2026-09-18
241
طلاق الحامل الَّتي لم يعلم زوجها بحملها، وميراث المعتدَّة بطلاق
س
طلَّقني زوجي وأنا حامل في شهرين، ولم يكن يعلم بحملي، فلمَّا أخبرته بحملي وعدني بحلِّ الموضوع، ثمَّ شاء الله أن يتوفَّى في حادث بعد شهرين، ولم يكن أحد يعلم بأمر طلاقي.
ثم علمتُ من بعض المشايخ أنَّ هذا الطلاق لا يقع؛ لأنَّه لم يكن يعلم بحملي، فهل صحيح ما قالوه؟
ج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فالطلاق السُّنِّي الَّذي شرعه الله ورسوله: أن يطلِّق الرجل امرأته طاهرة من غير جماع ـ في طهر لم يمسَّها فيه ـ أو حاملًا قد استبان حملها. فتلك العدة الَّتي أمر الله أن يطلَّق لها النساء، قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ﴾[الطلاق: 1].
فإذا طلقها في الحيض، أو في طهر مسَّها فيه، ولا يدري أحملت أم لا ـ كما هو الحال في هذه المسألة ـ فهو الطلاق (البدعي) المحرَّم، الَّذي اختلف الفقهاء في وقوعه، برغم اتفاقهم على بدعيته، وتحريمه، وإثم فاعله.
فالمذاهب الأربعة على وقوعه وإن كان محرَّمًا ومخالفًا للسُّنَّة، ولهم أدلَّة على ذلك.
ومذهب بعض السلف، وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية: عدم إيقاع هذا الطلاق؛ لأنَّه على غير ما أمر الله تعالى ورسوله، وقد صحَّ في الحديث: «مَن عمِل عملًا ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌّ»(1)، أي مردود على صاحبه.
وثبت عن ابن عمر: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائض، فردَّها رسول الله ﷺ ، ولم يرها شيئًا(2).
وقد انتصر لهذا الحديث العلاَّمة ابن القيِّم في كتابه: «تهذيب سنن أبي داود»(3)، وأطال النفس في الاحتجاج به، والدفاع عنه.
واجتهاد ابن تيمية وابن القيِّم هنا اجتهاد له اعتباره، وهو موثَّق بالأدلَّة، وهو الموافق لمقاصد الشرع في بقاء الأسرة، وحمايتها من التصدُّع لأدنى الأسباب. وقد أخذ به بعض قوانين الأحوال الشخصية، ومنها القانون القطري، كما تبنَّاه كثير من رجال الفقه والفتوى في عصرنا.
وعلى هذا الرأي لا يعدُّ هذا طلاقًا، إذ طلقها حاملًا لم يستبن حملها.
وحتى إنْ أخذنا برأي الجمهور وأوقعنا الطلاق، فالزوجة في فترة عدتها، وهي إلى أن تضع حملها، لقوله تعالى: ﴿وَأُو۟لَٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾[الطلاق: 4]، وذلك للمطلَّقة والمتوفَّى عنها زوجها: قلَّت المدة أو زادت، فقد روى الشيخان حديث سُبَيْعة الأسلميَّة، أنَّها كانت في بني عامر بن لؤي، وكان ممَّن شهد بدرًا، فتُوُفِّيَ عنها في حجَّة الوداع وهي حامل، فلم تنشِب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلمَّا تعلَّت من نفاسها، تجمَّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكَك ـ رجل من بني عبد الدار ـ فقال لها: ما لي أراك متجمِّلة؟ لعلَّك ترجين النكاح! إنَّك، والله، ما أنت بناكحٍ حتَّى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سُبَيْعة: فلمَّا قال لي ذلك، جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأنِّي قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إنْ بدا لي(4).
والزوجة في فترة العدة عليها أن تمكث في بيت زوجها المتوفى، لا تخرج منه، ولها ميراثها منه كاملًا؛ لأنَّه مات في فترة العدة. والله ولي التوفيق.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الصلح (2697)، ومسلم في الأقضية (1718)، عن عائشة.
(2) رواه أحمد (5524)، وقال مخرِّجوه: صحيح دون قوله: «ولم يرها شيئًا». ورواه أبو داود في الطلاق (2185) من رواية أبي الزبير، وقال: والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. وقد أنكر هذه الزيادة الشافعي والخطَّابي كما قال ابن عبد البر في التمهيد (15/65، 66)، وابن رجب في جامع العلوم (الحديث الخامس) (1/187، 188)، والحافظ في الفتح (9/354)، وصحح العلامة ابن القيم هذه الزيادة، وأفاض في الردِّ على من ضعفها، انظر: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (3/95 ـ 111)، تحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي. وزاد المعاد (5/199 ـ 217). وصحَّحه الألباني في غاية المرام (258).
(3) راجع: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (3/96 ـ 111)، تحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي، نشر المكتبة الأثرية، باكستان، ط 2.
(4) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المغازي (3991)، ومسلم في الطلاق (1484).