2026-06-18
131
رفقًا بالقوارير
أنا يا سيدي فتاة في آخر سِنِي المراهقة، ورغم عمري الصغير، إلَّا أنَّني أحمل من الحزن والألم والقهر، والظلم والانكسار والعذاب: ما يفوق سني وعمري بكثير، وأحمل في قلبي من الثقة برحمة ربي الَّذِي يراني الآن ودائمًا، ويراك وأنت تقرأ رسالتي هذه، وفي كل وقت، ما يفوق ذلك الحزن والألم بكثير وكثير، لست هنا أشكو، إنَّما يشكو الإنسان لمولاه، ولكنِّي استخرت الله تعالى، فهداني إلى أن أكتب إلى فضيلتك، أخبرك بحكايتي، وأطلب منك المساعدة.
أنا يا سيدي فتاة قطرية، من أسرة، لا أقول محافظة، بل مقيِّدة لكل طاقاتي وقدراتي، وليس هذا حالي وحدي، إنَّما حال الكثيرات من أمثالي، ففي مجتمعنا البنت تحمل بداخلها تفاؤلًا بالمستقبل، طاقات وقدرات ومواهب من الله 8 ، تنمو معها، تُحسُّها، تنبض مع نبضها، يحدوها الأمل أن تغدو هذه المواهب غدًا مستقبلًا رائعًا ومميَّزًا، ترسم لنفسها طريقًا أروع، وفجأةً يا والدي تصحو على حقيقة مرَّة، أنَّها أنثى، بنت، أشياء كثيرة تُحْرَمُ منها، أشياء كثيرة تدخل بند العيب، العيب في العرف لا في الشرع، تُهان كثيرًا من قِبَل ذكور العائلة، ويقول الجميع: إن هذا لمصلحتها. تكسر كرامتها، ويُجرح شموخها، فيشعر هذا الذكر بالنشوة والانتصار، وتشعر هي بالذل والمهانة والانكسار، والكل يرى أنَّها لا بدَّ أن تُعامل بهذه الطريقة؛ لأنَّه من العيب أن تكون شخصيَّة البنت قوية ومستقلة.
أقسم أنَّني أتألم من الحزن أشد الألم، وأنا أكتب هذه الكلمات إليك، وأنا أغالب دموعي من كبريائي واعتزازي بنفسي، ولكنِّي لا أقدر، وتبتلع هذه الصغيرة في السن غُصَّة الظلم، ومرارة الجهل والقسوة، تتجرَّعها حتَّى يكاد جوفها يحترق من الوجع، تشعر بأنَّ من يفضَّلون عليها من الذكور قد لا يملكون ما تملك من قدرات ومواهب، تشعر أنَّها لو أُعطيت الفرصة والحرية لأنتجت أشياء عدة، أشياء جميلة، أشياء نافعة، ولكانت شخصيَّة يفتخر بها أهلها ووطنها، لكنَّها تظل حبيسة.
أقسم لك أنِّي أشتاق للحرية، هل تصدِّق أنَّني منذ خرجت من رحم أمي إلى اليوم لم أولد؟ أشتاق للحياة جدًّا، أريد أن أشعر بطعمها، تعبت من الحبس، ارتوت سجادتي وارتوت وسادتي من دموعي، أحسُّ بعذاب عقلي كأنَّه أسد حبيس يضرب بنفسه في جدران رأسي، إنِّي أعيش بهذا الوضع من سنين، أتعذَّب وأبكي دون أن يراني أحد، يا سيدي أنا أشعر بالعجز والقصور، إنِّي لا أملك حق اختيار مستقبلي، تهدم أحلامي، تنتحر أمامي، وأحملها على كتفي، فأنحني وأنحني، كاد الظلم يقصم ظهري، يا سيدي، أنا في غمرة هذا أجد شيوخ الدين يتحدَّثون عن المرأة، كل ما يتحدَّثون عنه عمَّا يحلُّ للمرأة أن تلبس، وما لا يحل لها أن تلبس، إن كنتم تريدون امرأة مسلمة شكلًا، فاستمروا على هذا الحال من الضغط الاجتماعي على المرأة، بدأت المرأة تتجه لطرق لا يرضاها الدين، يا سيدي، المرأة تلبس العباءة والجلباب و«الغشوة» في الشارع، وفي الجامعة تصبغ وجهها بأدوات المكياج بعيدًا عن أهلها، وتخلع الحجاب عندما تسافر للخارج، هذه المرأة المسلمة شكلًا هي مسلمة، ولكن لا تمنح حقوقها الَّتي أقرها لها الدين، لهذا تفعل ما تفعل؛ لأنَّها إنَّما تنتقم من المجتمع حولها، لا ننكر أنَّ بعض شيوخ الدين يُطْبِقون على المرأة، ولا يمنحونها الحد الأدنى من حقوقها، ويرون أنَّ هذا يصبُّ في المصلحة العامَّة للمجتمع، بينما يُترك الحبل على الغارب للرجال.
يا سيدي، هل الحفاظ على المجتمع من الفتنة يكون بأن يُظلم طرف كل الظلم بينما يُعطى الطرف الآخر كل شيء ولو كان حرامًا؟! إي وربي حرام.
لقد قرأتُ كتابًا لأحدهم في مكتبة الجامعة عن المرأة والأسرة، وأرى أنَّه كتاب ضارٌّ يجب أن يخرج من مكتبة الجامعة؛ لأنَّه يسيء إلى الأسرة، بل ويسيء إلى الإسلام نفسه.
ثم تقول الأخت: هل تعرف لماذا شعرتُ بالضيق، حتَّى من علماء الدين، ومن الدين في بعض الأحيان؟ بسبب الضغوط الرهيبة الَّتي نعانيها، ومن الظلم الاجتماعي الَّذِي نعيشه، والذي أخشى أن يجرَّني إلى طريق لا يرضاها الله، أحيانًا أفكر في الانتقام من أهلي بطريقة تجعلهم يشعرون بالمهانة كما أحسُّها، ولكن أعود فأستغفر الله وأقول: يا نفس، اصبري، وما صبرك إلَّا بالله. إنِّي أخشى على ديني، وأقول لكل المجتمع: اتقِ الله في ديننا، اتقِ الله فينا، لا تجرنا بظلمك إلى الخروج عن الدين، وعن تعاليم الدين وأحكام الله.
أستاذي وشيخي، في اعتقادك كيف يصبح لون القلب إذا نزف وجُرح وتقيَّحت الجروح وتجمَّد الدم فيه؟ يصبح أسود متقرِّحًا، أجل لقد أصبح قلبي أسود، بعد أن كان أبيض بريئًا طاهرًا، وأصبحتُ أشتاق للموت، وأعود فأستغفر الله، هل تصدِّق أنَّني قرأتُ قصَّة شاب أبكم وأصم لم يجد عملًا، فشمتُّ فيه، أستغفر الله، ربَّما لأنَّ لديه من الحرية ما ليس عندي.
نعم يا سيدي، أنا معقَّدة، ومريضة نفسيًّا، ومرهقة ذهنيًّا وعصبيًّا، على الرغم من سني الغضة، إلَّا أنِّي أتجرَّع وأصبر، وأقول: يا إلٰهي، هل أنا سيئة لألاقي كل هذا من أهلي؟ هل كل هذا لأنِّي وُلدتُ أنثى وبنتًا؟ هل أنا عار؟ أليس من حقِّي أن يشعر أهلي بمشاعري ويراعوها؟ ألست في سن خطرة يجب حمايتي فيها من الأفكار المدمرة؟ هل هناك قلب واحد في هذا الكون يحبني؟
بلل الدمع الورق، وها أنا أبكي في جوف الليل وبعد منتصف الليل، بينما ينام الأهل قريري العين، ويسهر الشباب يتسكَّعون في الشوارع.
سيدي هل تشعر بي؟ هل حزنتَ لمَّا قرأتَ عن حالتي ولو للحظة ولو ثانية، فتأكد أنِّي سأشكرك عليها شكرًا جزيلًا، وتأكد بأنِّي أحبُّك كأبي حبًّا صادقًا، أحبُّك كوالدي، أشكرك شكرًا جزيلًا لمجرد أنَّك قرأت رسالتي واهتممت بها، وأستحلفك بالله ألَّا تقول لأحدٍ عن هذه الرسالة.
وأرجوك يا فضيلة الشيخ أن تقود حملة لتوعية الأهل بخطورة التشدد والتضييق على البنات وحرمانهن من إثبات ذاتهن، وخطورة أن يتزوجن من لا يرغبن فيه، وأن توضع من القوانين والإجراءات ما يمنع الأهل من تزويج بناتهن لمن لا يرغبن في الزواج منه.
وقد طلبت ابنتنا في نهاية خطابها أن تمنح المرأة حقَّ قيادة السيارة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الفتاة لا شك أنَّ رسالتها أثَّرت فيَّ، وحزَّت في قلبي، خاصَّة أنَّها كتبتها بلغة رفيعة رقيقة، ويبدو منها أنَّ الله وهبها موهبة الأدب والكتابة، وأنصحها أن تكتب في الصحف والمجلات، فرسالتها تدل على أنَّ لديها قدرة، وتستطيع أن تكتب، والقلم يمرُن ويسيل ويتدفق بالكتابة، ويصدأ بعدم الكتابة، فعليها أن تستخدم قلمها، وبهذا تثبت ذاتها.
وأنا لم أستجب لطلبها بأن لا أنشر رسالتها؛ لأنَّها لم تذكر اسمها، هي قالت: إنَّها فتاة قطرية، وهذه مشكلة تعانيها الكثيرات.
الأنوثة ليست عارًا:
ابنتنا الأديبة السائلة تقول: إنَّ عندها مواهب وقدرات، ولكن أهلها لا يعترفون بمواهبها وقدراتها، وذكور العائلة يسخرون منها، وهذا لا ينبغي، السخرية من المرأة ليست من الإسلام في شيء، الأنوثة ليست عارًا، الله 8 يقول: ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًۭا وَإِنَٰثًۭا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ﴾[الشورى: 49 ـ 50]. ربنا بدأ بالإناث قبل الذكور، وقال:﴿يَهَبُ﴾، فالبنت هبة من الله.
ولذلك جاء الإسلام يبطل ما كان عليه أهل الجاهليَّة، كانوا يعتبرون ولادة البنت مصيبة، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ٥٨ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ﴾، يرضى بالذل وبالواقع ويسكت، ﴿أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ﴾، ويتخلَّص منه بالوأد، ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: 58، 59]، ﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ ٨ بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8، 9]. انتهى عصر الجاهليَّة، وجاء الإسلام، وكرَّم البنت، وأنقذها من الوأد، وجعل لها قيمتها وحقَّها في الحياة.
المرأة مكلَّفة مثل الرجل:
المرأة مساوية للرجل في أصل التكليف، الله تعالى يقول:﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلْخَٰشِعِينَ وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا﴾[الأحزاب: 35].
وقول الله تعالى:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، وقوله:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾، هو خطاب للرجل والمرأة، سمعت أمُّ سلمة النبي ﷺ يقول على المنبر وهي تمتشط: «أيُّها الناسُ». فقالت لماشطتها: لُفِّي رأسي. قالت: فقالت: فديتُكِ، إنَّما يقول: «أيُّها النَّاس». قالت أمُّ سلمةَ: ويحَكِ، أوَلسْنا من النَّاس(1)؟
والمرأة مساوية للرجل في الجزاء، قال الله 8 :﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ﴾[آل عمران: 195].
الإسلام كرَّم المرأة، وذكرتُ ذلك في رسالتي: «مركز المرأة في الحياة الإسلاميَّة»، كرَّمها إنسانًا، وكرمها بنتًا، وكرمها زوجةً، وكرمها أمًّا، وكرمها أنثى، وكرمها عضوًا في المجتمع، كما قال الله تعالى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾[التوبة: 71]. فالمرأة في الوظائف الاجتماعيَّة ـ مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ مكلَّفة مثل الرجل.
ووجدنا المرأة تناقش رسول الله ﷺ :﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾[المجادلة: 1].
بل تشير على النبيِّ ﷺ ، فيستجيب لمشورتها، فبعد أن تصالح رسول الله مع قريش صلح الحُدَيْبية، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثمَّ احلقوا». قال عمر: فوالله ما قام منهم رجل، حتَّى قال ذلك ثلاثَ مرات، فلما لم يقمْ منهم أحد، قام، فدخل على أمِّ سلمة، فذكر لها ما لقي من النَّاس، فقالت أمُّ سلمة: يا رسولَ الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرج، ثمَّ لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتَّى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك. فقام، فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم، حتَّى فعل ذلك؛ نحر هديه، ودعا حالقه. فلمَّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتَّى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا(2).
وكان النساء يسألْنَ النبيَّ ﷺ في أخصِّ الأمور أمام الرجال، ولا يستحين، ولا يستنكفن من ذلك، فالإسلام كرَّم المرأة، فلا يجوز لنا أن نهينها، ونسخر منها، ونقهرها، ونذلَّ شخصيتها، هذا ليس من الإسلام في شيء.
بعض النساء أفضل من بعض الرجال:
وبعض النساء أفضل من بعض الرجال. كمريم بنت عمران، الَّتي اصطفاها الله على نساء العالمين:﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ ٤٢ يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾[آل عمران: 42 ـ 43]. وكما يقول الشاعر:
ولو كان النساءُ كمثلِ هذي
لفُضِّلَتِ النساءُ على الرجالِ
وما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عَيْبٌ
ولا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ(3)
وذكر لنا القرآن قصَّة امرأة قادت قومها إلى خيري الدنيا والآخرة، هي ملكة سبأ، الَّتي تعرف باسم بلقيس، ذكر القرآن لنا قصتها في سورة النمل، ولم يذكر هذا عبثًا، إنَّما يريد أن يقول لنا: إنَّ المرأة كانت أحكم من كثير من الرجال، قالت لقومها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ٣٢ قَالُواْ نَحْنُ أُو۟لُواْ قُوَّةٍۢ وَأُو۟لُواْ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾[النمل: 32 ـ 33]. الرجال الأشداء الأقوياء سلَّموا لها، وكانت عند حسن الظن، وقادت قومها إلى خيري الدنيا والآخرة، وأسلمت مع سليمان لله ربِّ العالمين، وتفادت الحرب الخاسرة مع سليمان 0 : ، حين اختبرته بالهدية، وعرفت هل هو ملِك من الملوك أم نبي من الأنبياء، هذا شأن المرأة.
فأنا أقول لابنتنا: لقد اجتازت قطر طريقًا طويلًا في إعادة المرأة إلى مكانتها، أول ما جئت إلى قطر جئت في أعقاب مناقشة حامية: هل تدخل المرأة المدارس الإعدادية والثانويَّة أم لا؟ كان بعض مشايخ العلم والدين يقولون: المرأة تتعلم إلى المرحلة الابتدائية فقط، وكانت مدرسة ابتدائية واحدة للفتيات هي مدرسة «آمنة محمود»، وكان هذا رأي كبار مشايخ قطر، وأذكر أنَّ أخانا أبا بكر الجزائري في الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة، ناقشني في هذا الأمر، وأصرَّ على أنَّ المرأة تتعلَّم حتَّى المرحلة الابتدائية فقط.
الحمد لله في قطر انتهى هذا العصر، وفُتِحَت أمام المرأة المدراس الابتدائية والإعدادية والثانويَّة والجامعة والماجستير والدكتوراه، وعندنا عدد من الأستاذات في جامعة قطر والحمد لله، فهذا أمر أصبح معروفًا، وأصبح عندنا وكيلات وعميدات لبعض الكليات في قطر، كلية الشريعة، وكلية التربية، وأصبح عندنا وزيرة في وزارة التربية والتعليم، ومديرة لجامعة قطر، ووزيرة صحة، ونائبات في البلدية، وأصبح عندنا نساء في مناصب متعددة، فالمرأة تستطيع أن تثبت ذاتها. وكلنا نعرف الشيخة موزة بنت ناصر زوجة الشيخ حمد ورئيسة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.
لكن بقي هناك بعض الأسر ما زالت تحمل أفكارًا قديمة، وما زال هناك بعض المشايخ عندهم ـ للأسف ـ فكرة سيئة عن المرأة، لم يفهموا وضع المرأة في الإسلام فهمًا جيدًا، وهؤلاء يسيئون إلى المرأة، ويسيئون إلى الإسلام.
ينبغي أن نتحرر نحن من قيود الظلام، وقيود الجاهليَّة الَّتي تحتقر المرأة، يجب أن نتخلص من رواسب العصور الماضية، رواسب التخلف، الَّتي ليست من الإسلام في شيء.
أرجو من ابنتي صاحبة القلم الرشيق البليغ هذا أن تكتب، وأن تخرج من قوقعتها بالكتابة، بدل أن تبكي وتبلل الورق بدموعها بعد منتصف الليل تكتب، اكتبي، وإن شاء الله ستثبتين وجودك، ولن تتزوجي إلَّا من تحبِّين، لن تُكرَهي على الزواج، مثلُك لا يمكن أن يُفعل به هذا.
وبالنسبة لمسألة التأكد هل البنت قبلت بالزواج ممَّن تقدم لها، فالقضاة هم الَّذين عليهم أن يتأكدوا هل البنت قبلت أم لا، القضاة في مصر أو المأذونون الشرعيون الَّذين يعقدون العقد، لا بدَّ أن يسمعوا من البنت بنفسها، أو يبعثوا إليها بشخصين موثَّقين عدلين يسألانها: هل توافقين على فلان زوجًا؟ ويسمعان من البنت وهي تقول لهما: نعم أوافق على الزواج من فلان. وأحيانًا يكون الأب أو الأخ هو الوكيل عن البنت، فيسألانها: هل توافقين أن يكون أبوكِ أو أخوكِ فلان وكيلًا لكِ؟ فتقول: نعم.
فنرجو من الإخوة القضاة الشرعيين أن يتأكدوا من هذا، حتَّى لا تجبر فتاة على الزواج رغم أنفها، فهذا لا يجوز شرعًا، وهو باطل، خصوصًا إذا كانت الفتاة جامعية مثل هذه الفتاة، لا يجوز أن تُزوَّج بغير رضاها، ولا أن تجبر على ما لا تحب.
أظن أنِّي أديتُ الأمانة، وأبلغتُ الرسالة، ولم أهمل شكوى هذه الابنة الطيبة، وأنا لو كنتُ من أهلها لافتخرتُ بها؛ لأنَّه يبدو لي أنَّها صاحبة موهبة، قادرة على العطاء، لماذا ندفن هذه المواهب؟ حرام علينا، لماذا لا نتيح لها الفرصة؟ ما دامت محتشمة، وملتزمة بالزي الإسلامي، وبأحكام الشريعة، وتؤدِّي فرائض الله، وتجتنب ما حرم الله، فلنتح لها الفرصة، وأعتقد أنَّ أمامها فرصة في الجامعة لتثبت وجودها، في النشاط الجامعي المتعدد، الفرصة أمامها لثبت ذاتها، وأسأل الله أن يجعل يومها خيرًا من أمسها، ويجعل غدها خيرًا من يومها، وأن يوفقنا جميعًا لما يحبُّ ويرضى.
(1) رواه مسلم في الفضائل (2295)، وأحمد (26546)، عن أم سلمة.
(2) رواه البخاري في الشروط (2731).
(3) البيتان للمتنبي، في رثاء أم سيف الدولة، انظر: ديوان المتنبي صـ 267، نشر دار بيروت للطباعة والنشر، 1983م.