2026-06-15
23
الإساءة إلى الأرحام
أنا فتاة أبلغ من العمر تسع عشرة سنة، أؤدي واجبي الديني منذ صغري، والحمد لله، كما أنَّني على خلق يشهد به الجميع، ومع ذلك؛ فإنَّني أشكو من شيء قد يكون غريبًا، فإنَّ لي أختًا من أبي متزوجة، وعندها بنات يكبرنني سنًّا، ومنذ كنت صغيرة وبناتها يحقدن عليَّ ويكرهنني، دون أن أعرف السبب، مع أنِّي لم أمسسهن بسوء، وليس هذا فقط، بل إنَّني أسمع كلامًا سيئًا يقذفنني به، وعندما أفاتحهن في هذا ينكرن، ويكبِّرن القضية حتَّى تصبح فضيحة، مع العلم أنَّهن يعاملنني بكلِّ لطف عندما أجلس معهن، ولكن من ورائي يقلن كل شيء بذيء عني، ولذلك ابتعدت عنهن، حتَّى أتجنَّب هذه المشاكل، ولكن دون فائدة، فهنَّ ما زلن على كلامهن وتصرفاتهن، وهذا يؤثر كثيرًا على نفسي وحياتي، فما الَّذي يجب أن أقوم به؟ وما حكم الدين عليهن يوم القيامة؟ بارك الله فيك، وجزاك خيرًا.
(ب. ج. ح)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا ـ للأسف ـ ابتلاء، فبعض النَّاس قد يُبتلى بأقاربه، فمن الأقارب من هو بركة وخير على الإنسان، ومنهم ـ كما يقول المثل ـ عقارب يلدغون الإنسان، العقرب تلدغ وتختفي، وهؤلاء يلدغون ولا يختفون، وهذا لا يجوز، لا يجوز للإنسان أن يتكلم مع الإنسان في وجهه بكلام، ومن ورائه يتكلم بكلام آخر، كما يقول الشاعر:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب(1)
لا يجوز أن يكون الإنسان ذا وجهين، يلقى الإنسان بوجه حسن، ومن ورائه بوجه قبيح، أو يكون له لسانان، لسان يمدحه إذا رآه، ولسان يذمه إذا اختفى عنه، هذا من صفات المنافقين، والعياذ بالله، يقول رسول الله ﷺ : «إنَّ من شرِّ النَّاس ذا الوجهين، الَّذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجه»(2). وهذا السلوك لا يجوز بين النَّاس بعضهم وبعض، حتَّى بين المسلم وغير المسلم، فكيف بين المسلم وأخيه المسلم؟ وكيف بين الأقارب بعضهم وبعض؟ وكيف بين البنت وخالتها؟ هذه خالتها، وإن كانت صغيرة في السن، إنَّما هي خالة، والخالة والدة، لها حكم الأم.
الإساءة إلى الأرحام لا تجوز، وهذا من قطيعة الأرحام، وقطيعة الأرحام من الكبائر، الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا﴾ [النساء: 1]. والنبي ﷺ يقول: «الرحم معلَّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»(3). وعن أبي هريرة 3 ، عن النبيِّ ﷺ قال: «خلق اللهُ الخلق، فلمَّا فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بحِقْو الرحمٰن، فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا ربِّ. قال: فذاك». قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22](4).
الإساءة إلى الأرحام من أعظم الإساءات، ومن أعظم الذنوب، حتَّى جاء عن النبيِّ ﷺ : «لا يدخل الجنَّة قاطع»(5).
فأنصح هؤلاء البنات أن يتقين الله في خالتهن، وأن يكففن عن هذا الهمز واللمز والغِيبة، فإنَّه لا يجوز لمسلم أن يغتاب مسلمًا، ولو كان غريبًا، فكيف إذا كان قريبًا، فكيف إذا كانت هي الخالة الَّتي هي بمنزلة الأم، والله تعالى يقول:﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًۭا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾[الحجرات: 12].
وأنصح هذه الأخت أن تصبر على هذا البلاء، ولا تقابل السيِّئة بمثلها، ممكن تبتعد عنهن قليلًا، لا تقاطعهن بالكلية، ولكن تبتعد عنهن، ولا تختلط بهنَّ كثيرًا، إلَّا في المناسبات، تجنُّبًا للمشاكل، وحفظًا على نفسها؛ لأنَّ الله لا يكلِّفها أن تتحمَّل ما لا تطيق.
(1) البيت من القصيدة الزينبية المنسوبة لصالح بن عبد القدوس، انظر: ديوانه صـ125، تحقيق عبد الله الخطيب، نشر درا منشورات البصري، بغداد، 1976م.
(2) رواه مسلم في البر والصلة (2526)، وأحمد (10700)، عن أبي هريرة.
(3) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (5989)، ومسلم في البر والصلة (2555)، عن عائشة.
(4) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في تفسير القرآن (4830)، ومسلم في البر والصلة (2554)، عن أبي هريرة.
(5) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (5984)، ومسلم في البر والصلة (2556)، عن جبير بن مطعم.