حكم الاحتفال بعيد الأم

❓ حكم الاحتفال بعيد الأم

📅 2026-06-16 👁 53 مشاهدة

نص السؤال:

كما تعلمون أنَّ في كل سنة يحتفل العالم بما يسمَّى بـ «عيد الأم» تكريمًا لها على ما تبذله في سبيل خدمة الأسرة والمجتمع. كما يحتفل بهذا اليوم أيضًا المسلمون فينظِّمون الحفلات والمحاضرات إحياءً لهذا العيد. فهل الاحتفال بهذا العيد حرام؟
وجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يعرف التاريخ دينًا ولا نظامًا كرَّم المرأة باعتبارها أمًّا، وأعلى من مكانتها، مثل الإسلام.
لقد أكَّد الوصيَّة بها وجعلها تالية للوصية بتوحيد الله وعبادته، وجعل برَّها من أصول الفضائل، كما جعل حقها أوكد من حق الأب؛ لما تحمَّلته من مشاق الحمل والوضع، والإرضاع والتربية. وهذا ما يقرره القرآن ويكرره في أكثر من سورة؛ ليثبته في أذهان الأبناء ونفوسهم. وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]، ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15].
وجاء رجل إلى النبيِّ يسأله: من أحقُّ النَّاس بحُسْن صحابتي؟ قال: «أمُّك». قال: ثمَّ من؟ قال: «أمُّكَ». قال: ثمَّ من؟ قال: «أمُّك». قال: ثمَّ من؟ قال: «أبوك»(1).
ويروي البزَّار أنَّ رجلًا كان بالطواف حاملًا أمَّه يطوف بها، فسأل النبيَّ هل أدَّيتُ حقَّها؟ قال: «لا، ولا بزفرةٍ واحدةٍ»(2). أي من زفرات المخاض والوضع ونحوها.
وبرها يعني: إحسان عشرتها، وتوقيرها، وخفض الجناح لها، وطاعتها في غير المعصية، والتماس رضاها في كل أمر، حتَّى الجهاد، إذا كان فرض كفاية لا يجوز إلَّا بإذنها، فإنَّ برَّها ضرب من الجهاد.
جاء رجل إلى النبيِّ فقال: يا رسولَ الله، أردتُ أن أغزو، وقد جئتُ أستشيرك. فقال: «هل لك من أمٍّ؟». قال: نعم. قال: «فالزمْها؛ فإنَّ الجنَّة عند رجليها»(3).
وكانت بعض الشرائع تهمل قرابة الأمِّ، ولا تجعل لها اعتبارًا، فجاء الإسلام يوصي بالأخوال والخالات، كما أوصى بالأعمام والعمَّات.
أتى النبيَّ رجلٌ فقال: إنِّي أذنبتْ، فهل لي من توبة؟ فقال: «هل لك من أمٍّ؟». قال: لا. قال: «فهل لك من خالة؟». قال: نعم. قال: «فبَرَّها»(4).
ومن عجيب ما جاء به الإسلام أنَّه أمر ببرِّ الأم وإن كانت مشركة، فقد سألت أسماءُ بنت أبي بكرٍ النبيَّ عن صلة أمِّها المشركة، وكانت قدمت عليها، فقال لها: «نعم، صِلي أُمَّكِ»(5).
ومن رعاية الإسلام للأمومة وحقها وعواطفها: أنَّه جعل الأم المطلقة أحق بحضانة أولادها، وأولى بهم من الأب.
قالت امرأة: يا رسولَ الله، إنَّ ابني هذا كان بطني له وِعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإنَّ أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منِّي! فقال لها النبيُّ : «أنت أحقُّ به ما لم تَنْكِحي»(6).
واختصم عمر وزوجته المطلَّقة إلى أبي بكر في شأن ابنه عاصم، فقضى به لأُمَّه، وقال لعمر: ريحُها وشمُّها ولفظُها خيرٌ له منك(7). وقرابة الأمِّ أولى من قرابة الأب في باب الحضانة.
والأمُّ الَّتي عني بها الإسلام كلَّ هذه العناية، وقرَّر لها كلَّ هذه الحقوق، عليها واجب: أن تحسن تربية أبنائها، فتغرس فيهم الفضائل، وتبغِّضهم في الرذائل، وتعوِّدهم طاعة الله، وتشجِّعهم على نصرة الحق، ولا تثبطهم عن الجهاد، استجابةً لعاطفة الأمومة في صدرها؛ بل تغلِّب نداء الحق على نداء العاطفة.
ولقد رأينا أمًّا مؤمنة كالخنساء، قبل معركة القادسية تحرِّض بنيها الأربعة، وتوصيهم بالإقدام والثبات في كلمات بليغة رائعة، وما إن انتهت المعركة حتَّى نُعوا إليها جميعًا، فما ولولت ولا صاحت، بل قالت في رضا ويقين: الحمد لله الَّذِي شرفني بقتلهم في سبيله(8)!
هذه هي منزلة الأم عندنا نحن المسلمين.
أمَّا بالنسبة للأم عند الغربيين فقد جعلوا لها يومًا في السنة، سمَّوه «عيد الأم»؛ لأنَّ سُنَّة الغربيِّين ـ بعد أن يبلغ الابن أو البنت ـ أن يذهب كل واحد إلى حال سبيله، ولا يعرف الأسرة، ولا يتصل بالأب ولا يتصل بالأم؛ بل كلٌّ منهم مهموم بأمر نفسه، الابن يبحث له عن صديقة (Girl friend) والبنت تبحث عن صديق (Boy friend) ولا يذكران ذلك المحضن الَّذِي نشأ كل منهما في ظلِّه، وما له من حقٍّ عليهما.
فبر الوالدين فضيلة لا وجود لها في المجتمع الغربي؛ ونحن لسنا هكذا، الابن عندنا مرتبط بأسرته، والابنة مرتبطة بأسرتها، وكل أيام أمهاتنا أعياد، وليس يومًا في السنة، بخلاف الحال عندهم، حيث لا يرى الآباء والأمهات أولادهم، ولا أولادهم يرونهم، فكان لا بدَّ من تخصيص يوم للأب، ويوم للأم في كل عام! أمَّا نحن فما حاجتنا لهذا؟ نحن نُقَلِّدهم تقليدًا أعمى. وإن كان ولا بدَّ أن نحتفل بعيد الأم، فلنحتفل بها في عيد الفطر وعيد الأضحى، فلو كان أحدنا غائبًا عن أُمِّه فعليه أن يزورها يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى.
لا أقول: إنَّ إقامة عيد للأم حرام، فإنَّ التحريم لا يقدم عليه عالم إلَّا بنص، والأصل في الأشياء والعادات: الإباحة. وإن كنت لا أجد حاجة لمثل هذا الأمر في مجتمعاتنا.
قد نقول بكراهة هذه الأمور الَّتي نفقد فيها ذاتيتنا، ونسير فيها وراء غيرنا، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلناه تبعًا لهم، وهو ما ذمَّه النبي (9).
فإذا كان ولا بدَّ، فلنُسمِّه «يوم الأم» بدل «عيد الأم» لأنَّ فكرة العيد عندنا مرتبطة بالدين. ولا نودُّ أن يكون لنا عيد غير عيد الفطر، الَّذِي نحتفل فيه بإتمام الصيام لشهر رمضان، وعيد الأضحى، الَّذِي نشارك فيه حجاج بيت الله الحرام في يوم حجهم الأكبر.
وليحرص النَّاس في مثل هذا اليوم أن لا ينسوا الأبناء والبنات، الَّذين فقدوا أمهاتهم، ويصبح هذا اليوم يوم حزن ونكد عليهم.
ومثل ذلك: الأولاد الَّذين انفصلوا عن أمهاتهم بسبب الطلاق، فحرموا من عطف الأمهات، واستبدلوا بهن زوجات الآباء، اللاتي كثيرًا ما يعاملونهم بالقسوة والجفاء.
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة