2026-06-15
11
قصُّ الشعر حزنًا على الميِّت
تُوفِّيَ خالي، فقصَّت أُمِّي شعرها حدادًا عليه، وعلمنا أنَّ قصَّ شعر المرأة عليه كفَّارة، إمَّا أن تدفع مبلغًا أو تصوم شهرين، وهي لا تستطيع الصيام لضعف حالتها الصحيَّة، وسؤالي هو: هل توجد كفارة لقص الشعر؟ وما هي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ما فعلته أمك أيتها السائلة أمر محرَّم؛ لأنَّه يدل على الجزع والسخط على قضاء الله 8 وقدره، وعلى المسلم إذا أصابته مصيبة أن يقول كما قال القرآن: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155 ـ 157]. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾، أي: نحن ملك لله، يتصرف فينا كما يشاء، وسنرجع إليه ليوفينا الجزاء، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. وجاء في الحديث أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، اللهمَّ أْجُرْنِي في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها. إلَّا أخلف الله له خيرًا منها»(1).
أمَّا إظهار الجزع، بقصِّ الشعر، أو لطم الخد، أو وضع الطين على الرأس، أو نحو ذلك ممَّا كان يفعله أهل الجاهلية، وما زال يفعله بعض جُهَّال المسلمين، فهذا ليس من الإسلام في شيء، والنبي ﷺ قال: «ليس مِنَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»(2). و«ليس منا» أي: ليس من شأن أهل الإسلام أن يفعلوا ذلك، إنَّما شأن أهل الإسلام أن يصبروا ويسلموا الأمر لله 4 .
فالأخت إذا فعلت ما فعلت من قصِّ شعرها، فقد ارتكبت ذنبًا من الذنوب الكبيرة الَّتي برئ منها رسول الله ﷺ ، وفي الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري 3 قال: إنَّ رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقَّة(3). والصالقة: هي الَّتي ترفع صوتها، والحالقة: هي الَّتي تحلق شعرها، والشاقة: هي الَّتي تشقُّ ثوبها، عند المصيبة.
فعليها أن تتوب إلى الله 4 ، وتستغفر الله 8 ، وتندم على ما حصل منها، وتفعل الخيرات، وتجتنب السيئات، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]. فكل الذنوب قابلة للتوبة، فعليها أن تندم على فعلتها، وتعزم على ألَّا تعود إلى ذلك أبدًا، وتكثر من الصالحات، ويتوب الله على من تاب، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. أمَّا الكفارة، فليس فيما فعلت كفارة من صيام أو إطعام، لكن كما قلت، عليها أن تتوب ممَّا فعلت، وتكثر من الحسنات، فإنَّهن يذهبن بالسيئات.
(1) رواه مسلم في الجنائز (918)، وأحمد (16344)، عن أم سلمة.
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الجنائز (1294)، ومسلم في الإيمان (103)، عن ابن مسعود.
(3) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الجنائز (1296)، ومسلم في الإيمان (104)، عن أبي موسى الأشعري.