2026-06-15
67
الطلاق بالكنايات
أنا رجل مقيم بدولة قطر، ولي قصَّة طويلة ومهمة جدًّا، أنا بحمد الله رجل ملتزم بأمور ديني، كنتُ ذات يوم جالسًا مع زوجتي وكانت حاملًا لها ثلاثة أشهر، وكان هناك رجل خطب زوجتي قبل أن أتزوجها وأهلها رفضوا، وحين خطبتُها أنا وافقوا وزوَّجوني والحمد لله، وبعد فترة قالت زوجتي لي في سياق كلام عن خطيبها الأول: هذا رجل طيب. كانت تريد المزاح معي، وأنا قلت لها: حين تضعي مولودي الَّذي في بطنك اذهبي للرجل الطيب.
باختصار يا فضيلة الشيخ أنا في موقف صعب جدًّا من هذه الكلمة، وقد قلتها دون شعور، فهل هذه الكلمة تطلَّق بها امرأتي أم لا؟ وإذا كان وقع الطلاق فماذا أفعل؟ علمًا بأنَّ المرأة الآن عندي وفي بيتي مع أهلي، وهي لا تعلم شيئًا عن هذا الموضوع.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الفقهاء قسمان، قسم يقول بكنايات الطلاق، ويوقع الطلاق بالكناية، وقسم لا يقول بالكنايات، ويقول: إنَّ الطلاق لا بدَّ أن يكون باللفظ الصريح، بلفظ الطلاق، أو بلفظ التسريح، أن يقول لزوجته: طلقتك أو سرَّحتُكِ، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا﴾[الأحزاب: 49]. وهذا مذهب الظاهريَّة ومن تبعهم، ولكنَّ لفظ التسريح ليس معروفًا الآن، فلا بدَّ من التصريح بلفظ الطلاق.
وأنا مع هذا المذهب، أنا ممَّن يضيِّقون في إيقاع الطلاق، وأرى ألَّا يقع الطلاق إلَّا بلفظ صريح، وبنية طلاق مصاحبة لهذا اللفظ، في طهر لم يمسَّها فيه، أو تكون المرأة حاملًا مستبينًا حملها.
فلا بدَّ من أن نضيق في إيقاع الطلاق، ولا نهدم الأسرة بالاحتمالات، فالأسرة مؤسسة عظيمة، الله تعالى سمَّى عقد النكاح ميثاقًا غليظًا، فقال: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا﴾[النساء: 21]. فلا يجوز أن ننقض هذا الميثاق، ونهدم البيت المسلم بمجرَّد الاحتمالات، فلا أرى وقوع الطلاق إلَّا باللفظ الصريح، أمَّا الكناية فلا يقع بها الطلاق.
وأقول للأخ السائل: حتَّى الَّذين يقولون بوقوع الطلاق بالكناية، يشترطون أن يصحب هذه الكناية نيَّة الطلاق، فينوي بهذا اللفظ الطلاق.
فلا حرج عليك أخي الكريم في هذه الكلمة الَّتي قلتها بدون شعور وبدون وعي، وابن عبَّاس يقول: إنَّما الطلاق عن وَطَر(1). يعني عن حاجة وقصد، يريد أن يهدم هذا البناء، وأن يهدم هذه المؤسسة، أن يفصم عُرى الأسرة، فلا بدَّ أن يعزم ويصمِّم، أمَّا مثل هذه الكلمة، فلا تهدم هذه المؤسسة العظيمة، ولا تنقض هذا الميثاق الغليظ كما سمَّاه الله 8 : ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا﴾ [النساء: 21]. ولذلك نقول: إذا كنت لم تنوِ الطلاق بكلامك هذا، فلا يقع الطلاق، حتَّى عند من يوقع الطلاق بالكناية، كما لو قال زوج لزوجته: اذهبي إلى بيت أهلكِ. أو: أنا أقدر أن استغني عنكِ. أو: اِلحقي بأهلكِ. فهذا كله كلام لا يقع به الطلاق، لأنَّه ليس لفظًا صريحًا. ولو قلنا بالكناية، فلا يقع الطلاق؛ لأنَّه لم ينوِ الطلاق بهذه الكنايات، وقد ورد في الحديث المشهور حديث الثلاثة الَّذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك مع النبيِّ ﷺ ، أنَّ سيِّدنا كعب بن مالك قال لزوجته: الحقي بأهلكِ(2). ولم يعتبر ذلك طلاقًا.
فأرى أنَّ هذه المرأة على ذمة زوجها، فهي زوجته ولا شيء عليهما، وليستغفر الله ممَّا حدث منه، ولا حرج عليه إن شاء الله: أن يبقى مع زوجته كما هما، زوجان سعيدان موفَّقان إن شاء الله.
(1) سبق تخريجه صـ 550.
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المغازي (4418)، ومسلم في التوبة (2769)، عن كعب بن مالك.