2026-06-15
17
الترهيب من قطيعة الرحم
امرأة تشكو من أنَّ لها أختًا أكبر منها، لم تتزوَّج، وتعيش معها في البيت، ولكنَّ أختها شديدة وقاسية جدًّا، ولا تشعر تجاهها بالحب والحنان اللذين يكونان بين الأختين، وهي قد حاولت أن تقترب منها وتتودَّد إليها، ولكنَّها تردُّها وتصدُّها، وتعاملها معاملة سيئة، وكأنَّه ليست بينهما أخوة.
وتقول السائلة: وهي أحيانًا تشتمني، ولكنِّي لا أرد عليها، لأنِّي أعلم حالها، وأخشى الله أولًا وآخرًا في كل تصرفاتي. إنَّنا متخاصمتان منذ ثلاث سنوات، وعلى الرغم من محاولاتي أن أكلِّمها وأن نتصالح، وأن أقترب منها، لم تستجب، ولا أعرف لماذا تعاملني بهذه الطريقة، وفكرتُ كثيرًا، ولكن لم أجد سببًا لذلك، ولم أعرف أي شيء فعلتُه يستحق أن تعاملني بسببه بهذه الصورة السيِّئة، أنا يا سيدي مؤمنة بالله، وأداوم على الصلاة والصيام، وأفعل كل ما أمرنا الله به حسب استطاعتي، ولكنِّي أخاف ألَّا يقبل ذلك منِّي بسبب قطيعتي أنا وأختي، وأن يحرمني يوم القيامة من الجنَّة.
علمًا بأنَّ أمي حاولت أن تقرِّب بيني وبين أختي، وتصلح ما بيننا، ولكنَّها فشلت، وذلك بسبب إصرار أختي وعنادها، وأمِّي تعلم أيضًا أنَّ أختي ليست طبيعية كبقية الأخوات، ودائمًا تلوم نفسها بأنَّها لم تستطع أن تربِّيها مثلنا.
أرجو أن أجد حلًّا عندك، كيف أجد الحنان والأخوة الحقيقيَّة؟ وهل الله تعالى سوف يعاقبني على خصامي مع أُختي؟
(ع. ع)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الإسلام يحثُّ على صلة الرحم، والأرحام لها قيمتها في القرآن والسُّنَّة، الله تعالى يقول: ﴿وَأُو۟لُواْ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾[الأنفال: 75]. ويقول: ﴿وَاتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا﴾[النساء: 1]. ويقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرْحَامَكُمْ ٢٢ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَٰرَهُمْ﴾[محمد: 22 ـ 23]. ويقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾[النحل: 90]. وقال 8 :﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾[الشورى: 23]، ﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾[البقرة: 215]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾[البقرة: 180].
وقال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصلْ رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليصمت»(1). وقال: «من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصلْ رحمه»(2).
وأقرب الأقربين للإنسان بعد والديه إخوته وأخواته، فالأخوة لها حقوق، والإنسان ينبغي أن يقترب من إخوته، ويكون بينه وبينهم محبة وحنان ومودة، فأنا أعجب من هذه الأخت الَّتي تعامل أختها الأصغر منها بهذه القسوة وهذا العنف.
لكن على كلِّ حال، ينبغي ألَّا يستمر هذا الخصام، حتَّى ولو بقيت الصلة في حدِّها الأدنى، وهو السلام، حتَّى يزول هذا الجفاء؛ لأنَّ النبي ﷺ حذَّر من أن يهجر المسلم أخاه، فقال: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيُعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الَّذي يبدأ بالسلام»(3). هي ثلاثة أيام فقط، حتَّى تهدأ ثورة الغضب، بعد ذلك يجب أن تعود المياه إلى مجاريها.
الهجر يحرم الإنسان من مغفرة الله وجنته:
فالهجران يحرم الإنسان من مغفرة الله ومن جنته، والنبي ﷺ يقول فيما رواه مسلم في صحيحه: «تُفتح أبواب الجنَّة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكلِّ عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا، إلَّا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتَّى يصطلحا، أنظروا هذين حتَّى يصطلحا، أنظروا هذين حتَّى يصطلحا»(4). فمغفرة الله توزَّع عن اليمين وعن الشمال، ويحرم منها المتقاطعان المتخاصمان.
فلماذا يحرم الإنسان نفسه من مغفرة الله تعالى ورحمته وجنته، بشؤم هذا الخصام، وشؤم هذه القطيعة؟
وإذا كان هذا جزاء قطيعة المسلم لأخيه في الدين، فكيف بقطيعته لأخيه في الدين وفي النسب؟! فهذا أمر لا يجوز، وعلى المسلم ألَّا يقابل جفوة أقاربه بمثلها، وإنَّما يقابل الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم، والتنكُّر بالعفو والصفح، هذا هو شأن المسلم، الله تعالى يقول: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ﴾[الأعراف: 199]. وجاء في بعض الآثار: إذا كانوا هم عصوا الله فيك فأطع الله فيهم.
ومكارم الأخلاق: أن تصل من قطعك، وتبذل لمن منعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك، وخصوصًا من الأقارب، وقد جاء في الحديث: «لا يدخل الجنَّة قاطع»(5). وقد فسَّره العلماء بأحد معنيين: إمَّا قاطع الرحم، وإمَّا قاطع الطريق، والحديث يشمل الاثنين، فقاطع الرحم مثل قاطع الطريق، لا يدخل الجنَّة، والعياذ بالله.
فالإنسان لا يجوز أن يقطع رحمه، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: «أنا الرحمٰن، وخلقت الرَّحِمَ، وشققتُ لها من اسمي، فمن يَصِلْها أصلْه، ومن يقطعْها أقطعْه»(6). من وصل الرحم وصله الله بكرمه وإحسانه وجوده وفيض عطائه، وسهل له الأمور، ومن قطعها قطعه الله عن فضله وكرمه وجوده وإحسانه، والعياذ بالله.
فعلى المسلم أن يصل أرحامه، خصوصًا إخوانه وأخواته.
وأنصح الأخت أن تقترب من أختها، ولو بالسلام. حتَّى ولو لم ترد عليها السلام، فعسى الله أن يليِّن قلب هذه الأخت، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمٰن يقلبها كيف يشاء، فلعل الله أن يمنَّ عليها بفضله، ويُرِقّق قلبها، وتعامل أختها معاملة جيدة، والله 4 يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ﴾[فصلت: 34 ـ 35]. وعن أبي هُرَيْرة، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ. فقال: «لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير(7) عليهم ما دمتَ على ذلك»(8).
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6138)، ومسلم في الإيمان (47)، عن أبي هريرة.
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (5986)، ومسلم في البر والصلة (2557)، عن أنس.
(3) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الاستئذان (6237)، ومسلم في البر والصلة (2560)، عن أبي أيوب الأنصاري.
(4) رواه مسلم في البر والصلة (2565)، وأحمد (9053)، عن أبي هريرة.
(5) سبق تخريجه صـ 644.
(6) رواه أحمد (1686)، وقال مُخَرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود في الزكاة (1694)، والترمذي في البر والصلة (1907) وصحَّحه، عن عبد الرحمٰن بن عوف.
(7) الملُّ: الرماد الحارُّ. أي: كأنَّما تطعمهم إياه. والظهير: المعين والدافع لأذاهم. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (16/115).
(8) رواه مسلم في البر والصلة (2558)، وأحمد (7992).