع لنا أن نعُق الوالدين، ولو كانا مشركين، ولو كانا يحاولان إدخالنا في الشرك، ويجاهدان على ذلك، وهذا ما ذكره الله تعالى في سورة لقمان، يقول الله تعالى في شأن الوالدين: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا﴾[لقمان: 15]. المصاحبة بالمعروف مطلوبة وإن كانا مشركين يجاهدان أولادهما على الشرك، يحاولان إدخال أولادهما في الشرك، هذه الآية في الأب المشرك، فكيف بالمسلم العاصي؟
لا يسعنا إلَّا أن نقول للأخ: دُم على ما أنت عليه، واطلب الهداية من الله لهذا الأب، وحاول ما بين الحين والحين أن تنصحه برفق، لا تتطاول عليه؛ لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للوالدين يختلف عن غيرهما، فلا يجوز لك أن تعنِّفه، ولا يجوز أن تسبَّه، ولا يجوز أن تقول له: يا فاسق، يا ظالم. إنَّما تقول له: هذا حلال، وهذا حرام، يا أبتِ أنت قدوتنا، يا أبتِ هناك آخرة، ولا يضمن أحد الموت، ولا يضمن أحد الصحة. وهكذا.
وممكن أن تحدِّث بعض الأقارب أو بعض أصدقائه من الصالحين؛ لكي ينصحوه، وأن تدعو له بالهداية، ولا تيئس، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمٰن يقلِّبها كيف يشاء، إن شاء أقامها، وإن شاء أزاغها، نسأل الله له الهداية والتوبة.
(1) هو سبط ابن التعاويذي قاله في هجاء ابن عروة، كما في ديوانه صـ 247، تحقيق س. مرجليوث، نشر مكتبة المقتطف، مصر، 1903م.